"شيء إلهي".. حمل بلا جنس وقراءة بلا دوبامين
معجزة "عبد النبي" الجديدة
يتطلب الأمر مزيجًا من قوة الإرادة والجرأة لكي يبعد المرء موبايله ويغلق الشاشات، يترك العالم وكوارثه وضغوطه جانبًا، ثم يجلس ليقرأ رواية؛ قوة الإرادة لتقول "لا" لوسائل الترفيه التخديرية المصممة بعناية لمنحك جرعات سريعة ومتلاحقة من الدوبامين، وسحبك بسلام ووداعة نحو التعفن الدماغي، أما الجرأة فلأن الرواية ليست مثل الكتب الأخرى، لا تعدك بمعرفة ولا تخبرك كيف تحقق ذاتك وتصبح مليونيرًا، ولا تكشف لك أسرار الرؤساء والزعماء ونجاح الشركات.
في العادة يكتب الروايات أشخاصٌ يختلقون الأكاذيب ثم يطبعونها ويبيعونها لنا. الأغرب أن القارئ يعرف وهو يشتري الرواية أنه ينفق ماله على كذبة جميلة. يدرك أنه يترك وراءه الكتب التي تعده بالحكمة والسعادة وتنمية الذات، لكي يدفع ماله في كتاب يعرف مسبقًا أنه ليس سوى سلسلة من الأكاذيب المصاغة في شكل أدبي يسمى "الرواية".
لكنّ أكاذيب الرواية أحيانًا ما تملك القدرة على تعرية أكاذيب الحياة، وإيقاف الزمن من حولنا، وحين ننتهى من القراءة نبصر ركنًا معتمًا في داخلنا لم نكن نعرف بوجوده، ثم نخرج للعالم أكثر فهمًا لموجوداته وتقديرًا لتقلباته، وشغفًا لمعرفته.
كنت محظوظًا مؤخرًا بالعثور على هذا السحر في رواية شيء إلهي للكاتب محمد عبد النبي، الصادرة عن دار المحروسة. عمل قصير لكنه يأخذك في رحلة من القاع إلى القمة، ومن الاشمئزاز إلى رائحة الزهور وألوان الفراشات، ثم يتركك في النهاية أمام نفسك. تنظر حولك، فلا تجد العالم الذي كنت تعرفه قبل بدء القراءة، بينما يستمر الشعور بطعم الرواية.
سلامة "حامل"
يمضي بطل الرواية سلامة حياته باحثًا عن السلامة؛ يمشي بجوار الحيط وداخله إن أمكن. وُلد في أسرة فقيرة، لا مصدر دخل لها إلا حلة المحشي التي تسويها أمه وتبيعها بالصباع. سماه والده سلامة شغفًا بالسيرة الهلالية. غير ذلك لا يرث منه إلا الدمامة. تأخر في الكلام طفلًا فترسخت تهمة "البلاهة"، وحين وجد نفسه مجبرًا على مغادرة المدرسة بعد الإعدادية، والعمل في مهن شاقة مقرفة، تحمل تنمُّر وتعدي مراهقي الحارة وشبابها عليه، لكى يرعى أمه وأخوته البنات.
تسير حياة البطل الذي يُعين فراشًا في بنك حكومي، على الوتيرة نفسها؛ يؤدي عمله، ثم يعود إلى غرفته في الطابق الأرضي من بيت عزيزة الحلوة، يفتح التليفزيون ويجلس أمامه حتى يغلبه النوم، ثم يصحو ليذهب إلى العمل، حتى يفاجأ في عيد ميلاده الأربعين بأعراض غريبة على جسده؛ آلام في المعدة، قيء ودوخة، رغبة مجنونة في لحس زلط الشارع، ثم صوت يحادثه من داخل بطنه.
مع تزايد الأعراض، يوقن سلامة بالحقيقة المفزعة التي ستقلب حياته، يكتشف أنه "حامل"، ليبدأ في البحث عن طريقة للخلاص من مصيبته التي تهدد رجولته. "أنا حامل يا سومة، وعاوز أخلص م اللي ف بطني"؛ تضحك الممرضة الجارة وتحسب الأمر مجرد نكتة. لكن السونار لا يضحك. يرى الطبيب صورة "شيء" في بطن سلامة للمرة الأولى، فيتعجب من إرادة الله.
المعجزات تحدث
ليست المعجزة الحقيقية في تلك الرواية أن رجلًا حمل، ويخوض تجربة الأمومة دون أن تكون له أي تجارب جنسية سابقة. هذه حيلة درامية؛ كذبة روائي يلقيها للقارئ المتعجل اللهوف، لكن المعجزة أن "الشيء" يفتح حواس سلامة على العالم، فيدرك للمرة الأولى متعة المشي من أجل المشي، يشم، يتذوق، ويشتري الملابس، ويفكر في الحب والبحث عن سومة. يتعرف على ملذات الحياة التي كان يمر بجوارها دون أن يلتفت، كما تمر بنا الحياة ونحن مثبتين أمام الشاشات مثل سلامة.
يفتح "شيء" أعين سلامة على الحياة، لكن الأخير يخاف من الحياة، ومن "شيء" ذاته. يراه تهديدًا بالفضيحة والعار، تدميرًا لكل صور الذكورة والرجولة كما عرفها سلامة من سيرة أبوزيد والتليفزيون. ولذا خوفًا من العار، يبدأ رحلة بحث عن خلاص من "اللى في بطنه". ليصل إلى مركز خاص للخصوبة والإنجاب، تابع لشبكة عالمية مقرها في الولايات المتحدة. لتنتقل الرواية إلى مستوى آخر، يتحول فيه سلامة من رجل يحمل "شيء" في بطنه، إلى "حالة"، واكتشاف علمي يتنافس عليه المتنافسون بين من يريد أن يصبح صاحب الكشف الذي سيغير تاريخ الطب؛ عن أول رجل يحمل من دون علاقة جنسية، ومن يريد أن ينقله إلى أمريكا، حين الإمكانات والتمويل والمجد العلمي الحقيقي.
أن يسكننا شيء غريب
شيئًا فشيئًا، يتحول البطل الذي عاش عمره كله محاولًا الاختفاء عن الأنظار إلى أكثر جسد مرغوب فيه من القوى العالمية والمحلية. هنا يوسع عبد النبي لعبته. وتتكشف حقيقة الرواية، فهي ليست عن جسد سلامة، بل عن أجسادنا نحن، من يضع يده عليه ويدعي ملكيتها؟
تصبح أيضًا رواية عن الطبقات الاجتماعية وعلاقات القوة، والأجساد التي تنتهك بعضها البعض، وقبل ذلك عن السلطة التي تقول دائمًا إنها "تفعل ذلك لمصلحتك"؛ تسجن سلامة في غرفة تحت الأرض بدعوى حمايته وتأمينه، لكن حين تأتي أمريكا، تقدم جسده لها دون مقاومة.
أما "شيء"، الذي لم يكن يريد في البداية سوى الخروج ليرى الزهور والفراشات ويتمشى بجوار النيل، فيبدأ هو أيضًا في فهم العالم الذي يستعد للخروج إليه. عالم يبدو أن كل شيء فيه يحدث "بالخناق"، ليسأل باستغراب: لماذا لا يكون كل شيء بالاتفاق ويقرر اتخاذ القرار الأصعب عليه وعلى سلامة باعتباره السبيل الوحيد لإعادة تعريف معنى النجاة.
ولأن عبد النبي يكتب بلغة تشير ولا تفصح، تلمّح بالغمز والإشارة، يُبقى القارئ في حالة من الشك والنشاط الذهني، ويظل القارئ مشغولًا بسؤال طبيعة هذا "الشيء" داخل بطن سلامة، الذي لا يكشف كينونته، مع ذلك إن لمس أحدهم بطن سلامة فإن يعرف تاريخه وآلامه وأحزانه ولحظات السعادة القليلة.
شيء مشابه تفعله رواية عبد النبي بقارئها. عند منتصف الرواية تقريبًا، قد يشعر البعض، مثلي، بانتفاخ في البطن، وتهدّل في الثديين، وربما بسوائل بيضاء تتسرب منهما وتبلّل القميص. ثمة شيء يجعلنا نلتفت إلى كل تلك الألوان والروائح والأجساد المحيطة بنا، التي اخترنا تجاهلها، أو تعلّمنا ألّا نراها.
قرب نهاية الرواية، يكتشف سلامة أن كل إنسان يحمل حكاية لا يعرفها الآخرون كاملة، وأن حكاية الفرد لا تكتمل إلا بحكايات من حوله. وأن أي حكاية، في نهاية الأمر، ليست سوى أكذوبة. خيال ينهض على تأويل الوقائع والتجارب، لكننا حين نعيد سردها، نرى من خلالها الماضي والحاضر بعين جديدة، ونرى أنفسنا جزءًا من وعي جماعي أكبر يشكلنا ونشكله.
لا أريد أن أبسط الأمر، فأفسد النكتة بشرحها، وأقول إن هذا الشيء، أو الجنين، في بطن سلامة هو الرواية نفسها التي تتلاعب بهذه الإمكانية، وبهذا الوعد الذي تحمله كل رواية نفتحها لنقرأها: أن يسكننا شيء غريب، يسمع ويرى من خلالنا، ثم يمنحنا القدرة على رؤية ما لم نكن نريد أن نراه.