IMDB
تادانوبو اسانو، من أبطال فيلم Mortal Kombat II، إنتاج 2026

"Mortal Kombat".. العودة لمعارك الزمن المجهول

منشور الأربعاء 12 آب/أغسطس 2026

في نهاية يوم دراسي عام 1995، دعاني صديق لأكون حكمًا وشاهدًا على معركته مع صديق ثالث في لعبة فيديو جيم.

وافقتُ وتوجهنا إلى محل صغير في شارع بوالينو بمحرم بك في الإسكندرية. ثلاثة تلاميذ في الإعدادي يدخلون محلًا قسَّمه مالكه لجزئين؛ أحدهما لبيع البقالة الجافة والحلويات، والآخر وضع به جهازي فيديو جيم يعملان بكوينات/coins خاصة تتيح اللعب لجولات محددة. كان الكوين بنصف جنيه ويكفي للعب جولتين.

أخبرني صديقي أنه ادخر مصروف أربعة أيام ليشتري أربع عملات وكذلك فعل منافسه. وضع الاثنان المال في يدي وقالا لي "معاك أربعة جنيه. هتجيب باتنين جنيه أربع عملات، وهتخلي معاك اتنين جنيه هتديهم للكسبان".

لم أعرف وقتها معايير الفوز، لكن زميليَّ كلفاني بهذه المهمة لغياب صديقهما الذي يعرف قواعد اللعبة جيدًا "الكُوين هيكفي جولتين؛ 4 كوينات في 8 جولات، ولو اتعادلنا هتدي كل واحد جنيه.. تمام؟".

يومها عرفت للمرة الأولى لعبة MORTAL KOMBAT. أنهى صديقيَّ منافستهما، وعندما أعطيت الجنيهين للفائز، كنت قد أصبحت مهووسًا باللعبة.

هوس التسعينيات

جان كلود فاندام بطل فيلم Nowhere to Run، من إخراج روبرت هارمون، إنتاج عام 1993

راجت أفلام الفنون القتالية في التسعينيات بفضل النجاحات الكبيرة التي حققها نجوم مثل جان كلود فان دام ودون ويلسون وجاكي شان وويسلي سنايبس وجيت لي. وبفضل هذا الزخم، اكتسبت لعبة القتال Street Fighter شعبيةً دفعت شركة Midway Games إلى ابتكار لعبة قتال جديدة تكسر القوالب التقليدية عام 1992.

في البداية، اتجه التصور نحو صناعة لعبة تعتمد بالكامل على شخصية الممثل جان كلود فان دام، لكنَّ المشروع لم يكتمل بصورته الأولى؛ نظرًا لارتباط فان دام لاحقًا ببطولة فيلم Street Fighter المقتبس عن اللعبة المنافسة عام 1994.

هذا الفيلم أثبت حينها للمنتجين أن ألعاب الفيديو تمتلك أرضية خصبة. وبناءً على ذلك، تحولت فكرة المطورين في Midway إلى بناء عالم قتال دموي وفانتازي خاص بهم.

منذ اللحظات الأولى، ركز المطوران إيد بون وجون توبياس على عنصرين جوهريين منحا اللعبة قبولًا وانتشارًا واسعين؛ أولهما الواقعية البصرية بدلًا للرسوم المتحركة التقليدية المعمول بها آنذاك، لذا استعان المطورون بممثلين ومقاتلين حقيقيين، وجرى تصوير حركاتهم ورقمَنتها، ما أظهر اللعبة في شكل فيلم واقعي تفاعلي مقارنة بمنافسيها.

استوحى المطورون أبطال اللعبة من أساطير الشعوب وحكاياتهم الفلكلورية

العنصر الثاني هو fatality/الضربة القاضية؛ النهاية الوحشية التي يُجهز بها الفائز على خصمه المهزوم بطرق شديدة البشاعة. لم تعد الهزيمة العادية هي الغاية، إنما يجب إذلال الخصم وتمزيقه باستعراض مسرحي؛ مثل اقتلاع الرأس مع العمود الفقري، أو حرق الجسد، أو أكل الخصم.

تلك النهايات الصادمة منحت اللعبة شهرةً مدويةً، لكنها في الوقت ذاته أثارت جدلًا واسعًا بسبب عنفها المفرط.

أمراء العوالم الموازية 

مع صدور الجزء الثاني من اللعبة Mortal Kombat II عام 1993، تكرّس حضور الشخصيات في وجدان اللاعبين. ومثَّل التنوع الثقافي والأسطوري للشخصيات سرًا من أسرار النجاح؛ إذ استوحى المطورون أبطالهم من أساطير الشعوب وحكاياتهم الفلكلورية.

سكرينشوت من قائمة لاعبي مورتال كومبات، 10 فبراير 2016

موتارو مستوحى من مخلوق القنطور في الأساطير الإغريقية، وهو كائن نصفه إنسان ونصفه حصان. وشيفا وجورو كائنان أسطوريان متعددا الأذرع يمثلان القوة الغاشمة، وريدن إله الرعد وحامي الأرض، والساحر شانج تسونج، والإمبراطور شاو كان حاكم عالم الشر، وعشائر النينجا (سكوربيون، وساب زيرو، وإيرماك، راين، وريبتايل، ونوب سايبوت)، وكهنة الشاولين (ليو كانج كان نسخة أقرب لبروس لي)، وكونج لاو، ونجوم السينما والترفيه، جوني كيج (المستوحى من فان دام)، وابنته كاسي كيج، والقوات الخاصة والشرطة، جاكس بريجز، وسونيا بليد، وسترايكر، وأميرات العوالم الموازية كيتانا، وميلينا، وجايد، والسايبورج (نصف إنسان ونصف آلة) وهم سكتور، وسايركس، وسموك.

حققت اللعبة جماهيريةً طاغيةً بين الأطفال والمراهقين لدرجة أنها أحدثت أزمةً سياسيةً في الولايات المتحدة؛ ففي عام 1993 عقد الكونجرس جلسات استماع لمناقشة تأثير ألعاب الفيديو العنيفة على الأطفال، وعلى رأسها Mortal Kombat. أسفر هذا الضغط السياسي في النهاية عن إنشاء هيئة التصنيف العمري للألعاب ESRB عام 1994، التي نرى تصنيفاتها حتى اليوم: M للبالغين، T للمراهقين، E لجميع الفئات.

!GET OVER HERE 

مرت السلسلة بمراحل صعود وهبوط حادة؛ ففي حين سيطرت بشكل مطلق على صالات الألعاب وأجهزة سيجا المنزلية في التسعينيات، فقدت بريقها تدريجيًّا في مطلع الألفية مع التحول التكنولوجي نحو الرسوم ثلاثية الأبعاد على أجهزة بلاي ستيشن في بداية الألفية، ولم تقدم بعض الإصدارات أي جديد على المستوى البصري أو الحركة أو الـfatality/الضربة القاضية، وهو ما اعتبره الكثيرون فصل نهايتها بعد فقدان روحها أمام ألعاب منافسة مثل Tekken.

لكنَّ السلسلة عادت في عام 2011 إلى جذورها القتالية ثنائية الأبعاد بأسلوب أكثر تطورًا وعنفًا، لتتوالى الإصدارات الناجحة: Mortal Kombat 1 وMortal Kombat X وMortal Kombat 11، التي أثبتت قدرة اللعبة على التجدد والاستمرارية، محافظةً على جمهورها القديم ومستقطبةً في الوقت نفسه جيلًا جديدًا بالكامل.

في غضون سنوات قليلة أصبحت Mortal Kombat جزءًا أصيلًا من الثقافة الشعبية العالمية، وترسخت المقولة الشهيرة لشخصية سكوربيون !GET OVER HERE في أذهان الجميع، كما أصبحت أزياء أبطالها خيارًا دائمًا في الحفلات التنكرية والهالوين.

أيضًا على مستوى الموسيقى، يحفظ أبناء جيلي والأجيال التالية الأغنية الرسمية الأيقونية للعبة Techno Syndrome من تقديم فرقة The Immortals، التي صُدرت لها توزيعات موسيقية عديدة من التكنو والبوب، وحفرت أسماء الأبطال في ذاكرة المستمعين بإيقاعها الحماسي.

 إلى شاشات السينما

أغرى النجاح التجاري لفيلم Street Fighter، بنقل Mortal Kombat إلى دور العرض، وبالفعل أُنتج أول أفلام Mortal Kombat عام 1995، من إخراج بول أندرسون، وبطولة روبن شو في دور ليو كانج، وكريستوفر لامبرت/ريدن، وليندن أشبي/جوني كيج، وبريدجيت ويلسون/سونيا بليد.

حقق الفيلم الذي يروي قصة البطولة الأسطورية في دورتها العاشرة والأخيرة لإنقاذ الأرض من بطش شاو كان نجاحًا جماهيريًا كبيرًا؛ بفضل حبكته المتماسكة، وتصميم معاركه الحرفي، والتركيز على إنسانية الأبطال الفانين الذين ينتصرون بالإيمان والإرادة دون الحاجة لقوى خارقة.

بعدها بعامين أخرج جون ليونيتي فيلم Mortal Kombat: Annihilation، وهو الأسوأ بجدارة في السلسلة؛ لضعف المؤثرات البصرية، والأداء التمثيلي المرتبك، والسيناريو الضعيف الذي أفقَدَ العشاق شغفهم رغم مشاركة بعض أبطال الجزء الأول مثل روبن شو وتاليسا سوتو.

انتظرنا 24 عامًا لتعود اللعبة إلى شاشات السينما بفيلم Mortal Kombat عام 2021 من إخراج سايمون ماكوايد وسيناريو ديفيد كالهام وبطولة جو تاسليم/ساب زيرو وهيروكي سانادا/سكوربيون، ليمنح السلسلة قبلة حياة، بما شهده من عنف دموي مخلص لأجواء اللعبة، وبراعة لمشاهد القتال، رغم بعض الانتقادات لإقحام شخصية جديدة من خارج اللعبة مثل كول يونج.

في العام الحالي أخرج ماكوايد الجزء الثاني Mortal Kombat 2، وكان على قدر تطلعات المحبين من حيث جودة التصوير والتصميم الملحمي للمعارك، وركز على شخصية جوني كيج بطلًا للملحمة بديلًا عن ليو كانج، وأدى دوره الممثل كارل أوربان، وتضمن معارك دموية استثنائية، أبرزها معركة سكوربيون ضد نوب سايبوت، ومعركة ليو كانج وكونج لاو.

قبل أن أكون محبًا لأفلامها، لا أتوقع كممارس للعبةٍ ينتمي لجيل الثمانينيات والتسعينيات، أن تتوقف سلسلة الأفلام المقتبسة من هذا العالم الفانتازي الغني بالتفاصيل والصراعات، فهو يمتلك كل المقومات التي تجعله صالحًا ليكون عالمًا سينمائيًّا ممتدًا ينافس عالم مارفل، شرط كتابة سيناريوهات قوية تستثمر هذا الإرث الثقافي العريض.

واليوم، كلما شاهدني ابني يحيى وأنا أصيح بفرح بعد فوزي على تشاو كان، يسألني "بابا ليه مش بتلعب روبلكس زينا؟ هي اللعبة دي اسمها إيه؟"، فأرد عليه "معركة الزمن المجهول"، وتعود ذاكرتي إلى محل بوالينو، حين أصابني الهوس للمرة الأولى.