من الجوكر إلى أوديسيوس.. نولان والحضارة الخائفة من نفسها
في The Odyssey لكريستوفر نولان (2026)، تُحكى قصة الحضارة على أنها فقط هذه الديمقراطية التي ظهرت في أثينا، ثم أصبحت الإمبراطورية التي غزت1 العالم، ومن بعدها دخلت في ظلامٍ استمر حتى عصر النهضة، ثم أتت الثورة الصناعية، ووصلت ذروتها في الديمقراطية الحديثة التي نعيشها اليوم.
سردية نولان هذه عن الحضارة الغربية ينقضها شيءٌ بسيطٌ، هو أن تاريخ العالم أكبر وأوسع منها فقد سبقتها حضارات، وتلتها حضارات، وستتبعها حضارات جديدة.
إن انطلقت معالجة المخرج الإنجليزي للملحمة الإغريقية، من رحلة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا إلى بلده، محملًا بالشك والذنب تجاه ما حدث في طروادة، حيث حُرقت المدينة وقُتل أهلها، فإن هذا الذنب يبدو منطلقًا من عقل حديث أكثر منه من ذاكرة حضارة عاشت على القتل والغزو بقدر ما عاشت على ما أنجزته من تطور.
لا شك أن نولان قدّم ملحمةً حقيقيةً. دعك من الدعاية الخاصة بكاميرا تصوير الفيلم بالـIMAX، التي يعرف الجميع أن وجودها محدود، ولا يمكن للعدد المتوقع من الجمهور أن يشاهد الفيلم بهذه التقنية أو كما يردد في الإعلام "as Nolan intended"، أو كما أرادها المخرج.
المسألة دعائية، وربما شخصية أيضًا، في أن يكون نولان من القليلين الذين صوّروا فيلمًا بهذه التقنية، مع إغفال أن تاريخ السينما الأكبر هو تاريخ الخام، وأن الـ70 ملم هو في الأصل 65 ملم للصورة، بالإضافة إلى 5 ملم للصوت، وأن كاميرات الـ65 ملم كانت مستخدمةً بكثرة قبل أن تصبح التقنية جزءًا من صورة نولان التسويقية.
كلُّ شيء ممتازٌ على مستوى الصنعة؛ البنية، الحكاية، التصوير، المشاهد الملحمية والموسيقى. لكنني مهتمٌ هنا بمناقشة عنصرين فقط من منطق رؤية نولان للحضارة الأوروبية: الأول هو "الرجال القادمون من البحر"، والثاني هو خطاب أوديسيوس في نهاية الفيلم.
الرجال القادمون من البحر
لسبب ربما لا علاقة له بما أضمره المخرج، نجح الفيلم في جذب قطاع عريض من اليمين الغربي يرى في القادمين من البحر أكبرَ تهديدٍ للحضارة الغربية. يحاربُ الجميعُ هؤلاء المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط وإفريقيا والمكسيك؛ حتى لا يصلوا إليهم، ولا تكون نهاية حضارتهم بدخولهم إلى أرضهم.
الدمار الذي تخشى منه الحضارة ليس بالضرورة قادمًا من الخارج فقد يكون خرج منها أصلًا
ضِمن هذا الخطاب، المعتمد على المخيال السياسي المعاصر، يمكن أن تتحول صورة الخاطبين المنتظرين في بيت أوديسيوس؛ الذين يأكلون ويشربون لسنوات مستغلين قانون زيوس، إلى صورةِ المهاجرين الذين يستغلون قوانين اللجوء الغربية. هذه مقارنة لم يصنعها نولان بنفسه بالضرورة، إنما صنعتها آلة إعلامية يمينية حول الفيلم.
ربما تذكرنا هذه الفكرة بقصة فيلم راتاتوي؛ إذ قُرنت قصةُ الفئران التي تغزو مطعمًا شهيرًا بحكايات المهاجرين الأفارقة إلى فرنسا. لكن المجتمع الغربي يتقبل هذا الغزو في فيلم التحريك، ولو فقط من خلال زيارة الناقد الشهير للمطعم الذي لم يعد يقدم خدماته إلا له.
لكن ما حاول نولان حقيقةً التعبير عنه من خلال الرجال القادمين من البحر أكثر تعقيدًا من صورة الغريب القادم لاحتلال الحضارة. هؤلاء الرجال هم أنفسهم رجال أوديسيوس، الذين أحرقوا وأغاروا على كل المدن التي قابلوها في طريق عودتهم إلى إيثاكا. وهنا يبدأ نولان في نسج سرديته حولهم.
من هم؟ هل هم الآخر الذي تنتظره الحضارة لتخشى منه؟ أم أنهم الحضارة نفسها حين تتحول إلى قوة غازية؟
الغريب أن أوديسيوس لا يعود إلى مملكته محملًا فقط بانتصار بطل عاد من الحرب، إنما يعود محملًا بما فعلته هذه الحضارة في طريقها. الرجال الذين يخشاهم الآخرون في البحر هم أيضًا رجال أوديسيوس. والدمار الذي تخشى منه الحضارة ليس بالضرورة قادمًا من الخارج، فقد يكون قد خرج منها أصلًا.
يمكن قراءة ذلك سياسيًا على النحو الذي صنعه اليمين الغربي؛ الغرب يخشى القادمين من البحر، بينما الذين جاءوا من البحر هم في هذه الحكاية أبناء الغرب نفسه.
نحن الأوروبيين الغربيين، أصحاب الديمقراطية، ندمر أنفسنا من الداخل؛ نحن الهلاك الذي ننتظر قدومه من البحر. يعود أوديسيوس إلى مملكته، لكنه يتركها إلى منفى اختياري، ويَدَع للابن الشاب، المستقبل، الذي سيعيد الحضارة مرة أخرى.
هنا يصبح السؤال أكثر أهميةً من الإجابة: هل يستطيع أوديسيوس تخيل مستقبل الحضارة إلا بوصفه عودة إليها؟
خطاب النهاية
في فيلمه الشهير The Dark Knight، إنتاج عام 2008، قدم نولان خطابًا فُسر من البعض باعتباره انتصارًا لـ الفوضى الخلاقة؛ المصطلح الذي رسخته كونداليزا رايس في فترة ولاية جورج بوش الابن. على لسان الجوكر قدم الفيلم سردية الفوضى على أنها الاختبار الوحيد الذي يمكن من خلاله كشف العطب الموجود في العالم. دوافع الجوكر لم تكن المال أو الشهرة، إنما هي محاولة لتدمير النظام الذي يعتقد الجميع أنه ثابت، وإثبات أن الحضارة والأخلاق التي تؤمن بها المدينة يمكن أن تنهار عندما تتعرض للضغط.
الجوكر يرى ما لا يراه باتمان، المتمسك بالنظام والإصلاح، بل يرى باتمان على حقيقته، يحاول دفعه نحو الحقيقة ولا يبقى كما هو يحرث في البحر. المشكلة أعمق من أن يصلحها فرد أو نظام، والحل ربما يكون في الفوضى.
تشابَه عالم باتمان مع واقع العالم في تلك الفترة، كما يتشابه عالم الأوديسة مع عالم اليوم. لكن موقف نولان، إذا قرأنا الفيلمين معًا، يبدو مختلفًا. في The Dark Knight كان السؤال: هل يمكن للحضارة أن تصمد أمام الفوضى؟ أما هنا فالسؤال أقرب إلى: هل تستطيع الحضارة العودة من حافة الانهيار؟
اليمين يسيطر على الغرب، وأكبر ديمقراطيات العالم وقائدتها الولايات المتحدة يحكمها رئيس يرى فيه كثيرون صورةً من صور هذا الجوكر السياسي. لكن موقف نولان يبدو الآن أكثر تفاؤلًا؛ يحاول أن يبشر بنهاية هذا العالم، ويؤكد أن من قدم الحضارة للعالم سيعود ويقدمها مرة أخرى. لكن هنا تحديدًا تكمن المشكلة.
لا توجد حضارة تقف وحدها في التاريخ ولا حضارة تظهر من العدم ولا حضارة تستطيع أن تدعي أنها امتلكت العالم إلى الأبد
نولان، أو على الأقل خطاب أوديسيوس في نهاية الفيلم، يتعامل مع الحضارة كما لو أنها تستطيع العودة إلى مركزها الأصلي، كأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه إلى المكان ذاته. لكن الحضارة لم تكن أبدًا حكرًا على الغرب.
بدأت الحضارات الأولى في العراق ومصر، وظهرت في مصر القديمة مبكرًا واحدةٌ من أكثر نماذج الدولة المركزية الموحدة وضوحًا في العالم القديم، وقدمت إسهامات أساسية في الإدارة والطب والهندسة والفلك والرياضيات والكتابة، كما طوّرت مجتمعًا مركزيًّا ارتبط بالنيل وبقدرة الدولة على تنظيم الأرض والناس والموارد.
في الوقت نفسه كانت الحضارة في أوجها في الصين والهند وفارس، ثم لعبت الحضارة الإسلامية دورًا أساسيًّا في الحفظ والشرح والإضافة للتراث اليوناني والفارسي والهندي، قبل أن ينتقل كثيرٌ من هذا الإرث إلى أوروبا ويصبح أحد مكونات نهضتها العلمية.
ثم جاءت الحضارة الغربية الحديثة، فلم تبدأ من الصفر، إنما أعادت إنتاج ما وصل إليها، وأضافت إليه، وحولته إلى عالم جديد، كما فعلت الحضارات التي سبقتها. وهذا هو شكل الحضارة. لا تنقطع، بل تنتقل من مركز إلى مركز.
لا توجد حضارةٌ تقف وحدها في التاريخ، ولا حضارة تظهر من العدم، ولا حضارة تستطيع أن تدعي أنها امتلكت العالم إلى الأبد. كل حضارة ترث شيئًا ممن سبقها، وتضيف إليه، وتغيره، ثم يأتي يوم يصبح فيه ما أنتجته جزءًا من حضارة أخرى.
المشكلة إذًا ليست في أن الغرب قدم الكثير للعالم، فهذا أمر لا يمكن إنكاره. المشكلة في أن يتحول هذا الإنجاز إلى تصور بأن الغرب هو الحضارة، وأن الآخرين مجرد شعوب تقف على الشاطئ وتنتظر لحظةَ سقوطه.
التصور الساذج أن الحضارة حكرٌ على أمة بعينها هو نتاج لعقل يدور حول نفسه فقط. وربما هذا هو ما يظهر جليًّا في خطاب أوديسيوس في نهاية الفيلم.
فربما لا تكون المشكلة في أن أوديسيوس يريد إنقاذ حضارته، وإنما في أنه لا يستطيع تخيل مستقبل الحضارة إلا باعتباره عودة إلى المكان الذي جاءت منه.
لكن التاريخ لم يكن يومًا كذلك. الحضارة لا تعود بالضرورة إلى أصحابها، لأنها لم تكن في يوم من الأيام ملكًا لأصحابها. إنها تنتقل. وحين يظن مركز ما أنه هو الحضارة، فربما يكون ذلك أول مؤشر على أنه لم يعد مركزها.



