فيلم "يونان".. حكاية بيضاء بلا فم ولا أنف ولا أذنين
ما يجعل فيلم يونان (2025) لمخرجه السوري أمير فخر الدين، أكثرَ من مجرد حكاية مُهاجِر عربي في بلاد الشمال أو استعراض لأزمة المثقف المحبَط المعتادة، هو ذلك الطموح الجمالي في السرد البصري لحكايته، في خيط ممتد من فيلمه الأوَّل الغريب.
شارك "يونان" في أكثر من مهرجان دولي، وكان الفيلم العربي الوحيد في دورة مهرجان برلين الخامسة والسبعين، ونافس على جائزة الدب الذهبي، كما حصدَ جائزتيْ أفضل مخرج وأفضل ممثل دور أوَّل لجورج خبَّاز في مهرجان البحر الأحمر.
تجمع عدة ثيمات بين فيلمي أمير فخر الدين، المولود في كِييف عام 1991 لوالدين سوريين مهاجرين، بدءًا من أن كليهما يُفتتح ببيت شِعريّ للمتنبي، ويُختَتم بمونولوج نثري قصير على لسان بطله المأزوم. هذا بالطبع فضلًا عن اشتراكهما في ثيمات مثل الوطن والرحيل والعودة والمنفى والهوية.
دم يختلط بالحليب
يستهل فخر الدين فيلمه الأوَّل "الغريب" (2021)، الذي مثَّل فلسطين في أوسكار أفضل فيلم أجنبي، واعتُبرَ أوَّل فيلم روائي طويل يُصوّر في منطقة الجولان المحتلة، ببيت المتنبي في قصيدته لما التعلل: أريدُ من زمني ذا أن يبلغني/ ما ليس يبلغُهُ من نفسه الزمنُ
ما يشي بطموح لا حدود له؛ طموح أشبَه بالخلود، لعلَّه الطموح القديم الذي تبدَّد وتداعى في نفس بطل الفيلم "عدنان"، المغترب عن محيطه وأهله ومدمن الكحول، الذي خاب رجاء الجميع فيه، لا سيما أبوه الذي تبدأ الأحداث بقراره حرمانه من ميراثه، لأنَّه لم يكن قَط على قدر توقعاته.
يتحوَّل طموح عدنان إلى هزيمة داخلية وإحباط مرير، فيمعن في الهرب من المواجهة، سواء مع أبيه أو زوجته أو أي شخص آخر، إلى أن يختار الفِعْل عندما يوضع ضميره محل اختبار إنساني مباشر.
تريللر فيلم الغريب (2021) من إخراج أمير فخر الدين.
لكنَّ ما يحوِّل حكاية عدنان البسيطة إلى شيء جدير بالتأمُّل، هو معالجتها بصريًا بالأساس، لا سيما مشاهد الطبيعة ذات اللقطات الواسعة، أو حتَّى تأمُّل الوجوه والتفاصيل الصغيرة مثل نقاط الدم التي تختلط بحليب الجاموسة.
ورغم هذا الإيقاع المتمهل الذي يقوم عليه السرد والذي غامر بفقدان اهتمام المشاهِد، فإن "الغريب" امتلك من المقومات الدرامية من حيث الحبكة والأزمة أكثر ممَّا ظهرَ في "يونان"، حيث قطع فخر الدين شوطًا أبعد في طموحه الفني (غير التجاري بالمرَّة) وفي مجافاة العناصر الدرامية.
يُستَهل الفيلم الثاني هو الآخر ببيت المتنبي الشهير: أُغالِبُ فيكَ الشَوقَ وَالشَوقُ أَغلَبُ/ وَأَعجَبُ مِن ذا الهَجرِ وَالوَصلُ أَعجَبُ، ملمحًا إلى الثيمات الأساسية المتمثلة في مُعضلة الحنين إلى الوطن والأهل والديار، وشعور البطل "منير" بالاغتراب في ألمانيا، رغم أنه يَنعم بعلاقة عاطفية مستقرة ومِهنة يحبها ككاتب روائي، كما أن لديه هو الآخر كلبًا مثل كلب عدنان ذي الساق المقطوعة الذي تعتدي عليه الكلاب الأخرى.
لكنَّ منير مأزوم نفسيًّا، يعاني نوبات هلع، ويُخفي اكتئابًا عميقًا تشي به ملامحه. ولا سبيل أمامه إلَّا الاستجابة لنصيحة طبيبه بالسفر إلى جزيرة بعيدة، فيترك كلبه مع صديقته، ويحملُ معه مسدَّسه بِنيَّة أن يضع لعنائه حدًّا هناك.
بلا فم بلا أنف بلا أذنين
قبل سفره، يضعنا المخرج في قلب اتصال هاتفي يجريه منير بالديار، لتُخبره أخته بأنَّ أمّه بدأت تفقد ذاكرتها تدريجيًّا، وحينَ يطلب التحدُّث إليها تظنه طبيبًا تشكو له آلامَها الجسدية، فيُعرِّفها بنفسه ويحرِّضها على أن تحكي له من جديد حدوتة قديمة من حواديت الأمهات. حكاية خرافية ربما كانت تحكيها له (لهم) وهو بعد صغير.
الحكاية عن راعي غنم قبيح، بلا فم وبلا أنف وبلا أذنين، لا يتكلم، لا يقول شيئًا، لكنه متزوج من امرأة جميلة للغاية. يقولون له عُد يا غنَّام فيعود ليكتشف أنه لم يغادر قط لكي يعود. لن يعرف منير أبدًا تتمة هذه الحكاية التي لا تكاد تتحرَّك أبعد مِن هذا الاستهلال الشِعري ولو خطوات قليلة.
بعض الحكايات تُولدُ غير مُكتملة، أو صامتة، أو بالأحرى لا تكاد تقول شيئًا، كأنها حكاية بلا فم وبلا أذنين وبلا أنف. ربما لأنها تنتظر مِن سامعها أن يكملها، أو أن يعيد تشكيلها من جديد، لذا فإن مساحة الصَمت أكبر كثيرًا مِن مساحة الكلام والإخبار في "يونان".
هذه نقطة قوة يختص بها فن السينما، حيث تعيده إلى نقطة جوهرية، أو تستعيد سلفًا منسيًّا من السينما الصامتة، حيث الاحتفاء بالصورة أولًا، قبلَ إضافة الصوت وقبلَ الولع بالكلام والإخبار والإكثار من الحكي.
ما أندر مساحات الصمت هذه في أفلام كثيرة غارقة في الحكاية بمعناها الدرامي الثقيل، حتَّى تكاد تمتزج بما يستغرقنا خارج الأفلام من إفراط الأخبار وفائض المعلومات وهجمة المُدخَلات التي تحاصرنا منذ نفتح عيوننا حتَّى نغمضها، في سيل عارِمٍ من الصور التي تتصارع على وعي المشاهِد تخطف الانتباه لمدد زمنية قصيرة لكنها متواصلة.
صمت الحكاية هُنا فضاء مُهدَى إلى المُشاهِد، يحرِّره ويمنحه أفقًا للتأمُّل؛ تأمُل مشهدٍ طبيعي، بحر يفيض ويغرق مساحة كبيرة من جزيرة هي ليست جزيرة في الحقيقة بل هي بالألمانية "هالجين"، لأنَّ مياه الفيضانات تغمرها بالكامل في مواسم بعينها، أو تأمُّل قطيع أبقار أو مجموعة رجال في حانة صغيرة أو ملامح وجه إنسان مأزوم.
صورة أخرى للنبي يونان
في مشهد حُلمي قصير نرى حوتًا نافقًا يجنحَ إلى الجزيرة ويرتمي هناك، إلى جانبه يسير منير ويتأمَّله، في مشهد يستدعي حكاية النبي يونان/يونس، الذي استعارَ الفيلم اسمه منها.
كيف يمكن أن يكون منير صورة أخرى ليونان؟ أي صوتٍ هرب منه؟ أي سفينة طُردَ منها وأي حوتٍ ابتلعه؟ هل ركب سفينته هاربًا مِن مسؤولية ما وأصبحَ مواطنًا أو ربما لاجئًا في ألمانيا ليكتب روايات ويعيش حياته لكنَّ بحارة السفينة اكتشفوا حقيقته فألقوا به من فوقها في محيط الاكتئاب والشعور بالاغتراب والوحشة ونوبات الهلع والأفكار الانتحارية؟ أم أنَّ هذه الجزيرة هي نفسها الحوت الذي يقضي فيه عزلته لبضعة أيام حيث يدعو الله مخلصًا ومُنيبًا فيوهبُ النجاة ويسترد حياته من جديد؟
مِثلَ النبي يونان، يجد منير نجاته من التيه عندما يبلغ الجزيرة، فبعد أن ترفض "فاليسكا" صاحبة الفندق التي تؤدي دورها الممثلة الألمانية هانا شيجول استضافتَه لأنه لم يحجز مسبقًا، تَعرض عليه البقاء في منزل ضيافة متهالك وبعيد عن الفندق نفسه، فيقبل وشيئًا فشيئًا تحتضنه بنوع من الاستيعاب الأمومي (الحدسي) لأزمته النفسية، وينصاع هو تدريجيًا لهذا الحنان المبذول بلا قيد وبلا شرط، إلى أن يتخلَّى عن مقاومته تمامًا وربما عن رغبته في الانتحار.
إنَّ انتباه صاحبة الفندق إلى هذا الضيف المهاجر العربي الغريب، وتعرُّفها عليه كإنسان كان خطوة أولى نحو التئام جرحه الخاص، كأنه عثر على أمٍ بديلة وأخ بديل يتمثَّل في ابنها كارل/توم والشيا الذي يفتقد والده الراحل ويغضب في البداية من أمّه لأنها أعارت لهذا الضيف دراجة أبيه الهوائية.
في مشهد حُلمي آخر، يتحدث الأخ الألماني بالعربية إلى منير سائلًا إياه "شو عم تعمل هون؟"؛ ربما يستنكر وجود هذا العربي الغريب على جزيرته. وربما يضعه أمام سؤالٍ عن معنى وجوده.
السؤال نفسه سبقَ وطرحه الأب على عدنان عندما فوجئ به في حظيرة الجاموسة المريضة، فحين يأتي عدنان لها بحقنة ليعالجها، يهبُّ فيه أبوه: "شو عم تعمل هون؟"، معترضًا على تدخُّله وساخرًا منه لأنه يتظاهر بأنه طبيب. أو واضعًا إيَّاه أمام سؤال عن معنى وجوده، فماذا يفعل عدنان في الجولان المحتلَّة؟ وماذا يفعل منير نور الدين في ألمانيا؟
ماذا يفعل أيُّ منَّا هنا؟ كأنه السؤال الوحيد الجدير بالبحث له عن إجابة، عبر حكايةٍ ما، حتَّى وإن كانت من الحكايات البيضاء مثل دخان المعارك في الجولان وضباب الصباح على جزيرة في صقيع الشمال، أو مثل حدوتة الغنَّام الذي بلا فم وبلا أنف ولا أذنين؛ لا تقول شيئًا وتقولُ كل شيء.