الخلاصة| كيف تحولت حرب إثيوبيا إلى عقدة إقليمية تهدد القرن الإفريقي؟
تتجاوز الحرب المشتعلةُ في شمال إثيوبيا كونها مجرد أزمة داخلية تخص أديس أبابا وحدها لتصبح صراعًا ذا طابع إقليمي. فمنذ اندلاع شرارتها الأولى في الثالث والعشرين من سبتمبر/أيلول حتى اليوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول، ومع تسارع وتيرة القتال، تضيق الرقعة التي تتصارع عليها الأطراف الأساسية في المنطقة.
خلال أقل من ثلاثة أسابيع، تشكل تحالف مسلح يسعى لإسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، ومن ثم دارت المعارك في تيجراي، ومع اتهام أديس أبابا للقاهرة والخرطوم بالتدخل لدعم الطرف المعادي للحكومة الفيدرالية، تبادلت مصر وإثيوبيا طرد دبلوماسيين، ثم قطعت إريتريا علاقاتها بجارها الإثيوبي.
بالنسبة لمصر، يتجاوز القلق اتهام أديس أبابا للقاهرة بدعم خصومها أو الخلاف الممتد حول سد النهضة. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تعتبر الحصول على منفذ بحري مسألة استراتيجية، ووقعت في يناير/كانون الثاني 2024 مذكرة تفاهم مع أرض الصومال قالت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية إنها تتيح لها تطوير ميناء وإنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، مقابل احتمالية اعتراف أديس أبابا بالإقليم الانفصالي. وهو ما رفضته مقديشو، معتبرةً أنه ينتهك سيادتها ووحدة أراضيها.
وبعد توقيع هذا الاتفاق بشهرٍ واحد، وفي فبراير/شباط 2026، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود أن تأمين البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية حصرية لدولهما الساحلية، مشيرًا إلى موقع مصر والصومال عند البوابتين الشمالية والجنوبية للبحر الأحمر.
بذلك يتقاطع القتال الحالي داخل إثيوبيا، بالنسبة إلى القاهرة، مع دائرتين تمسان أمنها مباشرة؛ مياه النيل في الجنوب، وأمن البحر الأحمر وقناة السويس في الشرق.
ماذا يحدث في إثيوبيا؟
في 20 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت سبع جماعات سياسية ومسلحة إثيوبية تشكيل "ائتلاف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء"، واضعةً هدفًا معلنًا هو إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة حكومة انتقالية.
اندلعت هذه الحرب بعد نحو ثلاثة أعوام من اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، الذي أنهى حربًا استمرت عامين بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي دون أن يحسم ملفات أساسية، من بينها نزع سلاح المقاتلين وإعادة دمجهم، وعودة النازحين، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها بين تيجراي وأمهرة، وشكّل الحكم الدائم في الإقليم.
ضم التحالف، الذي يرأسه قائد الحركة الوطنية لأمهرة فانو زمين كاسيه، جبهة تحرير شعب تيجراي وجيش تحرير أورومو، إلى جانب فصائل من أقاليم أخرى. المفارقة أن بعض حلفاء اليوم كانوا خصومًا في حرب 2020-2022؛ إذ قاتلت ميليشيات فانو جبهة تيجراي إلى جانب القوات الفيدرالية، ولا يزال الطرفان يتنازعان على أراضٍ في غرب تيجراي، لكنهم اليوم أجّلوا خلافاتهم بشأن الأراضي والهوية وشكل الدولة، واجتمعوا على عدو واحد هو حكومة آبي أحمد.
بعد ثلاثة أيام من إعلان التحالف، سيطرت قوات تيجراي على مطار ميكيلي، عاصمة الإقليم، ومطاري أكسوم وشيري، وتعطلت رحلات الطيران المدني، وامتدت المعارك إلى أقاليم أمهرة وعفر. وكان التقدم في عفر حساسًا بصورة خاصة، لأنها تقع على طريق أديس أبابا-جيبوتي، شريان التجارة الرئيسي لإثيوبيا الحبيسة.
في المقابل، انضمت "قوات سلام تيجراي" إلى القوات الفيدرالية، وهي قوة تيجراوية مناوئة للقيادة الحالية للإقليم. وتصاعد القتال مع انقطاع الاتصالات واشتداد الضربات الجوية والمدفعية، وفي ليلة 30 سبتمبر/أيلول إلى الأول من أكتوبر/تشرين الأول سُمعت انفجارات في أديس أبابا، وسط تقارير عن استخدام المعارضة طائرات مسيرة.
بحلول 4 أكتوبر/تشرين الأول، استعادت القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها، مدينة ميكيلي بعدما انسحبت الجبهة. لكن القتال لم يتوقف، وانتقلت القوات الفيدرالية شمالًا باتجاه الحدود الإريترية.
كيف دخلت مصر الأزمة؟
مع اتساع المعارك، اتهم قائد الجيش الإثيوبي بيرهانو جولا، مصر والسودان وقوى خارجية، بدعم المقاتلين المناهضين للحكومة، وقال إنهم لن يحققوا مكاسب "ما لم يتلقوا دعمًا وإمدادات" من الخارج. وقتها نفت القاهرة التدخل، وأكدت أنها تتابع التطورات في إثيوبيا ولا تضمر عداءً لها، فيما نفى السودان الاتهامات كذلك.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، طردت إثيوبيا دبلوماسيًّا مصريًّا ومنحته 48 ساعة للمغادرة، فردت القاهرة بالمثل بطرد دبلوماسي إثيوبي. وفي الوقت نفسه أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تقطع إريتريا علاقاتها الدبلوماسية معها.
بعدها بأربعة أيام، وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول، استضاف الرئيس عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان والرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود.
وجاء البيان الذي خرجت به القمة شديد الدلالة على الملفات التي تجمع الدول الأربع اليوم؛ إذ أكد دعم وحدة وسيادة الصومال ورفض الاعتراف بأرض الصومال، وشدد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، كما رفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات القائمة لمياه النيل لدولتي المصب.
لماذا تتصادم حسابات القاهرة وأديس أبابا؟
منذ أكثر من عقد والخلاف المصري الإثيوبي في تصاعد مستمر بسبب سد النهضة الذي تطالب القاهرة باتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتصريف، بينما مضت إثيوبيا في ملء السد وتشغيله دون اتفاق نهائي.
خلال السنوات الأخيرة زاد الموقف الإثيوبي الطامح للوصول إلى البحر الأحمر من حدة الخلاف. فمنذ فقدت أديس أبابا ساحلها باستقلال إريتريا عام 1993، وهي تعتمد بصورة شبه كاملة على مواني الدول المجاورة، في مقدمتها جيبوتي. وكرر رئيس الوزراء آبي أحمد أن عودة الوصول إلى البحر ضرورة لاقتصاد بلاده وأمنها، وقال في أكتوبر/تشرين الأول الجاري إن "تحديث إثيوبيا لا يمكن أن يتحقق دون منفذ بحري"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن بلاده تسعى إليه بالوسائل السلمية.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية أن أديس أبابا وقّعت مذكرة تفاهم مع الإقليم الانفصالي أرض الصومال للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر من أجل تطوير ميناء وبناء قاعدة عسكرية.
واعتبرت الصومال الاتفاق اعتداءً على سيادتها، وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن بلاده ستدافع عن نفسها إذا مضت إثيوبيا في الاتفاق الخاص بالقاعدة البحرية.
وعقب الاتفاق، كثفت القاهرة تحركاتها الأمنية والعسكرية في القرن الإفريقي، إذ وقعت مع مقديشو بروتوكول تعاون عسكري في أغسطس/آب 2024، ثم أرسلت مساعدات عسكرية للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، اتفقت مع إريتريا والصومال على تعزيز التنسيق الأمني ودعم مؤسسات الدولة الصومالية.
زاد التقارب المصري مع مقديشو أكثر، فإلى جانب تفعيل اتفاق التعاون العسكري ومشاركة مصر المقررة في بعثة الاتحاد الإفريقي بالصومال، شدد السيسي والرئيس الصومالي في فبراير/شباط الماضي مرة أخرى، على أن تأمين البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المشاطئة وحدها.
وردد وزير الخارجية بدر عبد العاطي المبدأ نفسه خلال مشاوراته مع إريتريا، مؤكدًا رفض مصر لأي محاولة من دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية فيه.
وتذهب تحليلات إلى أن القاهرة عارضت منذ سنوات مساعي أديس أبابا لإنشاء قاعدة بحرية أو عسكرية على البحر الأحمر، باعتبارها تمس مصالحها الأمنية في الممر الذي يمتد من باب المندب إلى قناة السويس، وهي مصالح ازدادت حساسيتها بعدما أظهرت اضطرابات البحر الأحمر قدرة أي تهديد للملاحة جنوبًا على خفض حركة وإيرادات القناة، مما يجعلها ورقة ضغط إضافية في ملف النيل.
لماذا وصلت الأزمة إلى إريتريا؟
خلال حرب 2020 - 2022، تحالفت إريتريا عسكريًّا مع حكومة آبي أحمد ضد جبهة تيجراي، لكن علاقتهما سرعان ما انقلبت لاحقًا.
وتقول أسمرة إن حديث إثيوبيا منذ 2023 عن الحصول على "منفذ سيادي" إلى البحر الأحمر يستهدف ميناء عصب الإريتري وهو ما يمثل تهديدًا صريحًا لسيادتها الوطنية ومحاولة للسيطرة على أراضيها بالقوة، أما آبي أحمد فيؤكد أن إثيوبيا تسعى إلى منفذها البحري عبر التفاوض لا الحرب.
ومع تقدم القوات الفيدرالية شمالًا خلال الحرب الحالية، اتهمت أديس أبابا القوات الإريترية بالعبور إلى تيجراي والتقدم لمسافة وصلت، وفق الرواية الإثيوبية، إلى نحو 60 كيلومترًا.
بالمقابل نفت إريتريا شن غزو، واتهمت إثيوبيا بالبحث عن مبرر للحرب، قبل أن تطلب من مجلس الأمن في 10 أكتوبر/تشرين الأول اتخاذ إجراءات رادعة ضد أديس أبابا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ودخلت القوات الإثيوبية والمليشيات المتحالفة معها مدينة أديجرات القريبة من الحدود الإريترية، فيما تحدثت تقارير عن ضربات إثيوبية بمسيّرات استهدفت قوات إريترية أثناء انسحابها من مواقع قرب المدينة.
بذلك انتقلت العلاقة بين البلدين خلال أيام من اتهامات بدعم أطراف الحرب إلى احتكاك عسكري مباشر محتمل على الحدود، في أخطر تصعيد بينهما منذ سنوات.
أين السودان من الأزمة؟
يدور الخلاف التاريخي بين السودان وإثيوبيا في ثلاثة محاور متداخلة؛ نزاعات حدودية مزمنة، وقضية الأمن المائي، ودعم متبادل للجماعات المتمردة. ويشكل إقليم الفشقة الزراعي الخصيب محور الصراع الحدودي؛ إذ تعود جذور ترسيمه إلى معاهدة عام 1902 التي أقرت السيادة السودانية على المنطقة، غير أن مزارعين وميليشيات إثيوبية بسطوا سيطرتهم عليها لعقود، إلى أن استعاد الجيش السوداني معظمها في أواخر عام 2020.
وترتبط المعاهدة نفسها بالخلاف المائي الراهن، فقد منحت إقليم بني شنقول لإثيوبيا بشرط ألا تقيم منشآت تعترض مجرى النيل الأزرق دون موافقة الخرطوم، وهو ما يعده السودان مخالفة صريحة في ضوء الملء الأحادي لسد النهضة وتشغيله، ويتعمق النزاع بتاريخ طويل من دعم كل طرف لجماعات التمرد والمعارضة لدى الآخر بهدف زعزعة استقراره.
لكن موقف الخرطوم من ملف البحر الأحمر ظهر بوضوح في إعلان العلمين، الذي وقعه البرهان مع قادة مصر وإريتريا والصومال، وأكد أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، إلى جانب رفض الاعتراف بأرض الصومال ودعم حقوق دولتي مصب النيل.
هكذا تجمع الأزمة الحالية أطرافًا تختلف أسباب خصومتها مع إثيوبيا: مصر لديها النيل والبحر الأحمر، وإريتريا تخشى على سيادتها وموانيها، والصومال يرفض المساس بوحدة أراضيه، والسودان تحكمه ملفات الحرب والحدود والمياه.
هذا تحديدًا ما يجعل عودة القتال في تيجراي أخطر من كونه تجدد نزاع داخلي؛ إذ أصبحت الحرب نقطة التقاء لخلافات النيل والحدود والمواني وأمن الملاحة في منطقة يبدأ أثر اضطرابها بالنسبة لمصر من منابع النيل، وحدود السودان جنوبًا ولا ينتهي إلا عند مدخل قناة السويس شمالًا.