هكذا دعمت الكرة المصرية قضية فلسطين
خلال منافسات كأس العالم 2026، رفع حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر علم فلسطين، وهو موقف مشرف لنجم كروي شهير له مكانة كبيرة محليًا وإقليميًا وربما دوليًا، حيث سبقت له المشاركة في البطولات القارية الأوروبية، كما مثل المنتخب المصري في المونديال؛ لاعبًا ثم مديرًا فنيًا.
تضامُن حسام حسن مع القضية الفلسطينية لم يكن الأول في ملاعبنا المصرية ولن يكون الأخير، فكرة القدم المصرية عرفت ما هو أبعد كثيرًا من رفع العلم، وعبر التاريخ كان صوت القضية الفلسطينية حاضرًا، وموقفنا منها مؤثرًا في القرارات، كما كانت الجماهير المصرية واعية طوال الوقت بأهمية التذكير المستمر بأن هناك شعبًا يرزح تحت الاحتلال والعدوان.
تاريخ من الدعم
قد لا نتمكن من الوقوف على أقدم أشكال التضامن مع القضية الفلسطينية في ملاعبنا، أو تقديم سرد تاريخي حصري، لذا سنتوقف أمام بعض المحطات المهمة في هذا الصدد، والبداية من عام 1953، حين قررت الجمهورية المصرية الوليدة تنظيم دورة الألعاب العربية على غرار الألعاب الأولمبية، فكان هناك حرص بالغ على تمثيل فلسطين في الدورة كدولة مستقلة، وكان اللاعبون المتنافسون من أبناء الشتات.
في تلك الدورة شارك منتخب لكرة القدم مثّل "دولة" فلسطين، ولم يكن تمثيلًا رمزيًا، بل كان اللاعبون بالفعل فلسطينيين، بالطبع لم يحقق نتائج متميزة كرويًا، لكنه شارك وكان هذا هو الهدف، فيما حقق لاعبو فلسطين في الألعاب الأخرى نتائج معقولة فأحرزوا 11 ميدالية ما بين فضية وبرونزية.
محطة أخرى كانت تصفيات كأس العالم 1958، حيث كان توزيع المقاعد وقتها يقضي بأن قارتي إفريقيا وآسيا لهما معًا مقعد واحد فقط، من خلال تصفيات مشتركة بين القارتين، ولم تكن وقتها الأمور قد استقرت في عالم كرة القدم. جرت التصفيات وبها شيء غير قليل من الفوضى وعدم الوضوح، ثم وصلت التصفيات الأفروآسيوية إلى مرحلة ختامية تقضي بأن يتنافس أربعة منتخبات للفوز بالمقعد، وهي مصر والسودان وإندونيسيا إلى جانب منتخب "إسرائيل".
رفضت مصر وقتها خوض هذه التصفيات، مشككة في شرعية "الكيان"، ومن ثم شرعية عضويتها في فيفا وتمثيلها في المسابقات الدولية، وهو الأمر الذي رفضته فيفا بالطبع، فكان قرار مصر بالانسحاب من التصفيات، والأهم هو إقناع السودان ومن قبلها إندونيسيا باتخاذ الموقف نفسه، لتضع فيفا في حرج، وهو ما أدى لنقل إسرائيل وقتها لخوض التصفيات مع منتخب أوروبي، هو ويلز، وانتهت المواجهة بفوز المنتخب البريطاني، ولم تشهد النهائيات التي أقيمت في السويد أي تواجد إفريقي أو آسيوي.
فلسطين في الملاعب
تلت ذلك محاولات كثيرة من الجانب المصري لتأسيس (أو المشاركة في تأسيس) كيانات رياضية وكروية تنافس الكيانات الدولية التي تشارك بها إسرائيل، جرى هذا في الستينيات حيث كان الأمل كبيرًا في حركة عدم الانحياز، وربما كانت بطولة "الجانيفو" خير مثال على ذلك.
قصة الجانيفو تبدأ عندما نظمت إندونيسيا، تحت قيادة أحمد سوكارنو، دورة الألعاب الآسيوية في عام 1962، ورفضت منح تأشيرات للرياضيين الممثلين لـ "إسرائيل" تضامُنًا مع القضية الفلسطينية، ما وضعها تحت طائلة عقوبات دولية وتجميد نشاطها الرياضي، لتساند مصر وقتها إندونيسيا، وتساعدها في تأسيس ما عرف بـ "الجانيفو" وهو اختصار لعبارة: Games of the New Emerging Forces أي ألعاب القوى الناشئة الجديدة، وجرى تنظيم نسخة من هذا الأولمبياد بما في ذلك كرة القدم 1963، وفاز بها المنتخب المصري.
في السبعينيات، أسهمت مصر بقوة في تنظيم كأس فلسطين وإنجاحها، وهي بطولة تتنافس فيها المنتخبات العربية على كأس يحمل اسم فلسطين، كنوع من مساندة القضية، وكانت البطولة بمبادرة من سعيد السبع رئيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب الفلسطيني وقتها، وجرى اختيار العراق لتكون منظمة النسخة الأولى عام 1972، التي حققت مصر لقبها.
أقيمت بعدها نسختان من تلك البطولة، إحداهما كانت في ليبيا، والأخرى في تونس، كان ذلك عامي 1973 و1975، ليصل عدد النسخ إلى ثلاث، وكان مقررًا أن تستضيف السعودية النسخة الرابعة عام 1977، غير أن ازدحام الأجندة الدولية حال دون ذلك، لا سيما ما كان من انخراط المنتخبات العربية في البطولات الدولية كافة ما بين قارية وأولمبية ودولية بتنظيم فيفا كالمونديال ونحوه.
فيديو هدف محمد أبو تريكة في مباراة مصر والسودان في كأس الأمم الإفريقية 2008، غانا
وفي المدرجات
كما أشرنا لا يمكن تتبع كافة أشكال التضامن والدعم للقضية الفلسطينية في الكرة المصرية، في حدود هذا المقال، غير أن هناك ما لا يسعنا تجاهله، مثل التضامن الشعبي، فحتى لو لم تكن المنافسة الرياضية ذاتها تتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن صوت الجماهير في المدرجات المصرية لم يتوقف عن الهتاف للكفاح الفلسطيني، ورفع الأعلام وتقديم أقصى ما يمكن تقديمه في هذا السياق، وذلك عبر عقود وعقود.
حسام حسن نفسه، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعم فيها فلسطين، فعقب الانتفاضة الثانية عام 2000، وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، كان على منتخب مصر مواجهة السودان في الخرطوم خلال تصفيات كأس الأمم الإفريقية، وفاز وقتها منتخب الفراعنة بهدف نظيف، سجله حسام حسن، ثم ركض احتفالًا بالهدف صوب أحد الميكروفونات الداخلية بملعب المباراة، وهتف من خلاله: فلسطين فلسطين.
كما نذكر جميعًا واقعة النجم محمد أبو تريكة عام 2008، خلال كأس الأمم الإفريقية بغانا، عندما سجل هدفًا (للمفارقة كان في مرمى المنتخب السوداني أيضًا) وجرى للاحتفال كاشفًا قميصه الرسمي، ليظهر تحته قميص داخلي مطبوعٌ عليه "تعاطفًا مع غزة"، وهو المشهد الذي حقق دويًا عالميًا وقتها، نظرًا لأن البطولة نفسها كانت محط أنظار العالم أجمع.
كثيرٌ من اللاعبين المصريين والأندية المصرية قدمت أشكالًا متنوعة من الدعم والتضامن وإيصال صوت القضية إلى العالم، سواء من خلال ارتداء الكوفية أو تنظيم الفعاليات أو الزيارات، ومع ذلك يبقى تضامن حسام حسن في بطولة دولية لها ثقلها كالمونديال له وقعٌ خاص، فهو على الأقل يعلن أن القضية لم تمت، ولن تموت.