تصميم: يوسف أيمن - المنصة

العامية والسلفنة والخنفان.. في هشاشة اللغة

منشور الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر 2026

سأحتمي بما نُسب للعماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جُملة البشر"، وأعترف ببعض ما فاتني، وهو كثير، حين كتبت عن تشويم الصحافة المصرية، في المنصة في مايو/أيار 2023. فاتتني هشاشة شعب غيَّر دينه مرتين، ولغته أيضًا. وبالاحتيال على الغزاة، استطاع هضم روافد لغوية صاحبت الاستعمار الإغريقي والروماني والفرنسي والتركي والإنجليزي في قادوس عربية استعمارية صارت، بسطوة القوة، لغةً سائدة، قبل إصابة الشعب نفسه بهشاشة سلفية، وبعامية اختيارية استعلائية، وإجبارية تخضع لتعليم أجنبي يفرض إكراهات تربوية جعلت العربية غريبة على ألسنة أبناء إيجبت، وعلى ألسنة غيرهم، حتى يصيبني التشوش، فيصعب عليَّ قراءة منشور عامي من بضعة سطور.

عراقة دون مبالغة

تمتلك اللغة العربية أغنى منجز تراثي، في العلوم الدينية والطبيعية والاجتماعية. ثراء هذا المنجز لا يقارن به تراث أي لغة أخرى. ولا أؤمن بقداسة العربية، ولا يعقل أنها لغة آدم، في الجنة أو في الأرض. أتفق مع ما اطمأن إليه الدكتور لويس عوض الذي رأى العرب "أمة حديثة نسبيًّا إذا قيست بما جاورها من الأمم"، وأنهم ظهروا على مسرح التاريخ، للمرة الأولى، باسم "العرب" في القرن التاسع قبل الميلاد، "وأقدم نص عربي معروف ينتمي إلى عام 328 ميلادي وهو شاهد قبر امرئ القيس بن عمرو المتوفى في ذلك العام". الشاهد يسمي صاحبه "ملك العرب كلهم".

وينتقد عوض في كتابه مقدمة في فقه اللغة العربية قول العلامة المحقق محمد شاكر "العرب أمة من أقدم الأمم ولغتها من أقدم اللغات وجودًا، كانت قبل إبراهيم".  ويعلق بأن "هذا الموقف" ينسب إلى العرب ولغتهم "عراقة ليست لهم ولا لها بين الحضارات القديمة... لم يرد للعرب ذكر في أي نص من نصوص حضارات الشرق القديم قبل القرن التاسع قبل الميلاد".

لا إشارة إلى العرب في التاريخ المصري القديم. في التعاملات الدولية، وفي المعاهدات والحروب، وفي علاقات المصاهرة، يُذكر الليبيون والحيثيون والفرس والآشوريون الذين نقل ملكهم آشور بانيبال، في القرن السابع قبل الميلاد، مسلَّتين من مسلات أون (عين شمس بالقاهرة حاليًا وفيها تأسست أقدم جامعة علمية في التاريخ)، وأقامهما في الميدان الكبير، أمام قصره وسط العاصمة نينوى. إحدى المسلتين تحمل اسم رمسيس الثاني، والثانية تحمل اسم أبيه سيتي الأول. ولم يذكر المؤرخ الأسترالي تريفور برايس، في كتابه رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم، شيئًا عن تجمّع بشري يحمل اسم "العرب"، ولم تكن شبه الجزيرة ذات شأن، وهو يوثق المراسلات الملكية في العصر البرونزي المتأخر بين القرنين السابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد.

أقفز من الألغام العرقية المعقدة. أتجاوزها وأنا أرى دولًا لغتها الإنجليزية، في نيوزيلندا وأستراليا والولايات المتحدة، لم تصبح شعوبًا إنجليزية. أتذكر ما احتج به كاتب ياسين، ورفاق جزائريون أجادوا لغة المستعمِر مثل مبدعيه، بأن الفرنسية غنيمة حرب. التبسيط، في الحالة المصرية، ربما يكون مخلًّا. أتركه لكي أصل إلى جوانب من هشاشة الخطاب اللغوي، وما تتعرض له الفصحى والعامية الآن. كلتاهما في خطر. بالعدوان والإهمال، أو بالغلو الاستعراضي.

العامية السلفية

في البنك الأهلي، وضعت أغراضي في مقعد يفصلني عن رجل طيب الملامح. استأذنته أن ينتبه إلى الشنطة، حتى أشتري زجاجة مياه، وسألته هل يريد أن يشرب؟ قال: "أنا مُمسك". ظننته يكلم نفسه، أو يجيب عن سؤال آخر. أعدت السؤال، فكرر الإجابة ملحقًا بها مذكرة تفسيرية تفيد بأنه صائم. ماذا يضرُّ لو قال إنه صائم؟ للإمساك معانٍ بعضها دالٌّ على اعتلال الجهاز الهضمي. أما الصوم والصيام فمذكوران في القرآن، فلماذا يتخلى عنهما، ويتمسك بكلمة غير مصطلح على معناها المحدد؟

قدَّرت أن للسلوك اللفظي علاقة بوهم التعبُّد باللغة. وبعد فترة وجدت دليلًا آخر على هذا التعبُّد. في مصر، صارت "شقة العبور" تدل على تناقض سلوكي، وربما احتيال وانحراف، يمثله واعظ زاده الله بسطة في الجسم، وزهوًا يشارف حدود البارانويا. لا أعرف وظيفته، لكنه مقيم في السوشيال ميديا التي تدرُّ أرباحًا من فائض سذاجة الخائفين على الإسلام، وعلى مُلك الله، فيصيرون جيشًا لواعظ يبشر بين مؤمنين. الخواجة يقدم نسبة دولارية نظير نسبة التفاعل. وهوس الشهرة يغري بافتعال معارك، ونشر صولات وهمية مصحوبة بصورة تبرز العضلات. والحالمون بالفتوحات والسبي استبدلوا بالغزوات انتصارات تليفزيونية. فما علاقة ذلك كله باللغة الفصحى؟

سيدة لعلها ضحية شقة العبور ظهرت في برنامج. قالت إنها كانت زوجة الواعظ. هذا كله يهمني منه حرصها على الرفع في موضعَي الجرّ والنصب: "قلت لعبدُ الله.. قلت له يا عبدُ الله". لماذا الإصرار على تفاصح يجلب الخطأ؟ ربما لاوعي (قطّ يحب خنَّاقه)، ولا يرضى له إلا الرفع، مهما يستأهل الجرّ والنصب. في كلام السيدة إصرار على إخراج اللسان في ثلاثة حروف تستعصي على المصريين: الذال، الثاء، الظاء. ننطق الذال كالزين، والثاء كالسين. لا خطأ ولا عيب. تحتمل المحكيات شيئًا من هذا القبيل. قد تدل كلمة، أو نطق حرف، على شعب: "برشا" في تونس، "دخيلك" في سوريا، "بلكي" في لبنان، "شسمه" في العراق، "ديال" في المغرب، "بتاع" في مصر. في المغرب قفزٌ فوق الهمزة المتوسطة: بأس/باس. وقد ينطقون الظاء ضادًا: حفيظة/حفيضة. على عكس تونس والعراق يُنطق حرف الضاد ظاءً. ضحك طه حسين، وهو يسمع هذا الحرف في تونس: رضا/رظا، عوض/عوظ، ضريح/ظريح.

لا عيب ولا خطأ. ولا مانع شرعيًّا ولا لغويًّا من نطق الجيم القاهرية. أما الاستلاب المفروض بإكراهات التمويل وإغراءاته، خصوصًا في فضائيات النفط، فأثبت هشاشة لغوية في مصر، وهشاشة نفسية نشرت أسماء سفيان وچويرية (تصغير جارية، بتعطيش الجيم) والحارث وحذيفة (بإخراج اللسان في الثاء والذال)، كما وطَّن كلمات أتجنَّب استخدامها، ولا أظنها شاعت قبل خمسين سنة: تبريكات، الصوابية السياسية، السردية، الفعاليات، فضلًا عن ترقيق الراء، في كلمة القرآن، ترقيقًا يبلغ سقفًا منفرًا من الميوعة. ويسهل تأمُّل حالة خنفان الواعظ عمرو خالد، في وصلة دعائه في الحرم، يعطي ظهره للكعبة لزوم السيلفي، راجيًا الله أن يختصَّ بالكرم والعافية متابعيه، وحدهم من دون المسلمين. وبعد انتهاء فقرة الدعاء مباشرة، يعود إلى طبيعة النطق الرجولي. لم ينتبه إلى أن الكاميرا شغالة.

المهزومون ينقبون عن انتصارات صغيرة، تماحيك لتقليد الأقوى اقتصاديًّا ما دام للاقتصاد قنوات ونوافذ على التدين. تغير الخطاب، فجار على مأثورات اجتماعية تستهدف المشاركة بالتهنئة، أو مشاطرة الأحزان. في العزاء اختفت مؤازرة أهل الميت، والحث على الصبر والاحتمال: "البقية في حياتك"، "شدّ حيلك"، "ألف رحمة ونور" ترحمًا على المتوفى. اُستبدل بذلك: "البقاء لله". تقرير يعرّف الماء بالماء، كأن يقال لهم: "الله حيّ"، أو "كلنا سنموت".

اللغة كائن حي

أرجع إلى ما بدأت به، فأعترف بعدم القدرة على قراءة منشور عامي من بضعة سطور. صارت الفصحى لغة الكتابة. الإنكار لا يفيد. الإقرار بالحقيقة لا ينتقص العاميةَ المصرية. هي الأكبر تأثيرًا في محيطها العربي. وتراثها الشفاهي والمذاع والمطبوع غزير، ربما يزيد كمًّا وكيفًا على أي تراث بأي عامية عربية أو أجنبية. هي جسر الحوار بين العرب في الشرق والغرب، إذا عزَّ التفاهم بالفصحى أو بالمحكيات العربية. تتأكد مرونة العامية المصرية بقابلية الاندماج والسريان في نسيج فصحى مخففة وطازجة، منذ كتب ساويرس ابن المقفع تاريخ البطاركة، في القرن العاشر الميلادي، تحقيق المؤرخ عبد العزيز جمال الدين، حتى سيرة القس نصير الإسكندراني وابنه مرقس، وعنوانها حكايات شعبية قبطية من مصر العثمانية، وقد حققها عمرو عبد العزيز منير وعمرو رياض.

العامية لغة حياة لا لغة كتابة. بها نتحاور ونبيع ونشتري ونحب ونتشاجر، ونبدع فنونًا في الأفلام والشعر، والمسرح مع احترامي لصلاح عبد الصبور القائل في تذييل مأساة الحلاج: "نشأ المسرح شعريًّا. وأغلب الظن أنه سيعود كذلك".

استعصاء العامية في القراءة لأسباب منها كثرة صوتيات كل حرف، فتحتاج إلى جهد في الفهم أولًا، لكي تستقيم القراءة، ثم الفهم الدقيق. ولهذه الصعوبة سببان: أولهما الجهل باللغة، وتردي الإلمام بقواعدها الأساسية. أعرف حاصلين على الدبلوم لا يجيدون كتابة أسمائهم، بعد 12 سنة في التعليم، وجامعيين لا يتقنون الكتابة، يسأل أحدهم: "أخبارك اي"، يقصد: ايه؟ كما يكتب يا النداء "ي" فقط: "أهلًا ي أخي.. يجماعة عندي سؤال.. لك الحمد ي رب".

السبب الثاني هو الفذلكة. خوجنة مثقفين إذا كلم أحدهم أجنبيًّا اهتم بسلامة الجرامر، وإذا كتب بالإنجليزية ازداد الحرص. فإذا كتب منشورًا في الفيسبوك تخوجن: "هار اسود"، يقصد: نهار. ويدمج حروف كلمتين اختزالًا: "فالعالم.. فالبداية"، ويلتبس الفهم: هل الفاء حرف عطف أم حرف جر؟ "في العالم.. في البداية".

هناك أقدار متفاوتة من المياصة يلزمها بعض الخشونة ليستقيم المعنى: "في ناس تقول كذا.. في مواقف تستدعي الانتباه.. في مصري مطلوب للتحقيق". تقرأ، ثم تعيد القراءة، فتفهم أن "في" ليست حرف جرّ، لكنها تعني "فيه"، بمعنى: يوجد، أو هناك.

يتبدد المعنى ويتشوّش، بالعدوان على جلال العامية، واستهانة المتخوجنين بها. وباستعلاء المؤمنين بقداسة الفصحى، وخجلهم من العامية، فينطلقون من قداسة الدين إلى أسلمة الخطاب العمومي.