تصميم سيف الدين أحمد، المنصة،2026
أحداث 11 سبتمبر

11 سبتمبر.. ربع قرن من السياسة الأمريكية الفاشلة

منشور الثلاثاء 15 أيلول/سبتمبر 2026

ستبقى هجمات 11 سبتمبر 2001 حدثًا لا يُنسى رغم مرور 25 عامًا، ليس فقط لأن آثارها متواصلة إلى وقتنا الحاضر، لكن لأن طريقة التنفيذ وعدد الضحايا فاقا أي توقعات أو سيناريوهات وبدوا أقرب للخيال العلمي، مقارنة بأشكال أخرى من العمليات الإرهابية المعتادة في ذلك الوقت مثل تفجير سيارات مفخخة أو اختطاف طائرات.

كنت حينها مسؤولًا عن قسم الأخبار الدولية في الصحيفة التي أعمل بها، وتتضمن مهمتي متابعة وكالات الأنباء العالمية. وفور توالي الأخبار عن اصطدام طائرة ببرج التجارة العالمي في نيويورك توجهت سريعًا نحو مكتب رئيس التحرير لأطلعه على التطورات. أشار نحو شاشة التليفزيون التي كانت تبث أخبار قناة السي إن إن الأمريكية قائلًا إنه يتابع الخبر، وكان الدخان الأسود يتصاعد من أحد البرجين وخاصة عند نقطة الاصطدام التي أحدثت فجوة سوداء كبيرة.

يوم الهلع

لم تمض دقائق قليلة حتى شاهدنا مباشرة وعلى الهواء طائرة ركاب تتأرجح وتمضي كما الصاروخ نحو البرج الثاني لتصطدم به محدثة كرة هائلة من اللهب. تسمرت محاولًا استيعاب ما شاهدته. هل هي بالفعل طائرة ركاب مدنية تحمل مسافرين عاديين رجالًا ونساءً وأطفالًا؟ ماذا عن الموظفين والعاملين داخل ذلك المبنى الضخم الذين قد بدأوا للتو يوم عملهم بتوقيت الساحل الشرقي في الولايات المتحدة في التاسعة صباحًا؟ من المؤكد أنهم لم يكن لديهم ولو ثوانٍ لإدراك ما يحدث وذابوا واحترقت أجسادهم لحظة اقتحمت مكاتبهم تلك الطائرة التي تحولت إلى صاروخ موجه.

أما من بقوا بعد الارتطام فلم يكن حال أغلبهم أفضل، إذ تابعه المشاهدون حول العالم العشرات منهم وهم يحاولون النجاة من اللهب داخل المبنى بالقفز من طوابق مرتفعة.

ثم جاءت لحظة انهيار البرج الأول من أعلاه إلى أسفله في مشهد آخر يستحيل تخيله، يُبث على الهواء مباشرة، وتلاه انهيار البرج الثاني بنفس الطريقة، كأنما شُيد البرجان من رمل، ولم يكونا ناطحتي سحاب تميزان سماء نيويورك منذ عقود، لتتشكل سحابة دخان هائلة تطارد الناس في الشوارع وتخنقهم كأنها وحش عملاق هارب من أحد أفلام الرعب والخيال.

وفي العاصمة واشنطن، أثارت الطريقة التي اصطدمت بها الطائرة الثالثة بمقر وزارة الدفاع (البنتاجون)، على ارتفاع منخفض للغاية، شكوك الكثير من المشاهدين. أما قائد الطائرة الرابعة فقد فشل في الوصول لهدفه بعد أن تمكن الركاب من مهاجمته وانتهى الأمر بارتطام الطائرة بالأرض في ولاية بنسلفانيا ومقتل كل ركابها. وبلغ إجمالي عدد ضحايا الهجمات 3 آلاف قتيل في أقل من ساعة.

كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت ما تزال في مرحلة الانتشاء عقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ونهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ونصَّبت نفسها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وظهرت نظريات نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية وقواعد السوق الغربية. كما أن أمريكا ومنذ نشأتها قبل 250 عامًا كانت تشعر دائمًا أنها منعزلة عن العالم الذي تفصلها عنه المحيطات، وكانت القاعدة هي أن جيشها هو الذي يشن الهجمات خارج أراضيه بينما تبقى الأراضي الأمريكية محصنة ضد أي هجمات.

غضبٌ أعمى

لم تتعرض الولايات المتحدة لأي استهداف خارجي منذ الهجوم الياباني على بيرل هاربر عام 1941، وحتى ذلك حدث بعيدًا عن الأراضي الأمريكية نفسها في وسط المحيط الهادي. لذلك، اعتُبرت هجمات 11 سبتمبر  استثنائيةً كونها أول هجوم إرهابي أجنبي على الأراضي الأمريكية، وجاء ليستهدف قلب القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للبلاد.

ربما لذلك السبب قرر صناع القرار في الولايات المتحدة في ذلك الوقت أن الرد الأمريكي لا يكفي أن يكون انتقاميًا وقويًا، ولكنه يجب أن يكون رادعًا لأي قوة أو طرف قد يفكر في تكرار مثل هذه الهجمات واستهداف الأراضي الأمريكية.

وتمكن ما يعرف بأنصار تيار المحافظين الجدد من التأثير على الرئيس الأمريكي عديم الخبرة جورج دبليو بوش لإقناعه ليس فقط بغزو واحتلال أفغانستان، حيث منحت حركة طالبان الملاذ الآمن لـ بن لادن ومقاتلي تنظيم القاعدة، ولكن بمدِّ هذه الحرب دون أي أسباب أو مبررات لتشمل العراق الذي لم يكن لها أي صلة من قريب او بعيد بهجمات سبتمبر.

لم يكن للولايات المتحدة الدولة الحديثة تاريخ استعماري كالإمبراطوريات السابقة، البريطانية والفرنسية والإسبانية. وحتى عندما خاضت حروبًا خارجية في كوريا أو فيتنام، فكانت تلك المغامرات تستمر لعدة سنوات فقط تقرر بعدها الإدارة الأمريكية إنهاء المهمة حتى لو لم يتحقق أي انتصار حقيقي. ووفقًا للعقلية الأمريكية، فإنه من الأفضل إنهاء المغامرة ووقف نزيف الخسائر بدلًا من الاستمرار بعناد في تجربة تأكد فشلها.

وكان هذا ما حدث تقريبًا في أفغانستان والعراق بعد سنوات طويلة من هجمات 11 سبتمبر، وفشل الولايات المتحدة في عملية "إعادة بناء الدول" بعد غزوها واحتلالها تحت زعم نشر الديمقراطية والحرية والقيم الأمريكية، غالبًا لأن هذه لم تكن أبدًا الأهداف الحقيقية، إلى جانب رفض الشعوب لفكرة فرض الحرية عن طريق غزو واحتلال بلادهم.

كل هذا الفشل

استغرق الأمر نحو عشرين عامًا في أفغانستان قبل أن يقرر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن سحب قوات بلاده من هناك.

وكان المشهد مهينًا لكل من تابعه في نهاية العام 2021 خاصة مع انطلاق الطائرات الأمريكية من قواعدها بينما يركض خلفها آلاف الأفغان الساعين للهروب من حكم طالبان المتشدد الذي يعاملهم كعملاء وجواسيس. والمفارقة الأكبر كانت عودة التنظيم نفسه المتهم بالإرهاب إلى الحكم، وكأنه لم تمض عشرون عامًا من الاحتلال الأمريكي بمشاركة قوات دولية أوروبية عديدة.

أما في العراق فكانت المأساة أكبر وأكثر إيلامًا للولايات المتحدة نفسها، سواءٌ من ناحية الخسائر البشرية والمادية أو عواقب هذه الحرب على المصالح الأمريكية وعلى حلفائها الأقرب في المنطقة، دول الخليج النفطية الثرية.

غزو واحتلال العراق لم ينجم عنه أي ديمقراطية أو حرية، بل تقسيم فعلي للبلد بين شمال كردي ووسط سني مغلوب على أمره وجنوب شيعي له الغلبة والحكم بالتنسيق والتحالف مع العدو اللدود المفترض لواشنطن، الجارة إيران.

الحقيقة التي تأكدت كذلك بعد 25 عامًا من هجمات سبتمبر أن ردود الفعل الأمريكية لم تؤد حتى إلى تحقيق الهدف الرئيسي المعلن، وهو هزيمة ودحر الإرهاب والجماعات التي ترى في الولايات المتحدة عدوًا لدودًا. فتنظيم القاعدة سلم الراية إلى تنظيم أكثر دمويةً وشراسةً وجنونًا في وسائل القتل والتدمير، الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والذي تمكن في وقت ما من إقامة شبه دولة على مناطق واسعة من العراق وسوريا.

كما تحول إرهاب القاعدة وداعش إلى نموذج يقتدي به أفراد متفرقون في مختلف أنحاء العالم، يقومون بهجمات إرهابية عبثية عبر الدهس بسيارات أو هجمات بالسكاكين فيما يعرف بظاهرة "الذئاب المنفردة". وتصاعدت في المقابل مشاعر العداء للمسلمين والإسلام في الغرب، ولم يكن فوز حزب البديل الألماني الفاشي مؤخرًا في انتخابات إحدى الولايات بناء على برنامج يدعو إلى طرد العرب والمسلمين مفاجأة لأحد. كما أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب والكثير من أنصاره معروفون بمواقفهم التي تعتبر الدين الإسلامي والمسلمين عمومًا تهديدًا خطيرًا، وكان أول قرارات ترامب في فترة رئاسته الأولى منع مواطني دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة.

لم تزد مشاعر العرب والمسلمين نحو الولايات المتحدة رغم ما أنفقته من مليارات عديدة على برامج دعائية ومبادرات فاشلة إلا سوءًا ونقمة، خاصة في أعقاب حرب الإبادة الجماعية في غزة والدائرة منذ ثلاث سنوات بمشاركة ودعم كاملين من إدارتي بايدن وترامب. لم تكتف الولايات المتحدة ومعها بقية العالم المتحضر بالمشاهدة ببرود وعدم اكتراث مع مقتل نحو 74 ألف فلسطيني على مدى عامين، بل وفروا لإسرائيل أسلحة القتل والحماية الدبلوماسية والهروب من المساءلة أمام المحاكم الدولية.

وجاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الدائرة منذ سبعة أشهر ضد إيران لتؤكد أن صناع القرار في واشنطن لم يتعلموا من دروس هجمات سبتمبر قبل 25 عامًا، وفشل تجارب العراق وأفغانستان، مع استمرار التمسك بخوض حروب أحادية لا يدعمها العالم ولا تؤدي سوى لاستمرار الفوضى وانتشار المجموعات التي تتبنى أيدولوجيات إرهابية متطرفة لا ترى إلا الحرب والدماء والمواجهة إلى ما لا نهاية ضد الولايات المتحدة. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.