برخصة المشاع الإبداعي، ويكيبيديا
تمثال العدالة في أولد بيلي، لندن

الصراع على "العدالة" بين ترامب وخصومه

منشور الثلاثاء 26 أيار/مايو 2026

في مقابلة أجراها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع ستيفن كولبير، مقدم برنامج The Late Show الشهير مطلع الشهر الحالي، قال إن أكثر ما يقلقه في حالة الاستقطاب السياسي القائمة حاليًا في الولايات المتحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين هو التوجه نحو "تسييس نظام العدالة الجنائية"، واستخدامه لملاحقة الخصوم السياسيين كما يفعل الرئيس الحالي دونالد ترامب، وإن لم يذكره بالاسم.

وأوضح أوباما أن هذا التسييس يتجاوز ما يمكن تحمّله من سياسات سيئة لرؤساء ومشرعين، أو انتخابات عامة يجري التشكيك في نتائجها، فكل ذلك لا يفتح الباب أمام الرئيس لاستخدام وزارة العدل في ملاحقة من يرغب في الانتقام منهم.

ملاحقة العدالة

فمنذ عودته إلى البيت الأبيض في مطلع العام الماضي؛ لم يفوت ترامب يومًا واحدًا تقريبًا من دون مطالبة القائمين على أجهزة تنفيذ القانون وعلى رأسها وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، بملاحقة زملائهم في حقبة الرئيس السابق جو بايدن ممن دعموا وشاركوا في تقديم أدلة في القضايا والاتهامات التي وجهت له على مدى أربع سنوات، في محاولة واضحة وصريحة لمنعه من خوض الانتخابات مجددًا.

وبينما يُتّهم ترامب من خصومه بـ"تسييس العدالة"؛ يتهمهم هو بـ"تسليح العدالة" من خلال السعي الدؤوب لملاحقته وسجنه.

بالنسبة لترامب وأنصاره، فإن من حاولوا اقتحام الكونجرس بناءً على تحريض شخصي منه هم "أمريكيون وطنيون"

وشملت قائمة أهداف ترامب كلًا من المدير السابق لهيئة المباحث الفيدرالية FBI جيمس كومي، والمدعين العموميين في الولايات التي لاحقته بالعشرات من الاتهامات في نيويورك وجورجيا وواشنطن العاصمة، بداية من السعي للتدخل من أجل تغيير نتيجة انتخابات 2020 التي فاز بها بايدن، وليس انتهاءً بالاحتفاظ بوثائق حكومية سرية وكذلك دفع أموال من حملته الانتخابية بشكل غير قانوني لإسكات ممثلات إباحيات ارتبط معهن بعلاقات جنسية.

كما تلاحق وزارة العدل حاليًا عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي آدم شيف، الذي تقدم بمشروع قانون لعزل ترامب وملاحقته في فترة الرئيس بايدن.

واتسع نطاق الملاحقات ليشمل مسؤولين سابقين في إدارة ترامب الأولى ممن انقلبوا عليه لاحقًا، مثل جون بولتون الذي عمل معه لمدة عام مستشارًا للأمن القومي، إلى جانب إلغاء إجراءات الحماية التقليدية لنائبه السابق مايك بنس، عقابًا له على التصديق على فوز بايدن بانتخابات 2020.

وبعد أن وضع ترامب بعض أقرب أنصاره الذين يدينون له بالولاء الشخصي على رأس وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي؛ فُصل عشرات المدعين والضباط في المؤسستين لمجرد مشاركتهم في التحقيقات وتقديم أدلة الاتهام ضده، بالطبع بناءً على توجيهات مديريهم السابقين الذين كانوا يدينون بالولاء لبايدن والحزب الديمقراطي.

أبعد من التخيلات

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستبدل صورة سلفه جو بايدن بصورة لقلم إلكتروني يوقع باسمه في إشارة ساخرة إلى حالته الذهنية والصحية أثناء إدارته للبيت الأبيض، الصورة منشورة بتاريخ 25 سبتمبر 2025

من المعروف أن ترامب ليس بلياقة ودبلوماسية أوباما، ولا يلقي بالًا للأعراف التي تدعو إلى التعامل بالحد الأدنى من الاحترام مع الرؤساء السابقين، ولا يفوت فرصة لتوجيه انتقادات حادة لمن سبقوه من الرؤساء الديمقراطيين، وخاصة جو بايدن "النائم" وباراك "حسين" أوباما، في إشارة إلى أصوله المسلمة من ناحية والده، واتهام كليهما بالغباء.

وبلغت رغبة ترامب في الثأر الشخصي من بايدن أنه لم يقبل بتعليق صورته في البيت الأبيض إلى جانب بقية الرؤساء السابقين، واستبدل بها صورة القلم الإلكتروني/autopen، في إشارة لاتهامه المتكرر بعدم قدرته على ممارسة أبسط مهامه مثل التوقيع على القرارات الرئاسية، والاستعانة بقلم إلكتروني لعجزه عن ذلك.

ولكن ما فعله ترامب الأسبوع الماضي لتأكيد استخدامه للقانون ونظام العدالة الجنائية لملاحقة خصومه ولخدمة مصالحه فاق كل التوقعات والتخيلات، إذ أصدر قرارًا بإنشاء صندوق خاص بقيمة 1.8 مليار دولار يحمل اسم "صندوق منع تسليح العدالة" من أجل تعويض أنصاره الذين تعرضوا للسجن والملاحقة في فترة سلفه بايدن وذلك بعد ادانتهم في قضية اقتحام مبنى الكونجرس في 6 يناير 2021.

والأغرب على الإطلاق أن الإعلان عن تخصيص هذا المبلغ الضخم جاء بعد التوصل إلى تسوية بين الرئيس الأمريكي ومصلحة الضرائب الأمريكية لإنهاء قضية طالبها فيها بتعويض بقيمة 10 مليارات دولار بعد أن اتهمها بتسريب إقراراته الضريبية المفترض أنها سرية لوسائل إعلام أمريكية في فترة الرئيس السابق بايدن.

وفي الوقت الذي تزداد فيه شكاوى الأمريكيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية، خاصة منذ بداية حرب إيران قبل ثلاثة أشهر والزيادة الكبيرة في أسعار البنزين، لم يكن مفهومًا لكثيرين، بمن في ذلك مشرعون جمهوريون كبار، كيف يتعامل الرئيس الأمريكي بمثل هذه الاستهانة بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين، بداية بمقاضاة مصلحة الضرائب ومطالبتها بمليارات الدولارات، أو استقطاع 1.8 مليار دولار من الميزانية العامة، لتعويض أنصاره ممن سُجنوا بعد إدانتهم في اقتحام الكونجرس والاعتداء على قوة التأمين.

ضمان حياد القضاء بعيدًا عن الضغوط السياسية ركن أساسي في أي دولة مؤسسات

لا علاقة بهذه التعويضات بظلم هؤلاء؛ فقد أصدر ترامب بعد أيام فقط من عودته إلى البيت الأبيض قرارات بالعفو عن كل الذين صدرت ضدهم أحكام مشددة بالسجن لمدد تتراوح بين خمس سنوات وخمسة عشر سنة في قضية اقتحام الكونجرس، وهو ما اعتبره كثير من المشرعين في حينه، بمن فيهم مشرعون جمهوريون، اعتداءً صارخًا على نظام العدالة والقضاء في الولايات المتحدة، خاصة أن المدانين ارتكبوا بالفعل مخالفات فاضحة سواء باقتحام الكونجرس أو بالاعتداء على العشرات من ضباط الشرطة الذين حاولوا حماية المكان.

لكن بالنسبة لترامب وأنصاره، فإن من حاولوا اقتحام الكونجرس بناءً على تحريض شخصي منه "أمريكيون وطنيون" كانوا يعبرون عن رفضهم لما يرون أنه تزوير لانتخابات 2020، ولم يكن يجب ملاحقتهم وسجنهم من الأساس.

وبينما تتعالى الآن أصوات الديمقراطيين ومنتقدي الرئيس ترامب بالشكوى من إساءة استخدامه لسلطاته، فإن الرئيس الأمريكي الشعبوي يتعامل بمنطق "البادي أظلم"، ولا يبدو أنه نسي أن إدارة الرئيس السابق بايدن أفرطت بالفعل في إجراءات ملاحقته، بعد أن توهمت أن اتهامه وإدانته في العديد من القضايا سيقنع الأمريكيين أنه لا يصلح لتولي منصب الرئاسة.

صراع الحمار والفيل

من الواضح بعد خسارة المرشحة الديمقراطية كاميلا هاريس للانتخابات أن هذه الاستراتيجية كانت خاطئة تمامًا، وأن كل محاكمة كان يتعرض لها ترامب وتسريب صوره كمتهم، كما أي مشتبه به في قضايا إجرامية، ساهمت في زيادة شعبيته وتقديمه في صورة "البطل القومي" الذي يتعرض للظلم من قبل الديمقراطيين.

كما بالغ الديمقراطيون في تقدير تأثير قضية اقتحام الكونجرس على الناخبين الأمريكيين المنقسمين بشكل متساوٍ تقريبًا، ونسوا أنهم يتعاملون مع رئيس سبق له التصريح أنه لو أطلق الرصاص بشكل عشوائي على مواطن في نيويورك، لتسامح أنصاره مع ذلك الفعل من فرط تأييدهم له وإيمانهم بما يدعو له.

المخيف في هذا الجدل الحاد حول "تسييس القضاء" كما يسميه الديمقراطيون، أو "تسليح القضاء" كما يصفه ترامب، يجري في أحد أكبر الدول الديمقراطية في العالم، التي من المفترض أنها تنعم بنظام قانوني صارم وفصل واضح بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يضمن تداول للسلطة عبر انتخابات منتظمة.

قد لا يفلح ترامب في تمرير كل ما يرغب به من إجراءات انتقامية عبر النظام القضائي ووزارة العدل التي يتحكم بها الآن أنصاره، بعد اللجوء إلى درجات أعلى من التقاضي، بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا، خاصة أن عددًا من المشرعين الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ أعلنوا معارضتهم لتضمين الأموال المخصصة لتعويض أنصار ترامب في الميزانية العامة.

لكن رغم ذلك؛ تطرح المعركة الدائرة حاليًا في واشنطن تساؤلات مهمة ومشروعة حول كيفية ضمان نزاهة القضاء بعيدًا عن الضغوط السياسية، والأهم ضمان عدم استخدام الأجهزة الأمنية مثل الـFBI لملاحقة الخصوم، خاصة وأن هذا قد يفتح الباب لسيل لا ينتهي ولا يتوقف من الاتهامات المتبادلة كلما تغيرت الإدارات الأمريكية وجاء رئيس جديد إلى البيت الأبيض.

ضمان حياد القضاء بعيدًا عن الضغوط السياسية ركن أساسي في أي دولة تقوم على المؤسسات وتداول السلطة. ولكن في ظل إدارة ترامب أصبحت كل المبادئ والقوانين محل تساؤل وتشكيك وتهديد، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي.

ولا نملك كما بقية دول العالم والأمريكيين أنفسهم سوى أن نحبس أنفاسنا طوال فترة العامين ونصف العام المتبقية لهذا الرئيس الاستثنائي، في انتظار ما سيتخذه من قرارات وإجراءات لا يمكن التنبؤ بها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.