حساب دونالد ترامب على فيسبوك
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، 26 يناير 2025

طوفان الأقصى الذي أفسد لأمريكا حديقتها الخلفية

منشور السبت 5 أبريل 2025

قد يكون من المفيد أن نرى طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن غزو كندا وجرينلاند وتحويل قطاع غزة إلى "ريفييرا"، في إطار التصور الأمريكي العام، والموغل في تاريخ الولايات المتحدة، عن "الفناء الخلفي"، الذي يعني إلحاق الآخرين وتبعيتهم والتحكم في سياساتهم، خصوصًا مع حديثه عن حقه في الاستيلاء على غزة استنادًا إلى "السلطة الأمريكية".

ابتداءً، يشير مفهوم "الفناء الخلفي" في علم الجغرافيا السياسية إلى المناطق التي تتمتع فيها الولايات المتحدة الأمريكية بنفوذ واسع، أو تُخضعها لهيمنتها، خاصة في أمريكا اللاتينية. وترسخت صفة "الحديقة الخلفية" للإشارة إلى هذه القارة القريبة منها على مدار قرنين من الزمن، وصار ينظر إليها الآن على أنها جزء من العلاقات الدولية، لأنها كانت تهندس علاقة بين قارتين في العالم الجديد، ولا تزال آثارها مستمرة.

كانت بداية التطبيق مع مبدأ مونرو الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، ليؤكد أن واشنطن ستعتبر أي تدخل من الدول الأوروبية في شؤون الأمريكتين "عملًا استعماريًا عدائيًا"، وستتدخل لوقفه. ما يعني أن الولايات المتحدة لن تسمح بترك فراغ تستغله القوى الاستعمارية الأوروبية في أمريكا الشمالية أو الجنوبية، وكانت الأولى مُقسَّمة بين بريطانيا وفرنسا، والثانية بين إسبانيا والبرتغال. 

وفي مواجهة الإرث الاستعماري، لم تتوقف الولايات المتحدة عند حد تصفيته، بل إن بعض كبار ساستها آمنوا بالدور الرسالي لبلادهم، الذي يسمح لها بالتوسع، وفق ما يُسمى بالقَدَر الجلي، وهو يعني أن يدًا إلهية تقود أمريكا للتوسع من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي.

بدأت هذه العملية بشراء ولايتي لويزيانا وفلوريدا ثم تكساس، وبعدها حرب المكسيك بين 1846 و1848، التي انتهت بضم ولايات أريزونا وكاليفورنيا وكولورادو ونيفادا ونيومكسيكو ويوتاه، مقابل 15 مليون دولار فقط.

جزء من القانون الدولي

بدأ مبدأ مونرو تحذيرًا للدول الأوروبية حتى لا تتدخل في العالم الجديد، أو الأمريكتين، ليستقر أساسًا أو إطارًا لسياسة الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى واللاتينية، رغم أن واشنطن لم تكن تمتلك في البداية قوة بحرية قادرة على فرض رؤيتها وإرادتها.

تحللت واشنطن من التزامها بعدم التدخل في شؤون أوروبا مقابل ابتعاد الأخيرة عن أمريكا اللاتينية

لكنها حين حازت قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية، تمكنت مع مطلع القرن العشرين، تحديدًا في عام 1904، في عهد الرئيس ثيودور روزفلت، من التصرف كحارس ذاتي، أو شرطي، أو معلم أخلاقي، لأمريكا اللاتينية. ثم دفعت هذا "المبدأ" بخطوة قوية إلى الأمام حين أعلنت أن سوء الحكم أو الظلم المزمن سيكونان سببين كافيين يستدعيان تدخل أمريكا عسكريًا في دول هذه القارة. 

فالرئيس روزفلت، وفي أول زيارة لرئيس أمريكي خارج أراضي الولايات المتحدة، ذهب إلى بنما عام 1906 ليتفقد مشروع شق قناتها، الذي صار فيما بعد قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة في اتجاه أمريكا اللاتينية. لقد أدخل روزفلت تعديلات على مبدأ مونرو، فتحت الطريق أمام الولايات المتحدة لتقديم مساعدات اقتصادية إلى بعض الدول، حتى تحافظ على استقرارها، وتدور في الفلك الأمريكي.

حدَّد روزفلت شرطًا أساسيًا لعدم تدخل واشنطن في شأن داخلي لدولة لاتينية ما، وهو أن تتصرف هذه الدولة طوال الوقت بحصافة وحكمة في تعاملها مع واشنطن، ولا تنتهج أي سلوك معادٍ لها، أو تتخذ قرارًا يضر بمصالحها، وبذا فتح الباب لتصير الولايات المتحدة شرطي المنطقة.

وفق إعلان مونرو، وما تلاه من تعديل وتعزيز، تدخلت الولايات المتحدة في شؤون دول أمريكا الوسطى والجنوبية عشرات المرات، وراح نفوذها يتسرب تباعًا إلى مختلف دول أمريكا اللاتينية وهي تستقل عن الاستعمار الإسباني والبرتغالي، حتى وجدنا المبدأ ذاته يستخدم لتبرير حصار الولايات المتحدة لكوبا، وأزمة خليج الخنازير عام 1962، لإجبار السوفييت على سحب منظومات الصواريخ التي نصبوها على الأراضي الكوبية.

واتخذ مبدأ مونرو في وعي الأمريكيين شكلًا مختلفًا بمرور السنوات، فتجاوز صبغته المحلية ليبدو في نظرهم جزءًا من القانون الدولي المتصل بالمنطقة، ويتحلل من التزام واشنطن الذي قام لحظة إطلاق المبدأ بألا تتدخل في شؤون أوروبا مقابل ألا تدس الأخيرة أنفها في شؤون أمريكا اللاتينية. إذ تدخلت الولايات المتحدة بالفعل في شؤون أوروبا، دفاعًا عنها خلال الحرب العالمية الثانية، واستقر لها هذا التدخل بعد تأسيس حلف الناتو مطلع الحرب الباردة، بينما قطعت الطريق على الأوروبيين للعودة إلى أمريكا الجنوبية. 

العبث في الحديقة الخلفية

في عام 1954 دبرت الولايات المتحدة انقلابًا في جواتيمالا أطاح بحكومة جاكوبو أربينز الإصلاحية الديمقراطية، بدعوى أنها "مخفر شيوعي" على أرض أمريكا اللاتينية، ليفتتح سلسلة تدخلات أمريكية خشنة في شؤون القارة، لمواجهة التمدد اليساري بعد الحرب العالمية الثانية، مع تنامي النزوع إلى الديمقراطية وسقوط عدة نظم ديكتاتورية، وتوسع النقابات العمالية، ونجاحها في تنظيم سلسلة من الإضرابات وبزوغ نجم الأحزاب الشيوعية. 

مثّلت المواقف الأمريكية المتتابعة من المسألة الكوبية، لا سيما بعد وصول الشيوعيين بقيادة فيدل كاسترو إلى الحكم، التطبيق اليقظ لمبدأ مونرو، قياسًا إلى ما جرى مع دول أخرى في القارة، كان التدخل يتم سريعًا وعنيفًا وحاسمًا في الأزمات السياسية، ثم يأخذ في التراجع. 

لكن مع انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، والتراجع الحاد للشيوعية في العالم، صارت السياسة الأمريكية أكثر مرونة في التعامل مع الدول اللاتينية، التي بدورها تحولت تدريجيًا إلى الديمقراطية، وأعلت من تمسكها بسيادتها، بل إن بعضها أدار ظهره لواشنطن نحو قوى أخرى مثل الصين أو دول أوروبية.

واليوم تتعرض رؤية الولايات المتحدة الأمريكية هذه إلى منازعة أو تمرد أو رفض، حيث بدأت دول في أمريكا اللاتينية تخرج تباعًا من نطاق الهيمنة الأمريكية. رأينا ذلك في السنوات الأخيرة في فنزويلا مثلًا، حين فشلت واشنطن في فرض الحكم الذي تريده.

وجاء موقف بعض دول القارة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ليؤكد خروجها من الحظيرة الأمريكية. فبينما كانت الولايات المتحدة تحاول توفير غطاء سياسي ودبلوماسي لإسرائيل في مواجهة محاولات ملاحقتها قضائيًا وعزلها دبلوماسيًا، قطعت بوليفيا علاقاتها مع إسرائيل، واستدعت شيلي وكولومبيا سفيريها لدى إسرائيل، وأدانت فنزويلا "جرائم الإبادة الجماعية"، ودعت البرازيل إلى وقف الحرب، وهي كلها مواقف ضد إرادة الولايات المتحدة، وتضيف إلى اتجاه التمرد عليها في هذه القارة المنسية.

ورغم أن تعاطي العالم مع طوفان الأقصى أظهر أن نظرية "الفناء الخلفي" إلى أفول، أو تواجه تحديات، فإن الترامبية تتجاهل هذا، أو تحاول استعادة كل شيء إلى حيازة واشنطن، ليس من خلال التدخلات اللطيفة أو عبر الوسطاء أو بطرق غير عسكرية، إنما بالقوة المفرطة، وهذه المرة في أمريكا الشمالية نفسها وأوروبا.

ليس هذا فحسب، بل إن بعد الطوفان الذي كان محكًا لاختبار هذه النظرية برمتها، يريد تحويل قطاع غزة نفسه إلى فناء خلفي لأمريكا، بل إلى ما هو أبعد من هذا، حيث الإلحاق القسري والضم، وإن كان ذلك لا يزال، حتى الآن، طرحًا على الورق، أو في المخيلات البائسة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.