تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
اقتراح مقايضة قناة السويس بالديون لا يمثل حل للأزمة ولكنه يعكس حجمها.

القول الشافي في نقد "تلبيس الطواقي"

منشور الاثنين 7 أيلول/سبتمبر 2026

في أحد مشاهد الفيلم الكوميدي سكر هانم للمخرج السيد بدير (1960)، أراد سكر/عبد المنعم إبراهيم أن يعطي بقشيشًا لخادم صديقيه نبيل/كمال الشناوي وفريد/عمر الحريري، فطلب من نبيل جنيهًا، الذي طلب بدوره جنيهًا من فريد، فاقترض الأخير الجنيه من الخادم وأعطاه لنبيل الذي سلمه لسكر ليعطيه بقشيشًا للخادم.

هذا الذي يُطلق عليه "تلبيس الطواقي" لا نراه في الأفلام الكوميدية فقط، إذ يبدو أنه عرف طريقه إلى اقتصادنا وإدارته، حتى قدم الاقتصادي والسياسي حسن هيكل اقتراحًا، أو بالأحرى جدد اقتراحه، ببيع قناة السويس للبنك المركزي.

أنأى بنفسي عن اتهام الرجل بالخيانة والعمالة، وأناقش بجديةً مقترحه، الذي تنصّل منه مجلس الوزراء في بيان أكد عدم قابليته للتطبيق. لكن إحقاقًا للحق، لم تطمئن قلوب كثير من المصريين لهذا التنصّل، ربما لما لهم من خبرات سابقة صادمة مع الحكومة.

ما الذي اقترحه حسن هيكل؟

في يناير/كانون الثاني 2026، طرح هيكل فكرة المقايضة الكبرى؛ نقل ملكية أصولٍ من بينها هيئة قناة السويس من تبعية الحكومة إلى البنك المركزي، وذلك بعد أن يُقيّم الجهاز المركزي للمحاسبات أصولها، بالاستعانة بشركات عالمية، مقدرًا أنها قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار. ثم يُستفاد من عوائد القناة لخدمة التزامات البنك المركزي، للتحرر من ثقل فوائد الدين المحلي على الموازنة العامة، ما يفتح الفرصة لإنفاق أكبر على الصحة والتعليم والأجور.

الديون لا تختفي أبدًا.. هذه قاعدة أنصح أن يضعها كل امرئ نصب عينيه في حياته الخاصة والعامة

ومع تسوية ديون ماسبيرو الشهر الماضي، أعاد هيكل طرح اقتراحه، ما أثار لغطًا كبيرًا، واجتزأت الصحف تصريحاته، مثيرةً حالة من الاستياء وسوء الفهم.

لم يقل الرجل إنه يرغب في بيع قناة السويس لشركات أجنبية، إنما أوضح أنه يقترح نقل ملكيتها للبنك المركزي المصري.

بيد أن التوضيح الأخير خلق سوء فهم من نوع آخر "طااااب الراجل ما غلطش، كأننا نقلنا الكرسي من السفرة للصالون".

هنا وجب توضيح التوضيح. ولنا أن نطرح بعض الأسئلة ونحاول إجابتها قدر المستطاع.

هل حدث في العالم؟

إن كنت تقصد تجارب مطابقة، الإجابة بكل بساطة: لا.

هناك مقايضة الدين بالملكية أو الأسهم في بعض دول أمريكا اللاتينية. وعادة ما يكون دينًا خارجيًّا، يحمله الدائن الأجنبي ليحيله إلى استثمار أو حصة ملكية. وهذا لا يعني اختفاء الدين. الديون لا تختفي أبدًا، هذه قاعدة أنصح بأن يضعها كل امرئ نصب عينيه في حياته الخاصة والعامة؛ "لا دين يختفي، وهو هم بالليل ومذلة بالنهار". إنما يتحول الدين من التزام سداد على المدين إلى امتلاك الدائن لأصول أو أسهم. 

غير أن امتلاك البنوك المركزية للأصول في الدول يقع في نطاق السندات الحكومية، والعملات الأجنبية، والذهب، أما أن يمتلك البنك المركزي أصلًا استراتيجيًّا، اقتصاديًّا، وعسكريًّا، فهذا ما لم أجده في بحثي، وإن فاتني أمر فليُصححه المُصححون.

من السفرة للصالون؟

الإجابة البسيطة: لا.

الجهة المنوط بها إدارة قناة السويس هي هيئة قناة السويس، ويتضمن ذلك الإشراف عليه وتشغيلها وتطويرها وتحقيق أرباح منها والالتزام بالنفقات التي تحتاجها والعاملين بها، ثم يذهب الباقي للخزانة العامة. 

لا يمكن وضع مؤسسة مثل البنك المركزي في مواجهة مخاطر مشروع مثل قناة السويس

من ناحية أخرى، مهمة البنك المركزي الحفاظ على استقرار الجنيه والأسعار والنظام المصرفي.

النظر لقناة السويس بوصفها "مشروعًا" يجعل من الربح احتمالًا، لكن هناك احتمال آخر بالخسارة، وقد شهدنا بالفعل تراجعًا في إيراداتها خلال الأشهر الأخيرة بسبب الحرب الدائرة رحاها في المنطقة تأكل الأخضر واليابس.

ماذا لو عجز البنك المركزي أمام هذه الخسائر، واضطرت الدولة لدعمه، ما يزيد ارتباك الاقتصاد المصري فوق ارتباكه؟ 

لا يمكن وضع مؤسسة مثل البنك المركزي في مواجهة مخاطر مشروع مثل قناة السويس، ما يهدد استقرار الاقتصاد.

صحيح أن "الدولة" لن تفقد ملكيتها لقناة السويس، غير أن طريقة الإدارة سوف تختلف، وستتغير الأهداف بتغير الإدارة، وهو الأمر الذي يشكل مخاطرة كبيرة على البنك المركزي وقناة السويس على حد سواء. 

إضافةً إلى ذلك، فإن الدين لن يختفي، لأننا اتفقنا من البداية أن الديون لا تختفي. 

ماذا عن الأمن القومي؟

عقدت مصر اتفاقية سلام مع العدو الصهيوني منذ ما يقرب من 50 عامًا. لكن هذا لا يجعل من مصر سويسرا. منذ آلاف السنين والمصريون يتعاملون مع وطنهم بوصفه منطقةً عسكريةً بشكل أو بآخر. بمعنى أن ما بذلوه من جهد وكفاح، وقدموا في سبيله الشهداء؛ كان لغاية أساسية هي الحفاظ على الحدود قدر المستطاع. وقناة السويس ممر مائي استراتيجي يتأثر بالحروب، وكثيرًا ما يستغل فيها. 

لا يمكن القول بشكل قاطع إن "نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي يهدد الأمن القومي"

كثيرًا ما تحتاج الدولة، لأهداف عسكرية بحتة، إلى الإنفاق على قناة السويس حتى مع انخفاض إيراداتها أو تحقيقها خسائر. لكن عندما تصبح ملكًا للبنك المركزي؛ قد تتردد الدولة في اتخاذ التدابير العسكرية اللازمة، لما سيكون لها من أثر مباشر على البنك المركزي وسياساته النقدية، ومن ثم على الجبهة الداخلية ككل. 

القول بشكل قاطع إن نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي يهدد الأمن القومي فيه بعض الرعونة. إنما يمكننا القول إن الدولة ستثقل بحسابات أخرى داخلية حين ترغب في اتخاذ إجراء له أهداف استراتيجية أو عسكرية. 

ما الحل؟

لم يكن حسن هيكل "خائنًا للأوطان يستحق الإعدام" حين فكر في هذا الحل الذي ليس بحلٍّ على الإطلاق. لكن تصريحاته تعكس ارتباكًا حكوميًّا أمام الديون الداخلية والخارجية المتراكمة على كاهل المصريين، يتكبدون معها شقاء العيش، مع أثرها على تردي القطاعين الصحي والتعليمي، وانخفاض الأجور، وغلاء الأسعار. 

لقد جانبه الصواب في هذا المقترح، بيد أن تصريحاته تحمل في طياتها أزمة يبدو أن الدولة لا تجد منها مخرجًا ميسرًا. 

لست هنا لأطرح حلولًا، لأنني ببساطة لا أملك حلولًا لا تكبدنا نحن المواطنين آلامًا وأتراحًا فوق آلامنا، الناتجة عن سياسات الاستدانة غير المحسوبة، لتنفق على أي شيء بخلاف احتياجات المواطن الحقيقية. 

ماذا لو أوكلنا الأمر لربة منزل؟

أظن أن أول إجراء تتخذه ربة البيت حين تواجه الأسرة أزمات اقتصادية، هو أنها تقطع الإنفاق فيما ليس له عائد مباشر يفيد، فكل ما هو رفاهية تمتنع الأسرة عن شرائه، وكل مشاريع مستقبلية لا تعود بالنفع المباشر على طعام الأولاد وتعليمهم وصحتهم تؤجل، وكل ما كانت تشتريه من المتجر، تجاهد لتصنعه في البيت، وبدلًا من السفر إلى المصيف، تأخذهم إلى حمام سباحة بإيجار يوم، وربما ملأت البانيو بالماء وتركتهم يلهون فيه.

لا يمكن صناعة مستقبل دون حاضر ينشأ فيه جيل جديد ليستفيد من ثمار ذاك المستقبل

مما لا شك فيه أنها ستتوقف عن الاقتراض فورًا وبلا تردد، وستبحث عن عمل شريف، ربما من البيت إن كانت لا تستطيع العمل خارجه، كأن تصنع وجبات نصف جاهزة، أو تخيط الملابس، أو تقوم بأعمال مكتبية إن كانت قد نالت قسطًا من التعليم، المهم أنها سوف تنتج وتتربح من إنتاجها. بالطبع سوف تبيع ذهبها، لكنها لن تبيع سرير أولادها ولا كتبهم المدرسية ولا ملابسهم، ولن تغامر بصحتهم أو تقتطع من دوائهم.

لو أن الأزمة تعني أن زوجها مهدد بالحبس إن لم يوفِ التزامات ديونه، ستضطر إلى بيع السكن الذي تقطن فيه وشراء آخر بثمن أقل، وتسدد من الفارق بعض الديون. ولو أنها تسكن في إيجار، فربما انتقلت إلى شقة إيجارها أقل، لكنها أبدًا لن تبيت وأولادها على قارعة الطريق مجردة من كل شيء في سبيل الإنفاق بالدين على مشاريع زوجها التي لن تؤتي ثمارها إلا بعد وفاتها. لا يمكن صناعة مستقبل دون حاضر ينشأ فيه جيل جديد ليستفيد من ثمار ذاك المستقبل.

هذه هي حلول الأمهات. 

ربما عليكم استشارتهن.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.