حيرة طلاب البكالوريا.. مناهجُ صعبةٌ ومدرسون غيرُ مدربين
لم تُمنح الطالبة سلمى مصطفى حرية الاختيار بين الثانوية العامة والبكالوريا، فالمدرسة الخاصة التي تنتمي إليها وتشمل عدة مراحل تعليمية بمنطقة حدائق أكتوبر بالجيزة، أعلنت مطلع العام الماضي أنها لن تتمكن من توفير فصول دراسية لطلاب الثانوية العامة بالنظام القديم، وأنها ستدرِّس نظام البكالوريا فقط.
رضخت سلمى وأسرتها والتحقت بنظام البكالوريا، خاصة أن أحد مدرسيها ممن تثق في مشورتهم أقنعها بأن المستقبل لنظام البكالوريا الذي يوفر خيارات أكثر، لكنها حاليًا تخشى أن يكون قرارها خاطئ بعد شكوى المدرس نفسه من منهج البكالوريا الجديد.
تقول سلمى لـ المنصة "الأول كنت مقتنعة بنظام البكالوريا، نظام جديد بعدد مواد أقل، وفرص أفضل لتحسين الدرجات، دلوقتي حاسة إن المواد صعبة بعد ما شفتها على موقع الوزارة، ومع إني واخدة إنجليزي إضافي بس حاسة المنهج ده أعلى من مستوى اللغة عندي".
سلمي واحدة من 832 ألف طالب مصري التحقوا بنظام البكالوريا العام الدراسي الماضي بديلًا عن نظام الثانوية العامة، إلا أن مستقبل هذا العدد من الطلاب أصبح ملبدًا بالغيوم حيث شكك العديد من المدرسين في جاهزيتهم لتدريس المناهج التي أتيحت قبل 23 يومًا فقط من الدراسة، فيما انتقد مدرسو مواد اللغة الإنجليزية والكيمياء والفيزياء عدم ملائمة المناهج لما حصل عليه الطلاب من تأسيس خلال السنوات الماضية.
والبكالوريا نظام اختياري بديل لنظام الثانوية العامة التقليدي، استُحدث بعد اعتماد مجلس النواب مشروع تعديلات قانون التعليم، حيث يدرس الطلاب في الصف الأول من البكالوريا 6 مواد أساسية هي: اللغة العربية واللغة الأجنبية الثانية والتاريخ المصري والفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم المتكاملة.
بينما يبدأ من الصف الثاني التخصص في مسار من أربع مسارات هي: الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، وإدارة الأعمال، والآداب والفنون، ويمكن التبديل بين المسارات.
في الصف الثاني من البكالوريا، يدرس الطالب موادًا أساسية مشتركة: اللغة العربية والتاريخ واللغة الأجنبية الأولى، إلى جانب مادة تخصصية وفق المسار، فيختار طالب الطب وعلوم الحياة بين الرياضيات والفيزياء، وطالب الهندسة وعلوم الحاسب بين الكيمياء والبرمجة، وطالب مسار الأعمال بين المحاسبة وإدارة الأعمال، وطالب الآداب والفنون بين علم النفس واللغة الأجنبية الثانية.
نسبة 95% من الطلاب المتقدمين لمرحلة التعليم الثانوي العام اختاروا نظام البكالوريا بدلًا من الثانوية العامة التقليدية
أما في الصف الثالث، فيدرس الطلاب مادة التربية الدينية خارج المجموع، مع اشتراط نسبة نجاح لا تقل عن 70%، إلى جانب مواد التخصص: الأحياء والكيمياء لمسار الطب وعلوم الحياة، والرياضيات والفيزياء لمسار الهندسة وعلوم الحاسب، والاقتصاد والرياضيات لمسار الأعمال، والجغرافيا والإحصاء لمسار الآداب والفنون.
وبحسب تصريحات لقيادات في الوزارة فإن نسبة 95% من الطلاب المتقدمين لمرحلة التعليم الثانوي العام اختاروا نظام البكالوريا بدلًا من الثانوية العامة التقليدية، وسط شكاوى من الطلاب وأولياء الأمور تتعلق بإجبارهم العام الماضي على اختيار النظام الجديد.
منهج اللحظة الأخيرة
الشكوى لا تقتصر على الطلاب، المدرسون يشتكون أيضًا "مش ممكن المدرس يقدر يستوعب منهج كامل ويبقى فاهمه كويس ويقدر يشرحه للطلبة في 23 يوم بس" تقول مريم حمدي مدرسة اللغة الإنجليزية.
وتضيف لـ المنصة "الوزارة بتتكلم عن تطوير شامل في التعليم الثانوي، ونسيت أهم عناصر المعادلة، وهو المدرس. سمعنا إن شركات الكتب الخارجية والملخصات وصلها المنهج قبل المدرسين بفترة كويسة".
وقالت وزارة التربية والتعليم إنها دشنت برنامج سفراء البكالوريا، لتدريب المعلمين على المناهج الجديدة، واستهدف قرابة 1000 قيادة تعليمية، لنقل الخبرات إلى زملائهم داخل المديريات والإدارات التعليمية بمختلف المحافظات، وتوسع التدريب ليضم معلمين في 15 أغسطس/آب الماضي أي قبل انطلاق الدراسة بأقل من شهر.
بحسب مريم، فالأعداد التي دربتها الوزارة حتى الآن غير كافية لتدريس المناهج مشيرة إلى أن مدرستها التي تقع في مركز طوخ بمحافظة القليوبية لم يصلها التدريب بعد "حتى اللي حضروا التدريب اشتكوا من سرعته وما قدروش يطّلعوا على المناهج اللي اتدربوا عليها".
وهو ما اعتبره الخبير التربوي الدكتور محمد خليل موسى جزءًا من التحديات التي صاحبت تطبيق النظام الجديد. ويضيف لـ المنصة "عدم جاهزية بعض المعلمين بالشكل الكافي لتدريس المناهج الجديدة أحد المعوقات المرتبطة بنظام البكالوريا".
حاولت المنصة التواصل مع شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم، ولم تتلقَ ردًا حتى موعد النشر.
ليس فقط ضيق الوقت وضعف التدريب ما تشكوه مريم، وإنما أيضًا محتوى المنهج الذي تراه أعلى من قدرات المدرسين لا الطلاب فقط، تقول "المنهج مناسب لخريجي مدارس اللغات، لأنهم درسوا اللغة واتدربوا عليها، وهو مختلف تمامًا عن اللي خدوه الطلاب قبل كده" قبل أن تستدرك "المنهج كمان طويل أوي، كتابين متقسمين على 10 مفاهيم أو وحدات غير القصة".
ما قالته مريم يتفق مع ما نشره هيثم السيد، مدرس اللغة الإنجليزية عبر حسابه على فيسبوك في سياق توضيح أسباب اعتذاره لطلابه عن تدريس منهج البكالوريا قائلًا "المنهج يختلف عن الصورة التقليدية التي اعتاد عليها الطلاب في مناهج اللغة الإنجليزية بالتعليم الحكومي المصري، وهذا الاختلاف لا يتعلق بالصعوبة اللغوية وحدها، وإنما بطبيعة التطبيق وطريقة التفكير التي يتطلبها المنهج الجديد".
محتوى المحاضرات اهتم أكثر بشرح مزايا البكالوريا، وفلسفة المنهج وليس محتوى المنهج
ويضيف هيثم "أن الكتاب يركز على مهارات مثل الشرح والتحليل والمقارنة والدعم بالأدلة، وهو ما يتطلب أن يفكر الطالب باللغة الإنجليزية، في حين أن مسيرته التعليمية السابقة لم تكن قائمة على تأهيله بصورة تدريجية لممارسة هذه المهارات".
يتفق معهما أحمد فاروق مدرس الكيمياء بالمرحلة الثانوية، يقول لـ المنصة "المدرسين كانوا محتاجين على الأقل 3 أشهر لاستيعاب المواد الجديدة". يعمل فاروق في إحدى مدارس منطقة روض الفرج بالقاهرة لذا كان محظوظًا بأن تسنى له الحصول على تدريب تمهيدي عن البكالوريا وموادها الجديدة، لكن يبدو أن التدريب لم يكن كافيًا بالنسبة له "المحاضر ركز أكتر على شرح مزايا البكالوريا، وفلسفة منهج الكيميا في النظام الجديد مش محتوى المنهج".
ويتفق معه في الرأي الخبير التربوي محمد موسى بقوله "بعض المواد، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية والعلوم، تتضمن تشعبات كثيرة تحتاج إلى وقت كافٍ للتدريب والاستيعاب".
ويوضح موسى أن عددًا من المستشارين التربويين اقترحوا توزيع هذه المناهج على العامين الدراسيين، بحيث يتم تدريسها على مدار الصفين الثاني والثالث الثانوي، إلا أن النظام الحالي يتجه إلى الانتهاء من هذا الحجم الكبير من المحتوى خلال عام دراسي واحد، وهو ما يمثل تحديًا يحتاج إلى مزيد من الاستعداد والتنظيم.
لكنه في الوقت نفسه لا ينسى استشاري التربية والمناهج التأكيد على أنها خطوة إيجابية في تطوير العملية التعليمية، لما تتضمنه من تركيز على مهارات التحليل والتفكير النقدي، إلى جانب تنمية مهارات التفكير المنظم والمنطقي لدى الطلاب. إضافة إلى إتاحة الفرصة للطالب لخوض الاختبارات أكثر من مرة، بما يصل إلى أربع مرات، وهو ما يمنحه فرصًا إضافية لتحسين أدائه وتقليل الضغوط المرتبطة بالاختبار الواحد.
حل أزمة
إعادة الاختبار أكثر من مرة؛ كانت حل الوزارة لمعضلة صعوبة المواد خاصة العلمية. في نظام البكالوريا يدرس الطلاب في الصف الأول مادة العلوم المتكاملة وهو منهج أشبه بمناهج العلوم في المرحلة الإعدادية حيث يضم مختلف فروع العلوم من كيمياء وفيزياء وجيولوجيا وأحياء، وبداية من الصف الثاني يدرس الطالب مواد التخصص حسب مساره، ومن ضمن هذه المواد الاختيارية الكيمياء والفيزياء.
الوزارة تحاول حل أزمة نقص المعلمين في المدارس بتقليل المواد التي يدرسها الطالب في المرحلة الثانوية
"المنهج ضخم وثقيل والطالب غير مؤهل له" يشرح أحمد فاروق أزمته مع منهج البكالوريا الجديد، ويوضح "يدرس الطالب منهج العلوم المتكاملة الذي يمثل قشور علمية ثم يجد نفسه أمام منهج دسم مثل الكيمياء".
يرجع فاروق السبب إلى أن الوزارة تحاول حل أزمة نقص المعلمين في المدارس، إذ أصبح مدرسو كل الفروع العلمية خاصة الجيولوجيا وعلوم البيئة يدَّرسون منهج العلوم المتكاملة، بينما يتفرغ مدرسو مواد الكيمياء والأحياء والفيزياء لسنتي التخصص.
ويختلف إبراهيم الحسيني مدرس العلوم المتكاملة والكيمياء مع زميله فاروق بشأن طبيعة المنهج "رغم إنه تقيل بس طبيعة استيعاب الطلاب تختلف من طالب للتاني، وكمان عدد المواد اللي بيدرسها الطالب أقل بكتير من مواد الثانوية العامة، لذلك فإن طول المنهج مبرر لأن الطالب متفرغ لمواد أقل" يقول لـ المنصة.
مشاكل مادية وتربوية
امتد القلق إلى البرلمان حيث تقدم النائب سمير البيومي، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم، بشأن ما وصفه بحالة من الغموض والتخبط التي تحيط بتطبيق نظام "البكالوريا المصرية"، وما تثيره من قلق ومخاوف لدى الطلاب وأولياء الأمور. وأعرب النائب عن تساؤلاته بشأن مدى جاهزية وزارة التربية والتعليم لتطبيق النظام الجديد.
وأشار النائب إلى مخاوف تتعلق بالأعباء الاقتصادية المحتملة لتطبيق النظام على الأسر، خاصة وأن بعض المنصات التعليمية بدأت بالفعل الإعلان عن تقديم دروس خصوصية لمواد جديدة ضمن مناهج البكالوريا، من بينها البرمجة والذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يفتح الباب أمام زيادة تكلفة العملية التعليمية.
يرى كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية والخبير في شؤون التعليم، أن تطبيق نظام البكالوريا المصرية بهذه السرعة ومن دون فترة انتقالية كافية يمثل إشكالية تربوية، خصوصًا مع اختلاف فلسفة المناهج الجديدة وطرق التعلم، عن النظام الذي اعتاد عليه الطلاب.
ويقول مغيث لـ المنصة "الانتقال من نظام يعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين إلى آخر يقوم على التحليل والتفكير النقدي لا يمكن أن يحدث فجأة، ويحتاج إلى إعداد تدريجي للطلاب والمعلمين معًا".
وينتقد مغيث ما وصفه باتخاذ قرارات تعليمية كبرى من دون إعداد أو نقاش مجتمعي وتربوي كافٍ، مستشهدًا بتجربة التابلت في المرحلة الثانوية "الدولة أنفقت عليها عشرات المليارات من الجنيهات قبل أن تنتهي إلى لا شيء".
ويضيف "التعليم الجيد يحتاج إلى مدرس متفرغ وراضٍ عن مهنته ويتقاضى دخلًا مناسبًا، لكننا نعاني من مشكلات كبيرة، منها ضعف الإنفاق على التعليم وارتفاع الكثافات الطلابية وعدم إعداد المعلمين بالشكل الكافي للتعامل مع المناهج الجديدة".
وبينما يرى محمد موسى أن الجيل الأول الذي سيطبق عليه النظام سيواجه بطبيعة الحال بعض الصعوبات باعتباره الجيل الأول للتجربة، إلا أنه طمأن الطلاب وأولياء الأمور إلى أن وزارة التربية والتعليم أكدت أن أسئلة الاختبارات ستكون من صميم المناهج الدراسية، وأن عملية التحول ستتم بصورة تدريجية ومنظمة، بما يضمن تيسير التجربة على الطلاب.
هذه الطمأنة لا تجد طريقها إلى سلمى ومعها ما يزيد عن 800 ألف طالب يحاولون التعاطي مع وزارة تسعى للتطوير دون الاهتمام بجاهزية طلابها أو مدارسها لهذا التطوير، وسط مخاوف بأن تتحول الدفعة الأولى من نظام البكالوريا إلى "فأر تجارب".


