أشباح القطن| استنزاف التربة والأطفال
فايت على القطن كان لسه ورق عَ العود
واقفة عليه العذارى تحرسه من الدود
- بيرم التونسي
عندما طرح الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو نظريته حول التقسيم الدولي للعمل والتخصص القائم على الميزة النسبية في مطلع القرن التاسع عشر؛ نُظر إليها كوصفة لزيادة الإنتاج العالمي من خلال تركيز كل دولة على إنتاج السلع التي تمتلك فيها أفضلية نسبية مقارنة بالبلدان الأخرى. فلم تكن الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية لهذا النموذج قد ظهرت بعد.
كانت الرأسمالية الصناعية القائمة على سلاسل القيمة العالمية تخطو خطواتها الأولى وقتَ تطوير ريكاردو أفكاره عام 1817، ولم يختبر العالم النتائج بعيدة المدى لتحويل اقتصادات بأكملها إلى الزراعة الأحادية لخدمة الاحتياجات الشرهة للإنتاج الرأسمالي الصناعي المتنامي بوتيرة غير مسبوقة.
لكن مع ترسخ نمط الزراعة الرأسمالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ الأثر التدميري لهذا النمط يظهر بوضوح على العديد من البلاد في حالات كثيرة، من أبرزها حالة القطن المصري.
تسبب هذا النمط من الزراعة في تدهور التربة الزراعية في مصر، ما أدى إلى نتائج عدة، أبرزها انتشار أمراض المحاصيل والآفات، وهو ما سنركز عليه في المقال الثاني من هذه السلسلة، بالاعتماد على مجموعة من المصادر الأرشيفية لفهم كيف أدى اندماج مصر في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بوصفها مُنتجًا متخصصًا للقطن، إلى خلق بيئة زراعية أكثر هشاشةً، وما تلى ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية.
مخاوف مبكرة
بعد نحو قرنين من نظريات الميزة النسبية، طور عالم الاجتماع الأمريكي جون بيلامي فوستر مفهوم الصدع الأيضي/Metabolic Rift استنادًا إلى كتابات كارل ماركس،
رأى فوستر في دراسته الصادرة سنة 1999 أن أثرَ الرأسمالية لا يقتصر على إعادة تنظيم الإنتاج، بل يمتد إلى إحداث صدع في العلاقة بين الإنسان والطبيعة. يتجسد هذا الصدع -زراعيًا- في استنزاف خصوبة التربة عبر الاستخراج المستمر للمغذيات دون تعويضها.
كانت ثورة القطن في مصر جزءًا من الثورة الزراعية الثانية، التي مثّلت مع انتشارها عالميًا في منتصف القرن التاسع عشر، وفق فوستر، فترةً من التناقض العنيف؛ إذ تراجعت خصوبة التربة بحدّة نتيجة اضطراب الدورة الغذائية الطبيعية، ما ساهم حينها في خلق قلق كبير بخصوص مستقبل خصوبة الزراعة الرأسمالية.
قبل بحث فوستر برزت العديد من المخاوف المبكرة حول التأثيرات البيئية للزراعة الحديثة، مثل ما أشار له الاقتصادي الأمريكي هنري تشارلز كاري(*) في كتاب "مبادئ علم الاجتماع" في منتصف القرن التاسع عشر "عندما تُوجَّه طاقة البلد كلها نحو توسيع نفوذ التاجر، فلا عجب أن نجد ناسها في كل مكان منهمكين في نهب مخزون الأرض من الثروة الطبيعية".
كل تقدم في الزراعة الرأسمالية هو تقدم في فن نهب التربة وليس فقط في فن نهب العامل
إضافة إلى ذلك، كتب كارل ماركس إلى فريدريك إنجلز عام 1866 أثناء عمله على نظريته في الريع العقاري، أنه اضطر إلى دراسة أحدث أبحاث الكيمياء الزراعية في ألمانيا، لا سيما أعمال يوستوس فون ليبيج(**)، مؤكدًا أن تلك الأبحاث "أهم لهذا الموضوع من عمل جميع الاقتصاديين مجتمعين".
كما أشاد ماركس في كتابه الأشهر رأس المال بليبيج، مُعتبرًا أن كشفه الجانب التدميري للزراعة الحديثة "من أعظم مآثره الخالدة". وانطلاقًا من هذه الرؤية، رأى ماركس أن الرأسمالية لا تستغل العمل فحسب، بل تمارس أيضًا نهبًا منظمًا للتربة.
أشار ماركس أيضًا في الكتاب نفسه إلى المخاطر التي تحيق بالتربة في ذلك الوقت "إن كل تقدم في الزراعة الرأسمالية هو تقدم في فن نهب التربة، وليس فقط في فن نهب العامل؛ وكل تقدم في زيادة خصوبة التربة لفترة زمنية هو في الوقت نفسه تقدم نحو تدمير المصادر الأكثر دوامًا لتلك الخصوبة [...] وبالتالي، فإن الإنتاج الرأسمالي لا يطور التكنولوجيا، ولا يجمع بين العمليات المختلفة في كيان اجتماعي متكامل، إلا من خلال استنزاف المصادر الأصلية لكل الثروة - التربة والعامل".
لذا يقتبس فوستر من ماركس قوله إن الزراعة إذا لم تخضع للسيطرة الواعية ستترك من خلفها صحارى. يجدر الذكر هنا أنه خلال الـ150 عامًا الماضية فقدت الأرض نحو نصف تربتها الصالحة للزراعة.
آفة حقولنا الإنهاك
بالنسبة للحالة المصرية، بدأت بوادر تدهور محصول القطن بسبب الآفات التي ظهرت خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، مع التحول السريع إلى الإنتاج الكثيف الموجه للتصدير، ما خَلق بيئة مثالية لتكاثر الآفات الزراعية، على رأسها دودة القطن/Spodoptera littoralis.
يشير تقرير The Finances of Egypt(***)، المقدم عام 1890 إلى مجلس العموم البريطاني بطلب من الملكة فيكتوريا، إلى تقييم مسؤول الإدارة البريطانية في مركز زفتى لتفاقم انتشار دودة القطن، بأنه "بعد عامين من الوجود الضعيف، عادت (الدودة) لتظهر مرة أخرى في العديد من الأماكن بقوة متجددة، حتى إن عدد البيوض التي وضعتها الفراشة في بعض المزارع، لا سيما الأكثر إنتاجًا، كان هائلًا إلى درجة أن جميع الأيدي العاملة المتاحة لم تكن كافية للقضاء عليها".
ويلقي التقرير بالمسؤولية على كسل ولا مبالاة الفلاحين، فيقول نصًا "ومهما كان هذا الأمر باعثًا على القلق، فإنه من المحزن أكثر أن نرى حالة اللامبالاة المزمنة التي وقف بها معظم الفلاحين، بمن فيهم الأكثر ذكاءً، عاجزين يشاهدون الدودة وهي تدمر آمالهم ومستقبلهم الزراعي، ولأنه لا يمكن انتشالهم من طبيعتهم الكسولة؛ فلا جدوى من تقديم النصيحة لهم. ولتعويض الخسائر السابقة التي سببتها الدودة قاموا بإنهاك أراضيهم بالمزيد من الاستغلال أملًا في الحصول على محاصيل أكبر، ولكن ذلك لم يؤدِّ إلا إلى نتائج عكسية. وفي الوقت نفسه، كان المرابون في القرى ومغتصبو الأراضي هم المستفيدين الحقيقيين، بينما اضطر أكثر الفلاحين نشاطًا واجتهادًا إلى تحمل المعاناة بسبب الخمول الأحمق لجيرانهم".
لم يكن هذا التصور الساذج هو التفسير الوحيد لانتشار الآفات، إنما تحدثت بعض المراسلات البريطانية الأخرى في الفترة نفسها بوضوح عن الأسباب البنيوية للأزمة ودور الزراعة المكثفة والمتكررة للقطن في استنزاف الأراضي الزراعية. على سبيل المثال، أرجعت برقيةٌ بريطانيةٌ رسميةٌ من القاهرة، تناولت المراجعة السنوية للمستشار المالي الفرنسي بتاريخ 31 يوليو/تموز 1889، ضعف محصول القطن إلى "الإفراط في الزراعة".
على أي حال، فإن تداعيات هذا النمط من الزراعة لم تكن مفاجأةً، فقد سبق وحذر المسؤول والدبلوماسي البريطاني الشهير إدجار فنسنت عام 1884، كما ذكرنا في المقال السابق، من أن زراعة القطن بوتيرة متزايدة بدأت تؤدي إلى إنهاك التربة، لأن الدورة الزراعة التقليدية كانت تقتصر على مرة كل ثلاث سنوات، إلا أن شراهة ملاك الأراضي والبحث عن الربح من التصدير كانت تدفع إلى زراعة القطن مرة كل عامين على الأقل.
تفاقم أزمة الإنتاجية
في عام 1902، ظهرت المشكلةُ الأكبرُ في مصر، وهي ذبول الفيوزاريوم، نتيجة لاستمرار زراعة القطن في الحقول نفسها عامًا تلو آخر، ما أدى إلى تراكم جراثيم الفطر في التربة، تُعرف بقدرتها على البقاء حية في التربة لعقود، وتصيب البذور أيضًا لتعاود إصابة المحصول بمجرد إعادة زراعته.
أيضًا أسهم انخفاض التنوع الناتج عن الاعتماد على عدد محدود من أصناف القطن طويل التيلة، المختارة أساسًا لقابليتها للتصدير لا لمقاومتها للأمراض، في تعريض مساحات واسعة من الأراضي للإصابة الجماعية بالمرض. لهذا السبب تحديدًا تأسست وحدة البحوث الزراعية في مصر مطلع القرن العشرين لتطوير أصناف مقاومة للأمراض.
ويكشف ظهور المرض في الولايات المتحدة عام 1892 ثم في مصر بعد عقد واحد فقط ثم الهند عام 1908، وهي أكبر ثلاثة بلدان منتجة للقطن في ذلك الوقت، عن الطبيعة العالمية للأزمة الزراعية التي صاحبت توسع الرأسمالية الزراعية في أواخر القرن التاسع عشر. ففي كل تلك الحالات ارتبط انتشار المرض بتحول القطن إلى محصول نقدي رئيسي يخدم الصناعة العالمية، وما استتبعه ذلك من تكثيف الإنتاج، وإهمال الدورة الزراعية، والتوسع في الزراعة الأحادية.
استمر هذا النمط من العمل الزراعي المستنزف حتى الوقت الراهن برغم التطورات التقنية في إدارة الآفات
لم تتوقف حدود هذه الهشاشة البيئية عند أمراض التربة الفطرية، إذ انتشرت آفات جديدة في التربة مع كل توسع في نمط الزراعة الأحادية. في هذا السياق، رصد الخبير الزراعي الفرنسي فيكتور موسيري، في تقريره الصادر عام 1919، كيف تضافرت أسباب تدهور إنتاجية القطن المصري مع تراجع جودته، حيث أشار إلى أن الآفات، على رأسها دودة اللوز الوردية ودودة ورق القطن، أصبحت تشكل ضغطًا هائلًا ومباشرًا على المحصول، وأكد على الأخص أن الدودة الوردية تكاثرت وتضاعفت معدلات انتشارها بشكل كبير في الحقول المصرية منذ عام 1912.
لفت موسيري إلى أن هذا الانتشار الكبير للآفات كشف ثغرة أخرى عمّقها نمط التكثيف الزراعي، فنضج الأصناف المستحدثة كان يتأخر، وهو ما جعل لوز القطن مكشوفًا في نهاية الموسم وعرضة لضربات الدودة الوردية. نتيجة لذلك، فرضت الضغوط الاقتصادية والبيئية على البحث الزراعي التوجه نحو برامج انتخاب وتصفية صارمة تهدف إلى استنباط سلالات تتميز بالقدرة على الإثمار المبكر والسريع.
وأرجع تحليل زراعي لاحق، صادر عام 1949 عن مجلس القطن الوطني في الولايات المتحدة، انخفاض إنتاجية القطن المصري بين عامي 1900 و1920 من 500 إلى 350 رطلًا للفدان لعاملين رئيسيين، هما التوسع في زراعة القطن في الأراضي الطرفية الأقل جودة، وتدهور حال التربة.
يشير التقرير أيضًا إلى أن إنشاء معهد بحوث القطن مثّل نقطة تحول في برامج تربية القطن المصري، إذ نجح الباحثون في استحداث أصناف أكثر مقاومة للذبول، كان من أبرزها سلسلة أصناف "الجيزة"، ثم توالت أصناف مختلفة مثل الأشموني والمنوفي وسخا وآمون حتى اختفى تقريبًا صنف ميت عفيفي من الوجود. ومع تطور هذه البرامج، أمكن الجمع بدرجات متفاوتة بين مقاومة الأمراض، وتحسين جودة وطول التيلة، ورفع الإنتاجية، حتى استعادت إنتاجية الفدان مستويات تراوحت بين 500 و600 كيلوجرام خلال أربعينيات القرن العشرين.
بالنظر إلى مستوى إنتاجية الأرض في تلك الفترة، نرى أن إنتاجية القطن للفدان ارتفعت بصورة واضحة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ انتقلت من 3.29 قنطار للفدان عام 1879 إلى 5.47 قنطار للفدان في 1895-1899، نتيجة لجهود التوسع الأولي في الزراعة الأحادية والتكثيف الذي تلى الحرب الأهلية الأمريكية وما نتج عنها من تراجع إمدادات القطن الأمريكي لمصانع لانكشير في بريطانيا.
لكن كل جهود مقاومة المرض السابقة لم تنجح في الحفاظ على نفس معدلات الإنتاجية، إذ تدهورت في بدايات القرن العشرين تحت تأثير أمراض جديدة وبدفع من حدود قدرة الأرض نفسها على العطاء، فانخفضت الإنتاجية إلى 4.67 قنطار للفدان في 1900–1904، ثم إلى 4.03 قنطار في 1905–1909، قبل أن تستقر نسبيًا عند 4.27 قنطار في 1910-1914.
بعد ذلك دخلت إنتاجية القطن مرحلة تراجع أكثر حدة، إذ هبطت إلى 3.58 قنطار للفدان في 1915-1919، ثم بلغت أدنى مستوى لها عند 3.67 قنطار في 1920-1924. ومع تطوير أصناف مقاومة للأمراض، زادت الإنتاجية تدريجيًّا في السنوات اللاحقة حتى قاربت مستويات نهاية القرن العشرين، لكن بدون أن تصل إليها.
تحسن إنتاجية الأرض وانخفاض إنتاجية العمل
لكن حتى لو تحسنت الإنتاجية بعد ذلك بسبب تطوير أصناف أكثر مقاومة للآفات، فإن ازدياد انتشار الإصابات أدى إلى زيادة كبيرة في أعباء العمل. حسب دراسة أجريت على إنتاج القطن في المنيا خلال موسم 1947-1948، تطلب جمع الآفات وحده 50 يوم عمل للفدان؛ وهو أكثر بقليل من خمس إجمالي العمل المطلوب لزراعة القطن (242 يوم عمل للفدان) وإجمالي تكاليف العمالة.
ويشير وصف معاصر لمكافحة الآفات إلى أنه من أوائل يوليو وحتى منتصف أغسطس/آب، كان ضروريًا فحص حقول القطن كل ثلاثة أيام بحثًا عن كتل بيض دودة القطن (اللطعة) الموجودة على الجانب السفلي من الأوراق. وفي حالات الإصابة الشديدة، لا بد من فحص كل ورقة من كل نبتة في كل حقل، وجمع كتل البيض يدويًا وسحقها.
هذا العمل كان يؤديه الأطفال عادةً، إذ يجري البنات والأولاد الصغار عمليات الفحص مقابل خمسة إلى سبعة قروش يوميًّا/نحو 25 سنتًا في ذلك الوقت أو ما يعادل 3.5 دولار بمعدلات اليوم).
وتعكس حسابات كلوت بك(****) لمتطلبات العمل في زراعة القطن أن الزراعة في مصر كانت تتم تحت ظروف قاسية خلال فترة مبكرة من الدخول لعصر الزراعة الكثيفة، وذلك وفق ما جاء في كتابه لمحة عامة إلى مصر/Aperçu général sur l'Égypte الصادر عام 1840.
وفق تلك الحسابات، كانت عملية إنتاج قطن الزهر (دون احتساب عمالة المحالج) تُدار بعبء عمالي قليل نسبيًا عام 1838 يمثل حوالي 3750 ساعة عمل لإنتاج طن من القطن، لكنه تحسن لاحقًا إلى نحو 6613 ساعة عمل عام 1948 بحسب الدراسة المذكورة أعلاه.
بالرغم من هذا الإنهاك للعمالة الزراعية في مصر، فإن الإنتاجية الصافية للعامل كانت تتراجع، كما يوضح الأكاديمي المتخصص في اقتصاديات القطن المصرية آلان ريتشاردز. هذا الانخفاض في مخرجات العامل جاء نتيجة تضافر عوامل الإنهاك البيولوجي للحقول؛ إذ فُرضت على العمالة الريفية أعباء مزدوجة ومجهدة تمثلت في التوسع الكثيف في نشر الأسمدة الكيماوية لمحاولة تعويض الإنتاجية المتدهورة للأرض من جهة، والاستنزاف اللانهائي لطاقة العمال والأطفال في معارك مكافحة الآفات المستعرة من جهة أخرى.
استمر هذا النمط من العمل الزراعي المستنزف حتى الوقت الراهن رغم التطورات التقنية في إدارة الآفات. ويشير تقرير لهيومن رايتس ووتش إلى أنه حتى بعد تطبيق برامج الإدارة المتكاملة للآفات عام 1991، احتفظت وزارة الزراعة بأسلوب جمع كتل بيض الدودة يدويًّا، وهو العمل الذي كان يُسند في معظمه إلى الأطفال.
وقدر مسؤول بوزارة الزراعة عام 1980 عدد الأطفال المشاركين سنويًا بنحو مليوني طفل، بينما أشار التقرير ذاته إلى تقدير لمركز الأرض عام 1999 لعدد العاملين الأطفال في زراعة القطن بنحو 1.2 مليون طفل. وكشفت التحقيقات الميدانية لمركز الأرض في محافظات الدقهلية والغربية أن هؤلاء الأطفال كانوا يعملون يوميًّا من السادسة صباحًا حتى غروب الشمس في ظروف من الحرارة الشديدة، ويتعرضون للضرب من المشرفين، ويحرمون في كثير من الأحيان من الرعاية الطبية عند إصابتهم بالإجهاد الحراري، فضلًا عن تعرضهم لمبيدات الآفات أثناء الرش.
تداخلت مشاكل الزراعة الأحادية وانتشار أمراض التربة والآفات مع دورات رأس المال، لتضيف الأخيرة مستويات أخرى من اللايقين والهشاشة والأزمة، فكان كل كساد تتبعه موجةٌ من استحواذ البنوك الأجنبية على الأراضي المتعثرة نتيجة انهيار أسعار المحصول أو تلفه بسبب الآفات أو كليهما في أسوأ الظروف.
أدى هذا إلى ارتباك اجتماعي وسياسي واقتصادي كبير بسبب غضب ملاك الأراضي المصريين من تلك الاستحواذات، وعدم قدرة البنوك الأجنبية في كثير من الأحيان على التصرف في الأراضي المستولى عليها، ومقاومة الكثير من الملاك أصلًا تسليم الأراضي للبنوك منخرطين في محاولات لا نهائية للتفاوض على عدم تسليمها.
قاد ذلك إلى بزوغ أفكار اقتصادية جديدة تتمحور حول إنشاء بنوك وطنية للحد من استيلاء البنوك الأجنبية على الأرض، فضلًا عن فلسفة اقتصادية تشجع على تنويع الاقتصاد وإلغاء التبعية، مستعينةً في ذلك بخطاب وطني استقلالي من أشهر تجلياته كان مشروع طلعت حرب.
في المقال المقبل من هذه السلسلة، سنتطرق بالتفصيل لدور القطاع التمويلي والوسطاء الأجانب في إضافة مستوى ثانٍ، بالإضافة لحدود الطبيعة التي تناولناها في هذا المقال، أدى للحيلولة دون إحداث تراكم رأسمالي وطني برغم الاندماج الكامل وغير المشروط في المنظومة الرأسمالية العالمية بشقيها التجاري والتمويلي.
(*) هنري تشارلز كاري (1793-1879) اقتصادي أمريكي وطني وناقد للتجارة الحرة والاقتصاد الريكاردي، عُرف بدفاعه عن الحمائية وتطوير دور الدولة في الاقتصاد في مراحل التنمية الأولية، وتناول في كتابه مبادئ العلوم الاجتماعية (1858-1859) العلاقة بين الإنتاج واستنزاف الموارد الطبيعية.
(**) يوستوس فون ليبيج (1803-1873): كيميائي ألماني يُعد من أبرز مؤسسي الكيمياء الزراعية الحديثة، ويعد مكتشف النيتروجين كأحد المغذيات الرئيسية للنباتات وساهم هذا الاكتشاف في تطوير منظومة الأسمدة الحديثة. ركزت أبحاثه على التغذية المعدنية للنبات وخصوبة التربة، واشتهر خصوصًا بقانون الحد الأدنى الذي يربط نمو النبات بالعنصر الغذائي الأكثر نقصًا. وكان لكتاباته حول استنزاف العناصر المعدنية من التربة وإعادة خصوبتها تأثير مهم في تطور التفكير الزراعي في القرن التاسع عشر، وتأثير بالغ على كتابات ماركس الأخيرة.
(***) The National Archives (UK), FO 407/273, Egypt: Finances of Egypt, 1889–1891, 31 December 1888–28 December 1891.
(****) كلوت بك (1793-1868): طبيب فرنسي خدم في مصر منذ عام 1825، وأسس مدرسة الطب في أبي زعبل بأمر من محمد علي وترأس مستشفى القصر العيني.



