تصميم أحمد بلال، المنصة
عقبات كثيرة في طريق الصحفيين لتحقيق حلم الانضمام لنقابتهم

"الصحفيين".. إشكالية القيد والكيانات الوهمية!

منشور الاثنين 17 آب/أغسطس 2026

تحية لمجلس نقابة الصحفيين الحالي بقيادة النقيب الزميل والأخ العزيز خالد البلشي، على قراراته الصادرة في اجتماعه الأخير، التي تستهدف مواجهة الكيانات الوهمية، والدفاع عن الكيان النقابي، وتطبيق القانون بحسم فيما يتعلق بعضوية النقابة واستمرار القيد بجداولها، الذي يُثار حوله الجدل في أحيانٍ كثيرة، خاصة مع فوضى سوق العمل وتشوهه، وتعامل البعض مع النقابة على غير دورها الطبيعي، دفاعًا عن المهنة وعن حقوق الصحفيين، وليس باعتبارها جهة عمل أو وظيفة بديلة.

لقد ظلت النقابة بوعي جمعيتها العمومية قادرة على حماية هذا الملف، لكننا نخطئ لو عزلنا مناقشة قضية القيد بجداول النقابة ومواجهة الكيانات الوهمية، التي انتشرت كالوباء عن سياقها العام، وما آل إليه وضع المهنة، والمتغيرات التي باتت تشكل ملامح سوق العمل، والتطورات المهنية المتسارعة، التي من تجلياتها تعدد وسائط ووسائل النشر، وكذلك تغيير البيئة القانونية المحيطة، التي لا يمكن عزلها عن قانون النقابة.

مطلوب شجاعة

وهنا تأتي أهمية جدية الحوار وتجرده، حتى تكتسب قرارات المجلس قيمتها الحقيقية وتؤدي الغرض منها. وكما سبق أن كتبت، علينا أن ندرك، عند مناقشة هذه القضية، أن أي لوائح منظمة، أو مفسرة لمواد القيد بقانون النقابة، إذا تجاهلت هذه التطورات أو تمت بمعزل عنها، فسيتسبب ذلك بإصابة المشهد النقابي بالجمود، بل وستتراجع المهنة للخلف إذا خاصمنا حقائق سوق العمل، وجعلنا من القيد مجرد أوراق شكلية تسمح لمَن يستوفيها بالتسلل إلى جداول القيد، بينما نعرقل قيد مَن يستحقون، أو غير القادرين على الاستجابة لألاعيب الدوائر المشبوهة، التي حولت عضوية النقابة إلى مجرد تجارة رابحة وسوق نخاسة معلوم ومعروف العنوان.

كشك صحافة بوسط القاهرة

للأسف يوجد بيننا مَن يريدنا أن نغض البصر عما يجري، لأسباب ليس هذا مجال الخوض فيها، وهي جريمة في حق الكيان النقابي يجب أن يحاسب عليها كل مَن تواطأ، أو شارك، أو غضَّ الطرف عنها. ويزيد من أثر أو تبعات هذه الجريمة سيادة فهم خاطئ، وهو إضفاء حصانة أبدية على مَن جرى قيدهم بغير ما ينص عليه قانون النقابة، فهناك موجبات كثيرة تتطلب مراجعة دورية للعضوية احترامًا لهذا القانون، الذي يحدد بوضوح شروط القيد في جداولها وشروط استمرار هذه العضوية.

مطلوب حاليًا أن نتحلى بالشجاعة، وقد دخلت النقابة من قبل أكثر من مرة هذا الامتحان، وخرجت منه منتصرة للمهنة، ولمستقبل الكيان النقابي، الذي يكسب كلما شملت مظلته أغلبية الممارسين الحقيقيين في سوق العمل من خلال، وهذا شرط أساسي ومهم، مؤسسات جادة وحقيقية وراسخة تقدم ضمانات لعلاقات وبيئة عمل محترمة، وتحفظ حقوق العاملين بها. فالمعادلة الصحيحة هي: صحفي حقيقي وصحيفة جادة ومسؤولة.

دخلت النقابة من قبل تحدي مواجهة الكيانات الوهمية، وبعضنا يذكر "المطعني"، الذي أعلن تأسيس نقابة موازية، وخصص لها مقرًا بوسط البلد، وكان مدعومًا من رئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات الصحفية الكبرى، الذي كان على خلاف مع الأستاذ إبراهيم نافع، نقيب الصحفيين وقتها. وبالفعل واجهت النقابة الموقف وقرر مجلسها إقامة دعوى قضائية انتهت إلى صدور حكم بحبس المطعني.

البيئة التشريعية

وفي تحديات القيد وتطبيق القانون الأمثلة كثيرة. فعندما عادت الأحزاب في سبعينيات القرن الماضي، وأصبحت جزءًا من المشهد السياسي، وتبعتها بالطبع الصحف الحزبية، وقتها ثار الجدل حول إمكانية قبول القيد من خلال هذه الصحف، وخلط بعضنا بين زملاء اختاروا العمل بهذه الصحف على أسس مهنية، وبين تسلل العمل الحزبي إلى النقابة.

لكن أسعفتنا الثقافة النقابية، التي وضع قواعدها الرواد المؤسسون، الذين حافظوا على الاستقلال النقابي، ولم يسمحوا بالخلط بين العمل النقابي والعمل الحزبي. وانتصر التيار الذي أكد أن هؤلاء زملاء يمارسون المهنة وهم امتداد لهذه الثقافة، ومن حقهم القيد بالنقابة، وتراجعت دوافع الخوف غير المبررة. وهو ما أكده المستقبل إذ أثرت الصحافة الحزبية المهنة، وأضافت إليها وقدمت نماذج متميزة.

الأهم هو امتلاكنا شجاعة ومراجعة ما اعتبره بعضنا من المسلمات، وهو ضرورة تغيير قانون النقابة كشرط للاستجابة لهذه المتغيرات

وتكرر الجدل عندما بدأت موجة الصحف الخاصة، من خلال الشركات المساهمة، ثم أعقبها اختبار القبول من المواقع الإلكترونية للصحف، التي لديها نسخة ورقية، والذين باتوا يشكلون أكثر من نصف أعضاء الجمعية العمومية على الأقل الآن. يضاف إليهم تباعًا صحف ومجلات ورقية تحولت بقرارات فوقية إلى مواقع إلكترونية، وظلت النقابة رغم كل ذلك هي الأقل نموًا في عضويتها منذ نشأتها عام 1941.

أضف إلى كل ذلك أن المشهد أصبح يتصدره، ونحن نتحدث عن تغيير البيئة التشريعية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي يفرض متغيرات يجب أخذها في الاعتبار، فقد تحدث عن الصحافة الورقية، والصحافة الإلكترونية دون تمييز، وعن أدوار للنقابة، وعن حقوق وواجبات للصحفيين، وعن التزامات على المؤسسات الحاصلة على ترخيص بالمزاولة... إلخ.

ويبقى الأهم هو امتلاكنا شجاعة ومراجعة ما اعتبره بعضنا من المسلمات، وهو ضرورة تغيير قانون النقابة كشرط للاستجابة لهذه المتغيرات، وفتح آفاق القيد من مؤسسات ومواقع إلكترونية معتبرة لا غبار عليها.

اتساع مفهوم الصحافة المطبوعة

وهنا ألفت إلى المفارقة، حيث إن قانون النقابة لم يأتِ على ذكر كلمة "الصحف الورقية"، بل تحدثت المادة (6) من قانون النقابة عن "الصحافة المطبوعة"، وهي بالتعريف تنطبق على كل الوسائل المتنوعة للطباعة، وليست الورقية فقط. فقد أصبحت هناك وسائط إعلامية متعددة تستخدم الطباعة لنشر المعلومات، مثل الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية، التي تستخدم الطباعة الرقمية.

كما أن هذه المادة نفسها هي التي أقرت بقبول القيد من وكالات الأنباء المحلية والدولية العاملة في مصر، وهي بطبيعتها ليست صحفًا ورقية، أي أن القانون الصادر منذ نحو 56 عامًا أجاز تعدد الوسائل والوسائط، وبعضنا الآن يريد أن يفرض علينا الصمت ويتعمد الإفتاء دون علم أو أهلية ودون اجتهاد، ويصادر على واقع يتجدد كل يوم.

والاستمرار في تجاهله يهدد الكيان النقابي، ويعطي المبرر والحجة لاستفحال ظاهرة أسواق التجارة الرابحة في العضوية، التي تحولت إلى ظاهرة كارثية لا يجب الصمت عليها، ثم الكيانات الوهمية و"تجارة الكارنيه"، التي لن تُستكمل جدية مواجهتها إلا بجديتنا في استيعاب حقائق هذا الملف، وغير ذلك سنكون شركاء في جريمة تحويل كيان نقابي عظيم إلى مجرد متحف نلوك داخله الأحاديث عن أمجاد معاركنا القديمة.

ولا أتصور أن الاختلافات الطبيعية والتنوع، بين الزملاء أعضاء مجلس إدارة النقابة، الذي شكّل على مدى تاريخها أهم ما يميز نقابة الرأي، يمكن أن ينال من وحدتهم في مواجهة قضية هي عمود الخيمة في البناء النقابي.

ولا أحسبهم جميعًا أو أحدهم غافلين عن ذلك، وأنفي عنهم أنهم يرون الأزمة ويتغاضون لمصالح انتخابية، لأنني أعلم أن هذه المصالح لا تتحقق عبر حسابات خاصة وصغيرة، بل إن سبيلها الوحيد تحقيق المصلحة العامة واحترام القانون والحفاظ على كيان نقابي هو بالنسبة لنا جميعًا الملاذ والبيت، الذي تحت سقفه نشعر بالأمان.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.