مَن الصحفي اليوم؟
في اجتماعه يوم الأربعاء 12 أغسطس/آب 2026، أصدر مجلس نقابة الصحفيين، برئاسة النقيب خالد البلشي، حزمةَ قرارات لمواجهة الكيانات الوهمية ومنتحلي صفة "صحفي" الذين يصدرون بطاقات عضوية مقابل مبالغ مالية.
تضمنت الحزمة تشكيل لجنة دائمة لرصد هذه الكيانات وتلقي الشكاوى، ومخاطبة وزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية، لعدم تدوين وظيفة "صحفي" في بطاقة الرقم القومي إلا بختم النقابة، ومخاطبة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لمراجعة الموقف التأميني للأعضاء، وإحالة خمسة زملاء إلى لجنة القيد للنظر في شطبهم.
في اليوم نفسه، فتحت النقابة باب القيد بجدول "تحت التمرين" اعتبارًا من 15 أغسطس، بثلاثة شروط؛ هي سداد 50% من الالتزامات المالية المستحقة على المؤسسة الصحفية، وألا يتجاوز عدد المتقدمين من كل صحيفة يومية 38 متقدمًا و19 للأسبوعية، وتقديم كشوف كاملة ومعتمدة بأسماء المتدربين الفعليين.
هل "الصفة" تُحسم بمعركة ضد من يزوّرها أم بإعادة تعريف من يستحقها أصلًا؟
تعكس هذه القرارات رغبة النقابة في ضبط حدود "الصفة" من جهتين؛ الخارج، بمواجهة من يدّعيها، ومن الداخل، بتنظيم من يحق له طلبها عبر قواعد واضحة. لكنها لا تجيب عن سؤال: أين يذهب من يقف خارج هذه الحدود وهو في الوقت نفسه ليس منتحلًا يستحق الملاحقة، ولا مرشحًا لقيد لا يتسع إلا لعدد محدود من كل مؤسسة؟
هل "الصفة" تُحسم بمعركة ضد من يزوّرها، أم بإعادة تعريف من يستحقها أصلًا في مشهد إعلامي تغيّر جذريًّا عن عام 1970؛ السنة التي صدر فيها قانون نقابة الصحفيين الذي يحمل الرقم 76 لسنة 1970؟
بعيدًا عن قرارات النقابة، ثمة سؤالٌ يطرح نفسه، "هو لسه حد بيقرأ جرايد؟!"، سأله صديقي مستنكرًا ونحن على الطريق وهو ينظر لبائع الصحف الذي يقفز بين العربات محاولًا بيع صحف، ما فجّر في رأسي طوفانًا من الأسئلة؛ إذا كان المشهدُ نفسه (مشهد التلقي، من يقرأ وأين وكيف) قد تغيّر إلى هذا الحد، فماذا عمن ينتج هذا المحتوى أصلًا.
حسب نشرة الإحصاءات الثقافية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024، هناك 65 صحيفة عامة بواقع صحيفة واحدة تقريبًا لكل 1.65 مليون نسمة، قياسًا بـالتعداد السكاني لنفس العام البالغ 107 ملايين نسمة تقريبًا، وتصل عدد النسخ الموزعة محليًا إلى 176 مليون نسخة سنويًّا.
هل ولّى زمان الصحف والنشر الورقي؟
قد يبدو هذا التراجع في الاستهلاك الورقي إجابةً كافيةً عن سؤال "من يقرأ"، لكنه في الحقيقة لا يجيب إلا عن نصف السؤال، والإجابة الكاملة تعتمد على كيفية تعريفنا للصحافة؛ فبينما تتراجع الصحافة المطبوعة، فإن "الصحافة" كمحتوى وتحقيق وتحليل واستعراض للحقائق تعيش عصرًا من أوسع عصور الانتشار والتأثير، لكن بعباءة جديدة.
يوضح تقرير الأخبار الرقمية السنوي الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة (Reuters Institute) بجامعة أكسفورد، كيف تعتمد الأجيال الشابة بشكل أساسي على منصات مثل يوتيوب وتيك توك، وإنستجرام مصادرَ أولية للأخبار.
كما أن الورق لم يمت تمامًا، بل يتجه ليصبح "منتجًا متخصصًا"، إذ تستخدم المؤسسات المنصات الرقمية للأخبار العاجلة والتفاعل اليومي، بينما تخصص النسخ المطبوعة (إن وجدت) للمقالات المطولة، والتحقيقات الاستقصائية، والتحليلات العميقة التي تتطلب قراءة متأنية.
ويشير تقرير توقعات اتجاهات الصحافة العالمية "2025-2026" الصادر عن الرابطة العالمية لناشري الأخبار (WAN-IFRA) إلى أن الصحف التي تمكنت من النجاة هي تلك التي طورت نموذجًا هجينًا، يركز على الاشتراكات الرقمية مدفوعة الأجر مع تقليص أيام الطباعة الورقية إلى عطلات نهاية الأسبوع أو الإصدارات الخاصة فقط. فإذا كان الثقل التحريري ينتقل فعليًّا إلى هذه المنصات الرقمية المستقلة، فمن يقف خلف إنتاج هذا المحتوى، وبأي صفة قانونية؟
من يُمنح الاعتراف؟
وفق الضوابط التي رسمها قانون رقم 76 لسنة 1970 ولائحة القيد بنقابة الصحفيين، لا يُمنح لقب "صحفي" أو كارنيه الانتساب للمهنة إلا للمشتغلين فعليًّا بالعمل الصحفي الحاصلين على مؤهلات عليا، والمقيدين بشكل رسمي في جداول النقابة (تحت التمرين أو المشتغلين) بعد اجتياز الدورات التدريبية واستيفاء شروط العقود والشمول المالي والانتظام بالمؤسسات الصحفية المعتمدة.
في المقابل، فإن من لا يستوفي هذه الشروط المهنية أو الأكاديمية، كحملة المؤهلات المتوسطة أو العاملين بالإدارات الفنية، لا تشملهم عضوية نقابة الصحفيين.
لكن ماذا يحدث حين تُمارس المهنة دون هذه الصفة. هنا تقدّم ورقة بحثية نشرها المرصد المصري للصحافة والإعلام (EOJM) في ديسمبر/كانون الثاني 2018 بعنوان "انتحال صفة صحفي.. تهمة تطارد الصحفيين غير النقابيين في مصر" إجابة موثقة بالوقائع القضائية.
تخلص الورقة إلى أن قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970، إلى جانب قانون تنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، يحصر تعريف "الصحفي" في عبارة واحدة؛ "كل عضو مقيد بجداول نقابة الصحفيين". وبما أن هذا التعريف صيغ قبل أكثر من نصف قرن، فهو لا يعترف بوجود "الصحافة الرقمية" ككيان موازٍ للصحافة المطبوعة، ما يضع بحسب تقدير الورقة آلاف العاملين في الصحافة الرقمية خارج أي مظلة قانونية، ويجعل تهمة "انتحال صفة صحفي" أداةً يمكن توجيهها إليهم في أي وقت.
والواقعة الأكثر دلالةً قانونيًّا، التي استند لها التقرير تحديدًا، هي قضية الصحفيين سعيد بريك وحمادة جعفر، لأن البلاغ الذي حرّك القضية تقدّم به نقيب الصحفيين نفسه حينها، عبد المحسن سلامة، ضد الاثنين بتهمة "انتحال صفة صحفي" والعمل دون قيد بجداول النقابة.
حُكم على الصحفيين ابتدائيًّا بالحبس أربعة أشهر (جنح الفيوم، القضية رقم 23223 لسنة 2017)، وأيدت محكمة الاستئناف الحكم. لكن محكمة النقض قضت في الطعن رقم 10437 لسنة 9 قضائية، بجلسة 17 سبتمبر 2018، ببراءة الصحفيَّين، مستندة إلى تفسير لافت للمادة 5/أ من قانون 76 لسنة 1970 فاشتراط القيد في النقابة، بحسب المحكمة، يسبقه شرط مفترض أسبق منه، وهو أن يكون طالب القيد أصلًا "صحفيًا محترفًا" يمارس العمل الصحفي فعليًّا؛ أي أن الممارسة تسبق القيد منطقيًا، لا العكس.
أرسى هذا الحكم سابقةً قضائيةً تجيز العمل الصحفي دون حيازة كارنيه النقابة، لكنها تبقى سابقة قضائية لا نصًا تشريعيًّا، ما يعني أن قوتها الإلزامية تظل أضعف من نص قانوني صريح يعدّل تعريف "الصحفي" في القانون نفسه.
كيف يمكن استيعاب العاملين في هذه المساحة الرمادية الواسعة بين الصحافة التقليدية والصحافة الرقمية وما موقعهم من الاعتراف القانوني
هذه المفارقة نفسها هي ما فجّر، قبل أسابيع قليلة فقط، أزمة عُرفت إعلاميًّا بـواقعة فتاة الأوبر. ظهرت الفتاة وهي تحمل بطاقة عضوية تُنسب إليها صفة مهنية مرتبطة بالإعلام، لتصدر نقابة الصحفيين بيانًا رسميًّا حمل توقيع سكرتيرها العام جمال عبد الرحيم، توضح فيه أن البطاقة صادرة عن "كيان وهمي" لا صلة له بالنقابة، وتقدمت ببلاغ للنائب العام يتهم القائمين على الكيان بجرائم انتحال صفة صحفي وإنشاء كيان وهمي والنصب (المادة 336 عقوبات)، مستندة إلى المادة 77 من الدستور التي تحصر تمثيل المهنة الواحدة في نقابة مهنية واحدة.
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ تضمَّن بيان نقابة الصحفيين إشارات فُهمت من جانب النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار على أنها اتهام ضمني لها بأنها هي الكيان "الوهمي"، وهي نقابة عمالية وليست مهنية تضم العاملين في مجالات الصحافة والطباعة والنشر وغيرها.
فعقدت النقابة العامة اجتماعًا عاجلًا لبحث الاتهامات، في مشهد كشف أن الالتباس بين "الصحفي" و"العامل بالصحافة" لم يعد مقتصرًا على الأفراد غير المقيدين، بل امتد إلى اشتباك مباشر بين مؤسستين نقابيتين.
عمالة رقمية بدون غطاء
اللافت أن المسمى الوظيفي المدوّن على البطاقة محل الجدل؛ "فني إدارة مواقع إلكترونية" لا يمت بصلة مباشرة لتعريف "الصحفي" في قانون 76 لسنة 1970، لكنه في الوقت نفسه مسمى وظيفي حقيقي يعمل به آلاف الأشخاص فعليًّا داخل صناعة الصحافة الرقمية اليوم.
"فني إدارة مواقع إلكترونية" ليس المسمى الوحيد الذي يقفُ في هذه المساحة الرمادية، فالمشهد الإعلامي المصري اليوم يشمل فئات أوسع بكثير لا تندرج أصلًا تحت مسمى "صحفي" ولو بمعناه الموسّع؛ من بينهم عاملون في صناعة المحتوى وكتاب ومصممون ورسامون، ومديرو المواقع والصفحات، والاستراتيجيون الرقميون. هؤلاء لا يمارسون عملًا صحفيًا بالمعنى الدقيق، لكن عملهم متصل بصناعة الصحافة والإعلام ويغذي المنظومة نفسها التي تحدثت عنها التقارير الدولية في مطلع هذا التقرير.
المفارقة أن الدولة المصرية تعترف بهذه الفئات، لكن من الزاوية الضريبية فقط، لا المهنية. ففي أغسطس 2026، حددت مصلحة الضرائب المصرية المعاملةَ الضريبيةَ لـ"نشاط صناعة المحتوى المرئي والمسموع والمقروء"، وألزمت العاملين فيه بالتسجيل الضريبي خلال 30 يومًا من بدء النشاط. إذًا لدينا تعريف رسميّ واضح ومفصّل لـ"من هو صانع المحتوى" حين يتعلق الأمر بتحصيل الضريبة على دخله، ولا نملك أي تعريف مقابل حين يتعلق الأمر بحقوقه العمالية أو غطائه النقابي أو حمايته المهنية.
تزداد هذه الفجوة وضوحًا حين تغيب البيانات الرسمية نفسها، فعلى عكس دقة نشرة الإحصاءات الثقافية، لا يصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أي بيانات رسمية تحصر عدد صناع المحتوى أو العاملين في الاقتصاد الإبداعي الرقمي في مصر كفئة مهنية مستقلة. هذا الفراغ الإحصائي انعكاس مباشر لغياب الاعتراف القانوني بالفئة أصلًا، فما لا يُعرف قانونيًّا، غالبًا لا يتم إحصاؤه.
سقف واحد يتَّسع؟
هل يمكننا تصور إطار واحد يستوعب هذا التنوع دون أن يمس تعريف "الصحفي" التقليدي أو يفرّغه من معناه؟ الإجابة نعم، إذا استندنا إلى تجارب مقارنة حديثة قد لا يلزم بالضرورة انتظار صدور قانون جديد، بل يكفي توسيع مدروس للبنية القانونية الموجودة أصلًا، فقانون نقابة الصحفيين يتضمن "جدول الصحفيين المنتسبين" (المادة 4)، المخصص لمن "يسهمون مباشرة في أعمال الصحافة" دون اشتراط احتراف المهنة كشرط أساسي.
هذا الجدول، الذي ظل هامشيًّا في التطبيق العملي لعقود، يوفر أساسًا قانونيًّا قائمًا يمكن البناء عليه بدلًا من المطالبة بتشريع جديد من الصفر، وهو ما يجعل أي مقترح إصلاحي في هذا الاتجاه أقرب إلى التحديث منه إلى إعادة البناء.
ليست مصر وحدها التي تواجه هذا السؤال، إذ يكشف استطلاع أجراه اتحاد الصحفيين الأوروبيين (EFJ) في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ونُشر في فبراير/آب 2026 شمل 26 نقابة ورابطة صحفية في 22 دولة أوروبية، انقسامًا شبه متساوٍ حول استيعاب صناع المحتوى الإخباري، فلا تزال تسع نقابات تناقش الأمر داخليًّا دون حسم، وترفض ثماني نقابات الفكرة كليًّا معتبرةً صناع المحتوى ليسوا صحفيين ولا عاملين إعلاميين بأي معنى، بينما تقبل ثماني نقابات أخرى استيعابهم بشروط محددة مثل ممارسة عمل صحفي فعلي، وإنتاج محتوى ذي أهمية للمصلحة العامة، وتحقيق دخل أساسي من النشاط الصحفي نفسه لا من نشاط تجاري موازٍ، إضافة للالتزام بمعايير أخلاقية واضحة.
الأهم من نسب الانقسام هذه هو النماذج التطبيقية التي أفرزتها بعض النقابات المتقبلة للفكرة. ففي الدنمارك، أنشأت نقابة الصحفيين الدنماركيين/DJ، وهي نقابة مستقلة، مجموعة للمؤثرين والمدونين داخل هيكل النقابة نفسه بمجلس إدارة خاص بها وميثاق أخلاقي مصمم خصيصًا لطبيعة عملهم (مختلف عن ميثاق الصحفيين التقليديين)، حيث يتضمن علامة بصرية معتمدة ومجلسًا مستقلًا للفصل في الشكاوى، وفق ما يوثقه تقرير شبكة الصحافة الأخلاقية (Ethical Journalism Network).
حال الاستفادة من النموذج الدنماركي، سيوفر هذا الاستيعاب غطاءً تنظيميًا وقانونيًا كان غائبًا تمامًا، ويضع مظلة حماية من تهم "انتحال الصفة"، ويتيح فرصة الاستفادة من الخبرات التحريرية والمواثيق المهنية المتراكمة لدى النقابة عبر عقود.
أما بالنسبة للنقابة والصحافة المصرية عمومًا، فيعني هذا الاستيعاب تحديث الجسم النقابي ليعكس واقع سوق الإعلام الفعلي بدلًا من صورته الثابتة منذ عام 1970، إضافة لنقل مهارات رقمية مثل تحليل الجمهور وإنتاج الفيديو القصير وتحسين محركات البحث إلى الصحفيين التقليديين عبر التعاون المباشر بين الفئتين، هذا إلى جانب توسيع قاعدة التمثيل النقابي بما يتناسب مع حجم من يعملون فعليًّا في المنظومة الصحفية والإعلامية الرقمية.
غير أن أي محاولة تطوير من هذا النوع تحمل تحديًا حقيقيًّا، وتحتاج معايير دخول واضحة ومحصّنة من التلاعب تمنع تكرار الإشكالية التي كشفتها واقعة "فتاة الأوبر" من أن يتحوّل أي قسم جديد داخل النقابة إلى بوابة موازية أخرى لـ"شراء الصفة" بدلًا من أن يكون إطارًا حقيقيًّا لتنظيم عمل قائم بالفعل. التجربة الأوروبية نفسها توضح أن النقابات التي نجحت في هذا الاستيعاب فعلت ذلك عبر معايير محددة بدقة (انتظام الإنتاج، المصلحة العامة، الالتزام الأخلاقي) لا عبر فتح الباب بلا ضوابط وربما هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تستفيد منه أي محاولة إصلاح مصرية مقبلة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


