رابطة الكيبورد
من السكة الحديد للمواقع الإلكترونية.. للعمل النقابي وجوه كثيرة
في يوليو/تموز من عام 1986، الذي شهد الإضراب الشهير لسائقي القطارات، كان لعمال السكة الحديد رابطةٌ للدفاع عن مصالحهم تحت اسم "رابطة سائقي ومساعدي السكة الحديد"، إلى جانب وجود نقابة تمثلهم وهي "النقابة العامة للعاملين بسكك حديد مصر"، ليجتمع تنظيمان في المرفق نفسه، كل منهما يسعى لتمثيل العمال والمطالبة بحقوقهم، وفق رؤيته، وربما أيضًا وفق مصالحه.
وحين شعر سائقو ومساعدو السكة الحديد أن النقابة لا تتبنى مطالبهم، وأبرزها حافز الكيلومتر الذي كان متجمدًا من فترة كبيرة حتى أصبح بدون قيمة، تحركت الرابطة بدايةً بمخاطبة المسؤولين من أجل رفع مطالب العمال، ثم توالت النداءات والمناشدات، مستهدفة لقاء وزير النقل الذي ماطل في الاستجابة، فما كان من الرابطة إلا أن نظمت إضرابًا عن العمل أدى لشل مرفق السكة الحديد في مصر.
رابطة تقود العمال
اعتصم السائقون ومساعدوهم في مقر الرابطة، الذي داهمته قوات الأمن فجرًا وألقت القبض على كل من فيه، وأنهت الإضراب بالقوة، قبل أن تقدم العمال للمحاكمة.
لكن هذه النهاية الدرامية للإضراب لم تحُل دون تلبية مطالبه، تفاديا لتجدد الاحتجاج، أما المفاجأة فكانت الحكم التاريخي ببراءة كافة العمال استنادًا للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي وقعت عليه مصر وأصبح ملزمًا لها، ومن وقتها أصبح الإضراب السلمي للدفاع عن المصالح الجماعية للعمال حقًا قانونيًّا، وأقرته قوانين العمل التالية، حتى وإن حاولت تقييده بشروط.
يهمنا هنا أن تطرح سؤال الشرعية، فعمال السكة الحديد كانوا منتظمين في نقابة أُسست وفقًا لقانون ينظم هيكلها التنظيمي ويُختار مجلس إدارتها بموجب انتخابات، فأصبحت هي الممثل الشرعي لكافة عمال السكة الحديد.
في الوقت نفسه أسس السائقون ومساعدوهم رابطة لتحسين أوضاعهم وتلبية بعض الخدمات لهم، والرابطة أيضًا سُجلت وفقًا للقانون في وزارة الشؤون الاجتماعية.
أي أننا أمام تنظيمين لكل منهما شرعيته ولكل منهما اختصاصه ونطاق عمله، وعندما حاول العمال الحصول على حقوقهم عبر النقابة ولم تسعفهم. تحركت الرابطة التي حازت ثقة قواعدها، وبات العمال يستجيبون لتوجيهها، فحازت بذلك الشرعية الأهم في المؤسسات التمثيلية.
أزمة نقابة الصحفيين
لا تشبه نقابة الصحفيين النقابة العامة للعاملين في سكك حديد مصر، فالأولى نقابة مهنية، والثانية نقابة عمالية، لكل منهما قانونها الخاص ونطاق عملها وقواعدها.
هذا إلى جانب أن نقابة الصحفيين تختلف أيضًا عن باقي النقابات المهنية؛ المهندسين والأطباء والمحامين والتجاريين وغيرها في أنها لا تضم الأعضاء بناءً على المؤهل الدراسي، إنما بناء على ممارسة المهنة بالفعل، سواء كان العضو خريج إعلام أو أقسام الصحافة أو حاصلًا على أي مؤهل جامعي آخر.
تبدو النقابة على هذا النحو أكثر مرونةً في ضم الأعضاء، ولكن شروط الانضمام لا تتسم بالمرونة نفسها، فالشرط الأول لعضوية النقابة أنه يستحقها بموجب عقد عمل قانوني ومؤمن عليه كصحفي في إحدى الصحف الصادرة بتصريح من المجلس الأعلى للإعلام. أي أن عضوية الصحفي تظل معلقةً بشرط لا دخل له فيه، وهو حصول جريدته على ترخيص.
يخرج هذا العمل النقابي بالكامل من أي ممارسة نقابية، فخضوع عضوية الصحفي لإرادة صاحب العمل الذي يملك قرار التعيين ينسحب بطبيعة الحال على طبيعة النقابة ودورها في تمثيل أعضائها لدى صاحب العمل؛ أي التفاوض باسم أعضائها والمطالبة باسمهم والدفاع عنهم.
هذا التشوه في شروط العضوية ينعكس في عدد أعضائها، فبحسب نشرة إحصاءات الخدمات الاجتماعية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لا يتجاوز عدد أعضاء نقابة الصحفيين 12 ألف عضو في 2024 فيما يبلغ عدد أعضاء نقابة المهندسين 800 ألف عضو، والأطباء 284 ألفًا والمحامين 380 ألف عضو، أما التجاريين فتصل الأعداد إلى 1.8 مليون عضو.
ورغم أنه من الطبيعي أن يكون عدد من يمارسون مهنة الصحافة أقل من باقي المهن، لكن المختلف هنا أن أرقام أعضاء نقابة الصحفيين على عكس كل النقابات لا تمثل عدد من يمارسون المهنة، فهناك الكثيرون المحرمون من عضويتها بسبب الشروط غير الموضوعية للالتحاق بها.
الأزمة واضحة؛ مظلة نقابة الصحفيين لا تغطي كل من يمارسون المهنة، وهؤلاء من حقهم المطالبة بمظلة حماية، سواء كانت نقابة أو غيرها.
والسؤال الذي قد يبدو محيرًا لمن يشاهدون الأزمة من بعيد؛ هل توسيع عضوية النقابة معضلة كبيرة، ماذا سيضير النقابة من ضم أعضاء جدد؟ إجابة هذا السؤال في شقين، الأول هو قانون النقابة الذي ينتمي أصلًا لعصر ما قبل المواقع الإلكترونية، ويجب تعديله بما يتناسب ومعطيات العصر، وبما ينهي أيضًا ولاية أصحاب العمل على عضوية النقابة.الشق الثاني هو الشق المالي، وهو بدل التكنولوجيا الذي تخصصه وزارة المالية للصحفي العضو بالنقابة شهريًّا، وهو ما يعني أن كل زيادة في العضوية تعني زيادة في أعباء الموازنة العامة، ما قد يؤدي لتعثر صرف البدل، وفي أفضل الأحوال تباطؤ زيادته حتى ينكمش بسبب موجات التضخم.
هكذا لا تبدو مشكلات توسيع عضوية نقابة الصحفيين ومد مظلتها لكل ممارسي المهنة بسيطة، وبعضها يرجع القرار فيه لجهات خارج النقابة أصلًا.
تنظيم أصحاب المصلحة
لكن لماذا يجب الانطلاق من النقطة البعيدة؛ من قانون النقابة وبدل التكنولوجيا، وهو أمر يناسب أكثر من يسعى لاستخدام قضايا الصحفيين خارج النقابة في معارك انتخابية أو صراعات بين قوى مختلفة. في رأيي الإجابة على سؤال تنظيم الصحفيين ممن لا تشملهم المظلة النقابية يجب أن تبدأ أولًا وقبل أي شيء من الصحفيين أنفسهم.
لا يقف شكل التنظيم النقابي عند هَيكل بعينه، فالأصل في العمل النقابي هو تجمع أصحاب المصلحة المشتركة في علاقة تكاملية يقسمون الأدوار بينهم، ويقوم كل منهم بدوره لتحقيق المصلحة الجماعية، بهذه البساطة التي فهمها وطبقها سائقو ومساعدو السكة الحديد، واستطاعوا بتجربتهم تحقيق مطالبهم بل وتغيير القانون. وهنا يجب أن نتوقف عند ملاحظة مهمة، هي أن إضراب السكة الحديد هو الذي غيَّر مواد القانون، وليس العكس.
على هذا القياس، فإن من حق صحفيي المواقع الإلكترونية، سواء نقابيين أو غير نقابيين، أن ينتظموا نقابيًّا في رابطة أو شعبة أو أسرة أو أي تجمع، ليس في مواجهة النقابة أو بالتوازي معها، بل فيها وعبرها ودعمًا لها عبر وجودهم ككتلة واضحة المعالم لها مصالح مشتركة، ولتكن هذه خطوة أولى لحل أزمة تتقاذفها الأيدي لتحقيق مصالح ضيقة من ورائها.
الحقيقة أن من يرى أن تنظيم صحفيي المواقع أو أي فئة أخرى إضعافٌ للنقابة لا يفهم طبيعة العمل النقابي، فأي توسع أفقي في النقابة عبر ضم قطاعات جديدة هو في حقيقته تقوية لها ولدورها وحماية لها، وإبعاد أي قطاع من ممارسي المهنة من عضوية النقابة خصم من محيطها الحيوي وفتح الطريق أمام بدائل تتسع للمبعدين لن تنتج سوى صراعات وأزمات.
إن تكوين أي شكل تنظيمي يضم صحفيي المواقع الإلكترونية، نقابيين وغير نقابيين، ضرورة لجمع أصحاب الصفة والمصلحة ليتمكنوا من الدفاع عن مصالحهم المشتركة، ولكي يتقدم لدعمهم ومساندتهم من يريد دعمهم ومساندتهم بحق وليس الاتجار بأزمتهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.