تصميم سيف الدين أحمد، المنصة
من اليمين: محمد عفيفي مطر، عبد الله البردوني، محمود درويش، أبو القاسم الشابي

بين السجن والقمع والمنفى.. هموم الشعراء العرب

منشور السبت 22 آب/أغسطس 2026

لم ينزل الشعر من السماء، ولم يندفع من باطن الأرض، إنما نبع من أحاسيس الشعراء وانفعالاتهم، وما فاض به وجدانهم. لذا فإن أي دراسة للشعر بمعزل عمن أنتجوه ينقصها شيء لا يستهان به. نعم يمكن إجراء دراسات جزئية ومجردة حول البنية الداخلية للنص، حال الانشغال التام بجماليات الشعر المحضة، لكن الصورة الكلية أو الكاملة عنه لا يمكن أن تُلتقط في استواء واكتمال ورواء بعيدًا عن تقصي حال الشعراء ومواقفهم.

فالشاعر حصيلة تجارب وأحداث ومواقف، تصبُّ في وعاء الشعر الساكن روحه، وعليه الاستفادة منها، والتعامل معها كمنحة ربانية، كما يقر بعض الشعراء في حديثهم عن الإلهام والإيحاء، أو أنها استغاثة من الناس الذين يريدون للشاعر أن يراهم، ويعبر، بطريقة أكثر عمقًا وديمومة ومجاوزة للتفاصيل الحياتية الآنية والخاصة، عن أشواقهم إلى حياة أفضل، أو أنها نداء لكل ما في الطبيعة من مناظر، جميلة أو قبيحة، ومن أحوال هانئة أو تعيسة، تجذب انتباه الشاعر، أو تثير أحاسيسه، فينفعل بها، ويعيد توصيفها وتشكيلها عبر اللغة.

غواية الحرية

ربما لهذا لم يجد روبرت ب. وارن، صعوبة في طرح علاقة ما بين الشعر والديمقراطية في الغرب، باعتبارها الشأن العام الأبرز هناك، فانطلق من أن الشعر بقدر ما هو سجل لمفهومنا عن تضاؤل الذات فهو في جانب منه "وثيقة اجتماعية"، يمكنها تشخيص اعتلال المجتمع الديمقراطي، ويحمل في الوقت نفسه علاجًا ما، دون أن تجور مهمته هذه على فنيته. فرغم الفوضى الذاتية للشاعر فإن القصيدة التي يبدعها، تركز في كثير من الأحيان وتجسد قضايا وصراعات بوسعها النفاذ إلى المحيط الاجتماعي، ويمكنها المساهمة في تغييره. 

بهذا يكون على الشاعر ألا يفقد الأمل في أن قصائده تُسهم في تغيير العالم أو المجتمع، حتى لو كان تغييرًا بطيئًا وغير مرئي، لا يرى الشاعر نتائجه.

الشاعر ليس بمقدوره الكتابة عن الأمكنة والعلاقات والقناعات دون انخراط شخصي

ويحكم الشاعر في هذا الموقف أمران، الأول قدرته على التعبير، فهناك من يضطربون ولا يعبرون جيدًا عن الاضطراب، وهناك من يخافون ولا يعبرون جيدًا عن الخوف، أما الشاعر فيستطيع ذلك، والسر الشعري هنا هو القدرة على التعبير عن التجارب العامة.

أما الثاني، أن الشاعر ليس بمقدوره الكتابة عن الأمكنة والعلاقات والقناعات دون انخراط شخصي، من زاوية أنه يوجد دائمًا في ما يكتبه عن الأشياء والأحوال شيء شخصي بغض النظر عن ارتباطه بالذات أو انفكاكه عنها، فالعلاقة بين المجالين تتفاعل بلا توقف.

وقد انشغل الشعراء العرب المعاصرون بما حولهم من أحداث ووقائع اجتماعية وسياسية، لم يكن هناك بد من الانشغال بها، بجانب تأملهم في مسائل وجودية وكونية، واستبطانهم لذواتهم المرهفة، وانجذاب بعضهم إلى أمثولات التاريخ ومقولاته، ليوظفوها على سبيل الاستعارة والمضاهاة والمداراة أو التحايل في إبداء آرائهم، شعرًا عبر القصائد، أو نثرًا من خلال المقالات والحوارات، في مواجهة واقع عربي كان يضغط على أعصابهم ضغطًا شديدًا.

قلوبٌ أنضجها الشعر

نجد الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي ينفعل كثيرًا بما يراه حوله من استضعاف الشعب واستكانته تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، فيقول "لقد أصبحت يائسًا من المشاريع التونسية، ناقمًا على التونسيين، لأني أراهم يقولون كثيرًا، ولا يعملون إلا قليلًا". ثم يتوجه إلى الشعب:

أيها الشعب ليتني كنت حطابًا .. فأهوي على الجذوع بفأسي

وتنفعل الشاعرة العراقية نازك الملائكة مع الأحداث السياسية في بلادها، فتقول "هزت كياني هزًا عنيفًا ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكنت أتفجر حماسة لتلك الثورة، ونظمت حولها القصائد المتحمسة التي لم أنشر منها أي شيء: فسرعان ما انتصر الحكم البوليسي، ونُصبت المشانق للأحرار، ولم يعد في العراق من يستطيع التنفس. ولكننا ـ أنا وأمي ـ استمررنا ننظم القصائد الثائرة سرًا، ونطويها في دفاترنا الحزينة". وعانى مواطنها بدر شاكر السياب من تصاريف السياسة، فبسبب يساريته فُصل من وظيفته كمعلم للغة الإنجليزية، ثم أُودع السجن، إلى أن أُجبر على الهروب من العراق.

كان البردوني يرى أن قضايا العصر سياسية بالضرورة، لأنها تدور حول قيمتين مهمتين بالنسبة للشعوب، وهما العدالة والحرية

وكان صلاح عبد الصبور، الذي تحدث عن شهوته إلى إصلاح العالم، منجذبًا إلى الهم العام منذ ديوانه الأول الناس في بلادي الذي رأى النور عام 1957؛ وظهر هذا جليًّا في قصيدته شنق زهران، وهو أحد فلاحي دنشواي الذين شنقهم المحتل الإنجليزي ظلمًا وعدوانًا. وجرب عبد الصبور التضييق بعد نشر قصيدته عودة ذي الوجه الكئيب، التي قيل إنه يقصد بها جمال عبد الناصر.

وشارك الشاعر اليمني عبد الله البردوني في الحركة الوطنية المناهضة للعهد الإمامي قبل قيام الثورة، وانعكس موقفه على جزء من ديوانه في طريق الفجر، الذي صدر عام 1959، وجاءت قصيدته "الحكم للشعب"، التي تعد بمنزلة بيان الثورة.

 وجاءت تداعيات الثورة 1962 لتنعكس على جزء آخر من ديوانه، وكذلك على ديوانه مدينة الغد، الذي حلم فيه بمدينة فاضلة.

وكان البردوني يرى أن قضايا العصر سياسية بالضرورة، لأنها تدور حول قيمتين مهمتين بالنسبة للشعوب، وهما العدالة والحرية، ولذا فهو كتب القصيدة السياسية، لكنها، حسب ما يقول، ليست معبرة عن وجهة نظر حزب ما، أو جماعة بعينها، وهي مقيدة باليمن مكانًا وحالةً وتاريخًا.

وعاش الشاعر السوداني محمد الفيتوري في بيئة سياسية مضطربة، مملوءة بالاحتجاجات والثورات والسخط والسأم والشكوى والأنين، في مختلف مناحي الحياة، فصار شاعر القضايا الكبرى بامتياز، إذ جعل من شعره صرخة احتجاج ضد الاستعمار الغربي لإفريقيا، معلنًا انحيازه للقارة السمراء دون مواربة، حيث تغنى بكل رموز الكفاح الإفريقي ضد الاستعمار فكتب قصائد في جمال عبد الناصر، وعمر المختار، وبين بيلا، وجميلة بوحيرد، ونكروما، ولومومبا.

كلفة الأحلام

وأدت السياسة إلى تشريد الشاعر الفلسطيني محمود درويش وغربته واعتقاله غير مرة من قبل السلطات الإسرائيلية منذ عام 1961 بسبب نشاطاته وأقواله السياسية، وقادته الظروف القاسية إلى التجول في بلاد الناس، حتى انتقل إلى بيروت، وظل فيها حتى عام 1982، ليخرج مرة أخرى بعد اجتياح إسرائيل لعاصمة لبنان الذي سجله في كتابه ذاكرة للنسيان، بعد أن عاش آخر خمس سنوات يعاني من آثار الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975. وانتقل درويش بعدها إلى دمشق، ليغادرها إلى تونس، حيث استقر المقام بقادة المقاومة الفلسطينية، وهنا يقول: "رأيت الثورة الفلسطينية تقيم في فندق على شاطئ بحر، وكان مشهدًا مؤلمًا جدًا".

مع محمود درويش-الصورة: من الأرشيف الشخصي للمصورة باولا كروشياني زوجة دينيس جونسون ديفيز - خاص المنصة

ويعتبر درويش نفسه أحد حراس الحلم الفلسطيني، الذي عليه أن يسهم في عدم إصابة العرب بالضجر حيال هذه القضية. وهو يرى موقفه هذا أمرًا عاديًّا، ليس لالتزامه كمواطن فلسطيني حيال شعب بلاده فحسب، لكن أيضًا لإدراكه طبيعة الشعر في منبته ومراميه: " أنا مثل أي شاعر في أي زمان، وفي أي مكان، ابن ظروفي التاريخية والاجتماعية، وطبعًا مسيرة حياتي الشخصية والعامة تترك آثارها الكبرى على انعكاساتها الفنية. تعبيري الفني هو انعكاس لهذه المسيرة".

وعانى الشاعر السوري محمد الماغوط من تجربة سجن قاسية في مطلع حياته، جراء انتمائه إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، فلازمه منها خوف بقية حياته، إذ كان يشعر دومًا بأنه مطارد، حتى مزق قصائد كثيرة من خوف مزمن، يعبر عنه قائلًا "ولدت مذعورًا، وسأموت مذعورًا. أنا مسكون بالذعر، وأي شيء يخيفني". ، ثم يشرح في تذكر مسكون بالوجع سبب ما انتابه من مخاوف، "في السجن انهارت كل الأشياء الجميلة أمامي، وسقطت جماليات الحياة، ولم يبق أمامي سوى الرعب والفزع فقط لا غير.. رأيت مستقبلي على نعل الشرطي، ومن خلال عرقه المتصبب فرحًا على ما يحدث من تعذيب.. السجن والسوط كانا معلميّ الأول، وجامعة العذاب الأبدية التي تخرجت منها، إنسانًا معذبًا خائفًا إلى الأبد.. كنت غاضبًا وجائعًا، أتحدث عن قمل السجن، والقدم الحجرية للسجان على قلبي، وعن التوابيت، وساحات الإعدام، وشفاه غليظة لرجال قساة".

 وجرب الماغوط حياة المنفى، لأنه كان مطلوبًا في دمشق، فهرب إلي لبنان سيرًا على القدمين. والشعر بالنسبة للماغوط هو "موقف من الحياة، وإحساس ينساب في سلوكنا" ومن هنا ينظر إلى الشعر على أنه "قضية أخلاقية، قبل كل شيء، لذلك لا يمكن أن يوجد شاعر عبر التاريخ معادٍ لقضية الإنسان." وهذا الموقف الأخلاقي يجعل الشعر خطرًا لديه، لأنه محرض وكاشف، والشاعر مستهدف، ووظيفته هي الدفاع عمن يؤمن به، وعن المستضعفين حوله، أو مما يجب أن يكون بينهم، ولذا فالعلاقة بين الشعراء والجمهور عنده تشبه "علاقة دب هائج بعش من الفراخ الأرضية. والشاعر الأصيل هو الذي يحمي هذه الفراخ من الأقدام العمياء".

واعتُقل الشاعر المصري محمد عفيفي مطر، بعد اتهام جزافي بالانتماء إلى خلية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وعومل في الحبس كما تعامل الحيوانات، على حد تعبيره. وقد تركت آثار التعذيب علامة ثابتة على عظمة أنف مطر، يقول عنها "يسعدني أن أذهب بها إلي القبر، كانت هي الصواب الوحيد في حياتي"، بل يرى أن ما أدخله المعتقل كان صوابًا، وأنه لم يكن في كامل حريته، وعين يقينه، في حياته كلها، مثلما كان في ظلمة الزنزانة، وأنه ليس ممن تجعلهم الهزائم والكوارث يرون الحق والحرية والكرامة في الفرار أو الرعب أمام القوة أو اليأس الذليل أمام الخسارات".