تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
صلاح عبد الصبور

صلاح عبد الصبور: تأملات حول خيانة المثقف ومحاكمته

منشور السبت 26 أيلول/سبتمبر 2026

مرت الذكرى الخامسة والأربعين لوفاة الشاعر صلاح عبد الصبور منتصف الشهر الماضي. ذكرى مؤلمة لشاعرٍ مات في الخمسين. ربما هذا العمر كاف لبلوغ مجد شاعر ونضجه، وأقل منه كذلك. هناك من مات في العشرينيات، وحقق نبوءة الشعر. ولكن موت صلاح في هذه السن كان علامة فارقة، لارتباطه بإحدى أهم قضايا المجتمع الثقافي في مصر وهي "خيانة المثقفين"، التي كانت سببًا في وفاته بجانب القضاء والقدر. أصبحت حكاية موت صلاح جزءًا من حكاية "المثقف المصري" التي تروى بأشكال عديدة داخل سياقات النميمة، أو البحث في أسس تكوين هذا المثقف.

كان عبد الصبور النديم لسأم سنوات الجامعة وخوائها الروحي. لغته الواضحة التي تشبه اليوميات، عادية أبطاله، حكمته الحزينة. كان وسيطًا بيني وبين عالم لا مرئي، ليس ببعيد، يقف ما وراء الواقع اليومي والنفسي المعاشين بتواضع شديد، وبدون أي تعقيد لغوي، ولكن بتركيب بلاغي نادر، على بساطته، كان يربطه بشاعر أغاني الكوخ محمود حسن إسماعيل.

فقد مُضاعف

موته كان مضاعفًا، لفقد النديم، وأيضًا لفداحة التهمة التي وُجّهت إليه ومات بسببها؛ أنه باع نفسه للسلطة بملاليم ولا أكثر، كما وصفه الفنان بهجت عثمان في تلك السهرة الشهيرة ليلة 14 أغسطس/آب 1981 احتفالًا بعيد ميلاد ابنة الشاعر عبد المعطي حجازي، وضمَّت زوجة صلاح عبد الصبور وابنتيه، بجانب الدكتور جابر عصفور، والشاعر أمل دنقل وزوجته الكاتبة عبلة الرويني، بالإضافة إلى بهجت عثمان رسام الكاريكاتير  زميل صلاح وحجازي سابقًا في مجلة روز اليوسف.

بعد عودة صلاح من عمله كمستشار ثقافي في الهند، ترأَّس الهيئة العامة للكتاب. وسمح، على عكس رغبته الداخلية، بمشاركة إسرائيل في معرض الكتاب للمرة الأولى عام 1981، بضغط من سلطة الدولة بعد توقيع معاهدة السلام. بعدها انهالت عليه الاتهامات، خاصة من مثقفي اليسار المصري، حتى جاءت هذه السهرة لتصل الاتهامات إلى صلاح وجها لوجه، من الفنان بهجت عثمان، أحد أصدقائه القدامي.

يروي د.جابر عصفور أحد شهود الواقعة، في شقة حجازي بمصر الجديدة، بالدور الخامس، والتي صعد إليها صلاح عبد الصبور دون مصعد، بعد سماعهم لقصيدة الأبنودي سوق العصر، مسجلة بصوته، ينتقد فيها تراجع المثقفين عن مواقفهم ومواقعهم المعلنة خلال عهد عبد الناصر، يكتب الأبنودي "بلا شعب بلا غيره، إن كان هو يقر / إحنا نقر"، "عقَّب صلاح بأن الشعب الذي يسكت عن سارقيه يستحق مايحدث له".

قصيدة سوق العصر بصوت كاتبها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي


لم يكد يفرغ من جملته حتى اندفع بهجت عثمان، الذي كان سكرانًا حسب رواية عبلة الرويني "صوت بهجت يعلو في لحظة سكر واضحة (إنت بِعت، وبعِت بمليم ياصلاح)".

يكمل جابر روايته للمشهد نفسه؛ اندفع بهجت عثمان منفعلًا، مدافعًا عن الشعب الذي كان صلاح يلومه على سكوته "وكيف يقر الشعب يا صلاح ومثقفوه خانوه وباعوه، باغتت الجملة صلاح، فسأل بهجت عن مقصده بالمثقفين، الذين باعوا، فاندفع بهجت في غلظة قائلا أقصد أمثالك ياصلاح، من الذين باعوا قضيتهم بملاليم".

ثم توالت الأحداث، من شعور عبد الصبور بإرهاق شديد، ثم ذهابه لمستشفى هيليوبوليس بصحبة جابر وحجازي، إلى دخوله غرفة العناية المركزة، ثم إعلان وفاته.

حوار نابليون وجوته

كنت أميل منذ تلك السن، وربما حتى الآن، لأن فكر المثقف والشاعر والروائي والفنان شيء استثنائي مثل الاختراع، يغفر، أو يخفف، من تأثير أي تنازل آخر ناتج عن ضغوط الحياة وعشوائيتها وانقلاباتها الجذرية. استشهدت وقتها بموقف لجوته الشاعر الألماني الكبير، لا أذكر أين قرأته، ولكنه لاقى هوى في نفسي كحجة.

سألت محرك البحث جوجل وشرحت له ضبابية هذا الموقف في ذاكرتي، فذكَّرني به: بينما أحداث الثورة الفرنسية الثانية التي هزت أوروبا يوليو 1830 مشتعلة؛ دخل أحد الكتاب على جوته وهو يبلغ الواحدة والثمانين مكتبه في فايمار، فوجده سعيدًا ومتحمسًا. ظن هذا الكاتب أن حماسه يرجع لهذه الثورة الشعبية التي أطاحت بالملك شارل العاشر وإقامة ملَكية دستورية. عكس ظن سائله، كانت سعادته بسبب هذا السجال العلمي في علم تشريح الأعضاء، بين عالمين فرنسيين في أكاديمية العلوم بباريس.

كان انتصار فكرة علمية، خاصة في علم التشريح، الذي كان يمارسه جوته، تُفسر سر الحياة والتكوين العضوي للبشر والحيوانات؛ أهم من أخبار الحروب، والثورات، وانتصارات أو هزائم نابليون، رغم الإعجاب المتبادل بينهما، والذي ظهر في لقائهما التاريخي عام 1808.

في كتابه لقاء تاريخي بين جوته ونابليون الذي جرى 1808 تقصى جوستاف سايبت كاتب سيرة جوته، ما طرأ على حياته من تحولات، فعند استيلاء جيش نابوليون على مدينته فايمار، حماه جنرالات جيشه، لأن مواقفه السياسية داخل بلاط فايمار كانت تؤيد إقامة علاقات ودية مع المنتصر، بدلًا من مواجهته.

جذور الخيانة الثقافية

مع الوقت ازداد موقفي تعقيدًا لتفسير معنى خيانة المثقف، بل معنى الخيانة بشكل عام. يصف إدوارد سعيد دور المثقف "كفرد يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة ما، أو تمثيل وجهة نظر ما، وتجسيدها والإفصاح عنها إلى مجتمع ما، وتمثيل ذلك باسم المجتمع". ربما خيانة صلاح، بالنسبة لبهجت، تأتي من كونه ممثلًا لمجتمع، بهجت أحد أعضائه، تمت خيانته، بقراره هذا.

خارج نطاق الأدب والفكر، يحضر مفهوم الخيانة في ثقافتنا، داخل أحواز قومية لها علاقة بالاستعمار، والجاسوسية، وأيضًا قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي. بجانب حضوره عبر الوصم الأبدي للطبقة البرجوازية الصغيرة المتذبذبة قيميًا، واقترابها، بحكم وضعها الطبقي، من خيانة مبادئها، مثل رءوف علوان في اللص والكلاب، ويوسف السويفي في الرجل الذي فقد ظله. لذلك فمفهوم الخيانة له جذر سياسي، قومي، أو ديني، يتنقل من الحيز القومي، إلى الحيز الطبقي، ثم إلى حيز الجماعة الثقافية. جميعها، باختلاف كتلتها، تحمل حق تمثيل الشعب والحكم باسمه.

غياب الضمير الأدبي

ربما هذا التمثيل المتطرف لمفهوم الخيانة، تبلور عند الفنان بهجت عثمان، وغيره من المثقفين، بسبب أحادية المعرفة وعدم تعدد مصادرها، واتجاهاتها، على عكس سياق الستينيات التحرري. أصبح مثقفو الثمانينيات يشعرون بالعجز واستحالة التغيير، فجاءت حدة الاتهامات والتطرف فيها، كرد فعل على يأس مرير.

وربما أيضًا الخيانة عَرَض ملازم للدور الثقافي، وليس مرتبطًا فقط بغياب الحرية، لأن هناك مرجعًا مثاليًا، ينظر إليه المثقف، فيكون شبح السقوط أحد الاحتمالات المطروحة في مسيرته .

في الثمانينيات غاب الضمير الأدبي، واجه مثقف هذه الحقبة لحظة هزيمة وخواء لدوره بأثر رجعي. تاهت المسافة النقدية بينه وبين والسلطة، تماهى معها، بل وأعاد انتاجها بصمته، وهو ما قيَّمه بهجت عثمان بالملاليم. أصبحت هناك مسافة بين الأفكار والواقع المعيش، أُعيد نسخها بين المثقف والأفكار، وبالتالي اتسعت الفجوة أكبر من أي يتحمل فرد، أيًّا كان، مسؤولية رتقها.

ربما يكون مثقف هذه الحقبة ضحية لبنية ثقافية تكاثر فيها الفساد السياسي والأدبي. وربما يكون بهجت عثمان، في هذه الحالة، مثقفًا ينوب عن آخرين ويقول كلمته، بدلًا من الصمت، أمام محكمة التاريخ المنعقدة في بيت حجازي.

ربما له الحق في تشخيص خوف صلاح وتناقضه، ولكن ليس له الحق في هذه المحاكمة الفردية، لأنها حالة عامة أكبر من أن ينوب فرد فيها ويصدر الحكم. لعب عثمان أكثر من دور على المستويين الفردي والجماعي، وفي أقصى حالات الكلام تطرفًا.

ربما كل هذه التقاطعات لم تمنح المصطلح فرصة التدقيق، وإعادة القراءة، ولم تُر مساحة التباينات داخل المصطلح نفسه، لذا استخدمه بهجت كسيف باتر، وليس كمحاولة لإعادة قراءة الواقع الثقافي من جديد وتصحيح مفاهيمه الموروثة، بعد العهد الناصري.

خيانات سارتر

ربما يمكننا توصيف تحولات صلاح عبد الصبور بالتناقض، بالخوف من بطش السلطة، وليس الخيانة. يكتب إدوارد سعيد عن سارتر ومواقفه السياسية شديدة التناقض، وهي كثيرة. "تناقضات سارتر جعلته مثقفًا من لحم ودم، وتكشف فيه عن ابن البشر غير المعصوم من الخطأ، لا عن واعظ أخلاقي كئيب".

فالمثقف نموذج غير ثابت، يخضع لتحولات، صعوبات ومغريات، كما يشير إدوارد سعيد، لأن الظروف تتغير، ومهمة المثقف ليست ثابتة، بل تزداد تعقيدًا، فليس هناك كتاب إرشادات يملي عليه مهمته، هي عبارة عن خبرة عملية واقعية تواجه التهديد المستمر من الحياة الحديثة نفسها".

ربما حبي لعبد الصبور، جعلني بدون سابق معرفة بالأدوار ومساراتها، لا أخلط الموقفين السياسي بالشخصي، ربما الأهم في مثل هذه القضايا معالجة المسارين منفصلين وليس كمسار واحد. فعلاقتي الشخصية بهذا الشاعر أعمق، كأنه بشعره تعرَّى أمامي وباح بسره، ولمست ضعفه وخوفه وتعاطفت معه. أما المسار الثاني فيخضع لبنية ثقافية واجتماعية وشعورية مختلفة، ليس لها هذا التمثيل العميق في النفس.

المثقف المتخصص

يصوغ إدوارد سعيد شكلًا جديدًا للمثقف، لا يغير من مثله العليا التي يدافع عنها كالحرية والعدالة ولا يقبل فيها حلًا وسطًا، أن يكون مثقفًا متخصصًا، كما يشير ميشيل فوكو، يجلس في مبحثه الخاص، بدلًا من نموذج المثقف العالمي. مثقف يتبحر في العلم ويعمل على الأرشيف وعلى الروايات المهجورة وفحص المصادر البديلة للسلطة، ونبش واستخراج الوثائق، وهو نشاط يتضمن الإحساس بالتمرد والصراع"، وبالتالي تشكل علاقته بالسلطة من جديد، من خلال قوته المعرفية/الندية التي توازي في لحظات كثيرة بطش السلطة، وربما قامت علاقة جوته مع نابوليون ضمن علاقة الندية هذه. واستغلال قدرة المرء على الكلام إلى أقصى حد.

وربما هذه الأدوات يفتقدها المثقف والواقع الثقافي المصري. لا يكفي عبد الصبور طرح مأزق المثقف برمزية الحلاج في مأساة الحلاج: التضحية بالموت، أو إلغاء الازدواج بالموت، وليس بتغيير الموقع، الصدام الانتحاري الذي كان يخشى منه صلاح مع سلطة السادات. ربما هناك مشكل نفسي ما في رؤية صلاح عبد الصبور.

أفكر في مشاعر بهجت عثمان في تلك الليلة. أشار جابر عصفور بأنه اعتذر عما قاله، ثم انصرف خارجًا بعد جمل صغيرة، منسحبًا من المكان كله. بينما كتبت عبلة الرويني بأن حجازي طرد بهجت من البيت. في كلا الموقفين، حمل بهجت ذنب ثقافة تخلط الأدوار. ربما هذا الانسحاب يشير لانسحاب هذا النوع من المحاكمات من حياتنا الثقافية، حيث اتخذ مفهوم الخيانة أقنعة جديدة.