جوائز الدولة.. هل حرقت الرداء العلمي لمدير مكتبة الإسكندرية؟
في حديثٍ مع صديقٍ مثقف عما جرى في جوائز الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية هذا العام، همس لي سائلًا:
- أتعرف ما هو سر قوة الدكتور أحمد زايد؟
أجبته على الفور:
- هو أستاذ اجتماع قدير، معروف عربيًا، مؤلفاته بالعشرات، وترجماته مهمة جدًا، وهو الآن مدير مكتبة الإسكندرية، وهي مؤسسة ثقافية كبرى، وهو من أبرز المصوتين لمنح الجوائز.
رفت على شفتيه ابتسامة، وقال:
- لا، ليس هذا ما أقصد، إنما القوة النافذة، التي لها في بلادنا مسالك أخرى.
سألته:
- ما هي؟
ملأ عينيه من وجهي ليتبين عدم إدراكي لما يصفه بالسر، ثم قال:
- كان ملحقًا ثقافيًا في سفارتنا بالرياض وقت أن كان الرئيس عبد الفتاح السيسي ملحقًا عسكريًا بها.
لم تكن هذه المعلومة جديدة عليَّ، لكن لم أربط بينها وبين "جوائز الدولة"، فقلت:
- لا يحتاج الأمر إلى كل هذا، فمكتبة الإسكندرية أيًا كان اسم مديرها تابعة لرئيس الجمهورية مباشرة، ولم يقل أحد، حتى الآن، إن الرئاسة تتدخل مباشرة في منح هذه الجوائز، ولو حدث لما ظلّ هذا سرًا، فلا أسرار تبقى طويلًا في مصر، كما أن دكتور زايد لم يكتب عن هذا الموضوع من أيام وجوده بسفارتنا في الرياض في أي من مقالاته، ولم ينطق به في تعليق له، ولم أسمعه يحدِّث به أحدًا.
قهقه، وقال:
- أين ستسمع، وأنت لا تدعى إلى ندوات مكتبة الإسكندرية ومؤتمراتها وورشها منذ أحد عشر عامًا، كما أعرف؟
بادلته الضحك، هذه المرة، وقلت له:
- أحسب أن الرجل يودني ويحترمني، ولم أر أو أسمع منه ما يسيء إليَّ في أي يوم من الأيام، لكن ربما تكون عدم دعوتي مفروضة عليه، كما كان في عهد سلفه دكتور مصطفى الفقي، فالمكان عمومًا يضيق بآراء أمثالي، بينما كان يتسع لها أيام دكتور إسماعيل سراج الدين، ولا تنسى أن الظروف قد تغيرت، والسلطان على الرأي والكلام قد صار شديدًا.
طوح يده في الهواء، وقال:
- لك وجه لا يسبب حرجًا لأحد، فأنت أديب، لك ثلاثون عملًا ما بين روايات ومجموعات قصصية ودواوين شعر وكتب في النقد الأدبي والثقافي، والمكتبة طالما ناقشت روايات ومسرحيات وقصصًا وأشعارًا، وصال وجال بها نقاد الأدب.
قلت له في حسم:
- لست بحاجة إلى هذا، على أي حال، وأعذر القائمين على العمل الثقافي الرسمي، وأدرك أن به ملكيّين أكثر من الملك، وكاثوليكيين أكثر من البابا، ويتسبب هؤلاء في إلحاق بعض الأذى بأي مثقف مستقل أو معارض.
ثم أعدته إلى ما وصفه بالسر، وسألته:
- هل هناك من قال إن دكتور زايد، وقت أن رشح البعض لنيل الجوائز، ووقت التصويت عليها، قد أتى على ذكر علاقته برئيس الجمهورية؟
أجاب باسمًا:
- أنت أوعى من أن تطرح هذا السؤال، وهو أذكى وأحرص من أن يتحدث مباشرة، لكن البقية تعرف، وتراعي في الترشيح والتصويت ذلك.
قلت له:
- لا أعتقد.
هز رأسه، وواصل:
- لا تنسى سلطان الإيهام والمُدرك والمسكوت عنه، وكيف يمكن لعالم اجتماع أن يوظفه، ولذا فإن كثيرًا من الانتقادات التي طالت الجوائز هذا العام انصرفت إلى دكتور أحمد زايد، أكثر من غيره.
كان بعض مهاجمي الدكتور زايد بسبب جوائز الدولة لهم الحق في أن يغضبوا لكسر الشروط، لكن بعضهم يزعم لنفسه جدارة لا يستحقها
تذكرت واقعة تخص الجوائز، وقلت له:
- قبل سنوات شاركت دكتور زايد مناقشة كتاب الشاعر فتحي عبد السميع القربان البديل، الذي وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، ولأن الكتاب كان مهمًا وأبدع صاحبه طريقة جديدة في بحث ظاهرة اجتماعية هي "الثأر في صعيد مصر"، وحسبته من أهم كتب الاجتماع وقت صدوره، فقد طلبت من دكتور زايد بوصفه رئيس لجنة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالمجلس الأعلى للثقافة، أن يمنح جائزة الدولة التشجيعية للكتاب، إن لم يتقدم إليها ما هو أفضل منه، وقد حدث هذا بالفعل، وحمدت للدكتور زايد فعله، لأنه أنصف من يستحق الإنصاف.
كان محدثي يعلم قيمة كتاب "القربان البديل"، فقال:
- هذا أمر مقدَّر، لكن أغلب الأمور فيما بعد لم تسر على هذا المنوال غالبًا، لا سيما بعد تولي دكتور زايد إدارة مكتبة الإسكندرية، التي لها حق الترشيح لجوائز العلوم الإنسانية، ولمديرها حق التصويت، وله سلطة التأثير على كثيرين.
قلت له:
- في الحقيقة فإن كان بعض مهاجمي دكتور زايد بسبب جوائز الدولة لهم الحق في أن يغضبوا لكسر الشروط، لكن بعضهم يزعم لنفسه جدارة لا يستحقها، ولو فاز بالجائزة، لقال في الرجل العكس تمامًا.
ثم تذكرت دراسة للدكتور زايد بعنوان "الأطر الثقافية الحاكمة لسلوك المصريين واختياراتهم: دراسة لقيم النزاهة والشفافية والفساد"، فأشرت إليه، وقلت:
- ما يثار عن بعض جوائز الدولة هذه المرة يضع نتائج هذا البحث في مساءلة.
نظرة موضوعية
انتهى حديث صاحبي إليَّ، ونهضنا والأسئلة شوك يوخز رأسي، وأولها: لماذا لم يخرج دكتور زايد ليرد على منتقديه؟ وهل يمكنه، وهو رجل حاز جوائز مهمة يستحقها عن جدارة، على رأسها جائزة النيل في العلوم الاجتماعية وجائزة سلطان العويس في الدراسات الإنسانية والمستقبلية، ألا ينتبه لضرورة أن تذهب الجوائز إلى من يستحقها، وأن غير ذلك فيه إهانة للعلم والدولة معا؟
دكتور أحمد زايد رجل لين العريكة، عفَّ اللسان، ضعيف أمام أصدقائه وأساتذته وتلاميذه ومن يعولون عليه، لكنه باحث كبير درس البناء السياسي في ريف مصر، وهو أصل سكانها، خلال أطروحته للدكتوراه "التفاعل الاجتماعي بين جماعات الصفوة القديمة والجديدة في الريف المصري: تحليل تاريخي ودراسة ميدانية" ولا يخفى عليه ما يبديه البعض من تحايل أو تزلف أو مداراة كي يقتنصوا ما ليس لهم.
لم نر دكتور زايد في أي يوم، وهو عالم الاجتماع السياسي، بين الناس في الشارع في تقلبات أحواله من المتسائل والمتفاعل إلى المحتج والمتشاكل، لكننا رأيناه باحثًا يتواصل عطاؤه الغزير في سبيل البحث عن الحقيقة كما يقضي العلم. ولأن الحقيقة ثورية بطبعها، فقد كنت من بين الذين يحسبونه دومًا على أولئك الذين يرومون التقدم لمجتمعنا، بالعلم والمعرفة، وكان هذا يكفيه في نظري، ولم أنصت كثيرًا إلى من يتهمونه بأنه قد تحول إلى مثقف أداتي وأن معرفته العميقة بالمجتمع قد انصرفت إلى ما يساعد السلطة السياسية على أن تقبض على زمام الأمور، أكثر من مساعدتها الناس على التحرر، وتحصيل العدل والكفاية، وقلت لمن حدثني بهذا ذات يوم:
- ربما أدرك أن إفادة البلاد تقتضي وجود صاحبها في دائرة صناعة القرار، وقد أفلح البعض في هذا المسار، ولنا في علي مبارك عظة وعبرة، وهو نفسه قال مرة "ربما نساعد في الإصلاح إن بقينا على يمين السلطة".
الدولة أوسع من السلطة، ولذا لا يجب أن تقتصر جوائز الدولة على تابعيها، أو الملحقين بها
لم نطلع على ما قدمه الرجل من استشارات لأهل القرار، كي نحكم على فعله هنا، ولمن تتجه الإفادة به، لكنني أعتب على دكتور زايد بعض رؤاه في السنوات الأخيرة والتي نقرأها في صحيفة الأهرام، فهو يعرف قبل غيره أنها إن وضعت في مقياس العلم الذي يملكه هو بالطبع، فلن تستقر، وأتوقف أيضًا عند ما حدث أخيرًا، ولا نعتبره كل مناط الحكم عليه، لكنه ليس بالقليل على أي حال، لو كنا منصفين أو غيورين على الصالح العام.
فرجل بفهم دكتور أحمد زايد ووعيه يعرف جيدًا أنها جوائز الدولة، وليست جوائز السلطة، وأنها ممولة من الميزانية العامة، أي مال الشعب، الذي يجب التصرف فيه بنزاهة القضاة العدول، وتجرد النساك الزاهدين، كما يعرف أن لهذه الجوائز شروطًا، يجب الالتزام بها، وأن التحايل على هذا لا يمكن أن يأتي من العلماء الثقات، وأن الدولة أوسع من السلطة، ولذا لا يجب أن تقتصر جوائز الدولة على تابعيها، أو الملحقين بها.
سيف الحياء
أعرف أن دكتور زايد رجل وفيّ، وهو "صاحب صاحبه" كما يقال في التوصيف الشعبي الرائج، لكن هذا الوفاء، وهو قيمة نبيلة، يرده الأوفياء عن طيب خاطر مما في أيديهم، وليس ما في يد غيرهم، يد الشعب صاحب المال، وللرجل من المكانة والمكان، ما يتيح له في يسر مجاملة من يشعر حيالهم بامتنان أو غبطة أو محبة، بعيدًا عن جوائز الدولة الأربع (التشجيعية ـ التفوق ـ التقديرية ـ النيل) لأن أي خرق لقواعدها، وتحلل من شروطها، وخروج على تقاليدها، يلحق بها ضررًا بالغًا، وإن كان هذا قد حدث على يد آخرين فيما سبق، فمن واجب عالم اجتماع كبير، محسوب في بلادنا على كبار مثقفيها، أن يوقفه، بل يتصدى لكل من يحاول الانحراف بهذه الجوائز عن مسارها السليم، وطريقها المستقيم.
في النهاية، يذهب الجاه، وتزول المناصب، ويبقى للعالم علمه، وللكاتب نصه
يمكن للدكتور زايد أن يقول "أنا مجرد واحد من كثيرين لهم حق التصويت" أو أن "ما يحدث في جوائز الدولة مما يثير الاعتراض سابق عليّ"، لكنه هنا سيجد من يسأله عن أسماء من رشحتهم المكتبة لهذه الجوائز منذ توليه إدارتها، ومن يحدثه عن تأثيره المستمد من قيمته العلمية، ومنصبه الإداري والثقافي البارز الذي يمكنه من التنفيع والترفيع، علاوة على سلطان الإيهام الذي أتى صاحبي على الإشارة إليه، وكذلك آلية منح الجوائز، التي كان صديقنا الشاعر سعد عبد الرحمن، يفسرها على أنها تخضع لمعادلة فيزيائية، حيث يميل المصوتون عليها إلى رأي صاحب الثقل الأكبر، أو تخضع لمنطق أرفينج ليستر جانيس في كتابه فكر العصبة .. دراسات نفسية للقرارات المتعلقة بالسياسات والإخفاقات وفسر فيه كيف تميل المجموعة التي تتخذ القرار إلى مراعاة النافذين فيها، وكيف أدى هذا إلى إلحاق فشل ذريع بقرارات وسياسات خارجية أمريكية على مدار التاريخ المعاصر.
للدكتور أحمد زايد ضمن دراساته الغزيرة المهمة كتاب بعنوان خطاب الحياة اليومية في مصر، ومن له هذا المؤلَّف لن يخفى عليه أن دوره في منح جوائز الدولة بات من الخطاب اليومي السائد للمثقفين الآن، ومن الحصافة والكياسة ألا يُقدم مستقبلًا على ما ينال من صورته كعالم اجتماع كبير، وألا يُستلب حيال من يجذبونه إلى دائرة عليه الفرار منها، وألا يسمح لنار التجاوز والتقول والنميمة والإحن أن تحرق رداءه العلمي، ففي النهاية، يذهب الجاه، وتزول المناصب، ويبقى للعالم علمه، وللكاتب نصه، ولن يتوقف الناس أبدًا، وهذا حقهم، عن مضاهاة الأقوال بالأفعال، والمسطور بالمفعول.

