تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
رواية حياة، ليست عن الموت بل عن التذكرة

اسمها حياة

الرقصة الأخيرة

منشور الاثنين 3 آب/أغسطس 2026

يستحق العمل الأدبي وصف "الكبير" أو المهم، إذا ما قُرئ على عدة أصعدة، وأحيا عاطفة الإنسان وذاكرته وفكره وخاطب ذائقته الجمالية، وأظن أني وجدت ضالتي المنشودة في رواية أحمد صبري أبو الفتوح اسمها حياة، الصادرة مؤخرًا عن دار الشروق في 264 صفحة.

أول ما يلفتني في العمل الأدبي هو اللغة، فهي الإطار الذي يصاغ فيه جوهره. وفي رواية "اسمها حياة"، نجد اللغة تتدفق، لا تستوقفك تعثرًا، ولا تلفظك ركاكة، بل تنسال في انسيابية، وفصاحة، وبساطة. كحكايات الجدات المحكمة، تسمع صوت اللغة هادئة رغم انضباط إيقاعها، فلا هي سريعة تلهث معها، ولا هي بطيئة تفقدك الشغف. تبتسم لك الحروف في أحلك اللحظات مخففة ألم بطل يقضي أيامه الأخيرة في بيت والديه بقريته التي نشأ فيها.

التحدي الأصعب 

الكاتب الذي  أثرى المكتبة العربية بملحمة السراسوة من خمسة أجزاء، وأجندة سيد الأهل، ومراد العارف، وغيرها، اعتمد مدرسة تيار الوعي ليجوب بنا داخل حديث البطل، ثم الخطوب التي تحيط به، لتأتي "حياة" من قلب آلامها تتآزر معه خالقة بهجة من قلب التجارب الجريحة. اختيار مدرسة تيار الوعي فيه مغامرةً كبرى، لأنه قد يسبب للقارئ اختلاطًا في الأحداث. إلا أن صبري أبو الفتوح تمكن من الإمساك بلجام هذه المدرسة الخادعة، وقيادتها بأستاذية، بنقلات لطيفة خفية. أقول مدرسة خادعة لأنها توهم كاتبها بالسهولة، لكنها في كثير من الأحيان تصطدم بنفور القارئ بسبب ما قد تسببه من ارتباك. 

استخدم أبو الفتوح هذه المدرسة مراكمًا بناءً سرديًا متصاعدًا يبني مع كل إغماءة جديدة خطوة نحو المزيد من سبر أغوار الشخصية وتاريخها وحاضرها ومستقبلها المبتور بمرض سرطان الكبد، وطيف أمل يلوح يخلط المرارة بالحب والتمني.

ظل الأخ الأكبر مفضلًا عند والده رغم أنه خذله بعدم انصياعه للالتحاق بكلية الزراعة

الرواية تجربة شعورية وأدبية وفكرية جديرة بأن تعاش. وهنا لا أسعى لتلخيصها بل للإشارة إلى ذكاء الكاتب في اختياراته، بدءًا من اللغة، والبناء، مرورًا باختيار صوت الراوي. 

اختار الكاتب ضمير المتكلم لرواية الأحداث، لنرى العالم والألم والصلات من خلال عقله الذي يتأهب لاستقبال الموت تحت وطأة الألم والوهن واليأس الباحث عن أمل وسط ظلام الموت المحدق.

هذه قصة يمكن أن تلخص في القرى بـ"البت حياة راحت ضحكت على الراجل المستشار العجوز وهو بيموت واتجوزته عشان تاخد معاشه، وأهي عايشة هانم أهي، الله يرحمه". جملة بسيطة تتردد كثيرًا في أوساط فقيرة أو ريفية، بنيت عليها رواية تحمل عدة أوجه والكثير من المستويات.

غلاف رواية اسمها حياة لأحمد صبري أبو الفتوح

يعرض علينا اختيار ضمير المتكلم في رواية هذه التجربة المستوى الإنساني ويتساءل: كيف يرى الإنسان نفسه ومن حوله؟ إذا ما أنصتنا إلى سيادة المستشار وهو يروي قصته، وذكرياته مع أخيه الذي هو عدو البطل. في الثلث الأول من الرواية، قد يقطب القارئ جبينه وهو يرى البطل يصور نفسه مثاليًا قام بكل ما تمليه عليه الأخوة، لا يحاول تفسير مسلك أخيه الحانق نحوه. لا يراه إلا بذرة شيطانية، ترد الجميل بالإساءة، والطيبة بالشر المطلق، يلقي باللوم على "الجماعة" الدينية التي انضم إليها فأفسدت خلقه وفطرته. 

لكنك كلما أمعنت في القراءة، وجدت الكاتب يضع على لسان البطل، بخفة ورقة، الذرائع التي تفسر سلوك الأخ "الشرير". فهو ليس شريرًا شرًا مطلقًا؛ نقرأ في عبارات إدانته جرحه الخفي، وشعوره الدائم بأنه ثانوي في الأسرة، وعاش حياته تابعًا للأخ الأكبر.

هذا الأخ الأكبر ظل المفضل عند والده رغم أنه خذله بعدم انصياعه للالتحاق بكلية الزراعة كما أراد الأب، ودخوله كلية الحقوق، ومع ذلك لم يلقَ التوبيخ الذي اعتاده الأخ الأصغر لهفوات أقل من ذلك.

يحاول الأخ الأصغر تحقيق أمل أبيه بدخول كلية الزراعة، لكنه لا يراه، فهو دائم التطلع لابنه الأكبر، تتعلق عيناه به، مشيحًا ببصره عن الصغير. لم يتوقف كشف النفس عند ذلك، بل تجد بين ثنايا الذكريات إشارة إلى مرض الأب ووهن صحته عند ميلاد ابنه الثاني، الأمر الذي حال دون منحه الحب والاهتمام الذي منحهما لابنه الأكبر، وتكتشف بلطف أن الأب لم يكن يفضل الأكبر، بل كان يعتمد عليه ليكون أبًا بديلًا لذاك الابن الذي عطب حظه فولد في فترة مرض أبيه. 

نرى من بين ثنايا الكلمات كل شيء كأننا نطالع بواطن البواطن بأشعة تخترق الضمير

التقط الابن الأكبر الخيط من والده وانصاع لدوره المرسوم، إلا أن الصغير فسر ذلك برغبته في السيطرة عليه وقيادته وإلغاء إرادته. فلفظ ما رآه تقليلًا من شأنه، ولاذ بالجماعة الدينية ليشعر بقيمته كمتفوق على أخيه الذي فضلته الأسرة؛ "هذا الذي ترونه أفضل مني، أنا سوف أدخل الجنة وهو سيدخل النار". لم يقل ذلك صراحةً في نص الرواية، لكن هذا ما كان ينكشف لنا مع كل جملة جديدة. 

كيف صنعت الرواية؟

تأملتُ كثيرًا في سؤال "كيف كتبت هذه الرواية؟" كيف أتقن أحمد صبري أبو الفتوح صياغة أفكار البطل على لسانه، بما يشي ظاهرًا بانحيازات الإنسان لنفسه، لكننا نرى من بين ثنايا الكلمات كل شيء كأننا نطالع بواطن البواطن بأشعة تخترق الضمير.

انتقل الكاتب، بأشعته التي تخترق الضمير، من قصة "البت اللي ضحكت على الراجل العجوز"، إلى اختبار ما قدمته هذه "البت" من جمال وأمل وعناية ورحمة وعطف لرجل لفظته الدنيا، وتهاوت قواه، ولم يعد يلقى في أعين الناس سوى الشفقة، فأراد ممتنًا أن يكافئها على ما بذلته له بأن يضمن لها ولأولادها حياة تستحقها. امرأة في شرخ الشباب تفقد زوجها لمرض السرطان، فتختارها أخته لتعيش التجربة القاسية مرة أخرى وهي تُمرِّض أخاها. فتزهر لطفًا وتقف بينه وبين شبح الموت مضيئة بابتسامتها مخففة رحلة الانتظار. هذا ما لا يرويه الناس في أروقة نميمتهم حين يعاينون قصة مشابهة. 

كلنا ينتظر الموت

على المستوى الفلسفي، يطرح العمل سؤال "كيف يجتاز الإنسان موته المحقق؟" نحن أمام بطل أخبره الطبيب بأنه لن يمكث في دنيا الأحياء أكثر من ستة أشهر، وهذا بحد أقصى، وقد يلقى الله قبل ذلك. هو الآن إنسان يقف وجهًا لوجه أمام شبح الموت الذي رآه عيانًا، يطارده حتى وهو في وسائل المواصلات، لنتذكر "أليس كل ابن آدم ميت؟ ما الفارق بين رجل أخبره الطبيب بأنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر وبين صحيح سليم لا يعلم إن كان سيحيا الدقيقة القادمة؟".

يمكن أن نطلق على هذه الرواية "رقصة الناصري الأخيرة" على المستوى السياسي

كيف يواجه الإنسان الحقيقة الوحيدة في حياته؟ لم يكن الكاتب هنا بصدد الإجابة بقدر ما كان يقدم اقتراحات تبدو حزينة. حين وقف البطل وأنفه يحتك بالموت، أخذ يلهو. لا يمكن لإنسان أن يعيش وهو ينتظر الموت في كل لحظة وإن كان يعلم بقدومه لا محالة. كان يلهو برؤية جمال جديد لم يره من قبل، يلهو بالذكرى، يلهو مع الأطفال ومع الأقارب؛ صارع، وتشاجر، وأبلغ السلطات عن أخيه الذي تعرض بالعنف لزوجته، وغضب وسامح وأحب وكره. كلها حيل لينسى الطارق الواقف على بابه يوشك أن يصطحبه إلى المجهول. 

رقصة الناصري الأخيرة

يمكن أن نطلق على هذه الرواية "رقصة الناصري الأخيرة" على المستوى السياسي. جيل استفاد بقوانين الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، وأحلام الأمة الناصرية، يذوي ويذبل، ويرغب في أن يروي حكايته للأجيال القادمة في ظل مناخ يعادي حلمه الذي نشأ عليه، بل وانتقل به من سلسال يعملون أنفارًا في الوسية إلى مستشار كبير في القضاء. وهو إذ يقرظ عبد الناصر وإذابة الفروق بين الطبقات، يسأل نفسه سؤالًا يبعث على الحرج في النفس: هل كان سيرى في حياته جمالًا ويميل قلبه إلى فتاة بسيطة لو أنه كان في عنفوانه وكامل زخرفه كمستشار صحيح البدن. هذا المستشار الذي تزوج من فتاة تنتمي إلى طبقة اجتماعية أعلى ليرتقي، فلم تتأقلم مع حياته وهجرته هو وابنتها. 

يروي قصص عائلته وأجداده الذين عانوا الأمرين وهم يعملون أنفارًا في الوسية، ثم نهوض أبيه وحماسته لعبد الناصر بعد قانون الإصلاح الزراعي، ثم انخراطه هو في المنظومة الطبقية الجديدة، ثم أخيرًا ارتداده لأصوله الريفية المتمثلة في حياة وهو على أبواب الوداع، لديه قصة يرويها، وصوت يريد أن يعلو وسط ضجيج ساخر من عبد الناصر وهزائمه وحنجوريته.   

رواية تسكنك بعد أن تطوي صفحاتها، فتعيش معها ومع البطل الذي تمني نفسك معه بأن تأتي المعجزة لتنقذه من المحتوم. هي ليست رواية عن الموت، بل عن التذكرة.