تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
أثر السجون لا يقتصر بمن خلف جدرانها بل يمتد أثره للصغار خارجها

"يا رب السجن يموت".. أحلام أبناء المساجين في الجمهورية الجديدة

منشور الأحد 6 أيلول/سبتمبر 2026

"يارب السجن يموت"؛ يكرر الطفل نوح هذه الدعاء في ساحة انتظار سجن طرة تحقيق، بينما ينتظر دوره في زيارة والده، لتجيب عليه والدته: "على أيامنا كانت دعواتنا يا رب المدرسة تتهد".

يرد الطفل الذي بالكاد بلغَ العاشرة من عمره؛ "وقتها هيدرسوا أونلاين.. لكن السجن مش هينفع أونلاين"، لتتدخل الطفلة يمنى توأمه قائلة: "لا.. ممكن يقعدوا بابا في البيت قصاد كاميرا طول الوقت"، ليعقب نوح: "يعني ممكن يهرب لما الكهربا تقطع"، لترد الأخت: "إحنا ممكن نهرّب بابا من هنا"، ومضيا يناقشان حيل الهروب الممكنة، مستندين إلى أفلام الكارتون كمرجع أساسي.

منذ أعوام، شاركتُ بالاستماع في محادثةِ هذه الأسرة التي تعرفت عليها عن قرب خلال مرات انتظار دوري في زيارة أخي نزيل هذا السجن هو الآخر، وبعدها بخمس سنوات خرج والدهم، وحصل الطفلان اللذان وصلا لمرحلة الدراسة الجامعية، وأبوهما في السجن، على منح دراسية لاستكمال دراستهما في ألمانيا.

الآن تتلخص أحلام يمنى ونوح في الحصول على جنسية إضافية على أمل حمايتهما من السجن في مصر إذا فكرا في زيارتها، أما العودة للحياة في بلدهما فباتت بالنسبة لهما كابوسًا يجب ألا يتحقق.

سجن الأمل

قصة هذا التوأم ليست استثناءً، بل تتكرر على مدار أكثر من 10 سنوات سألتُ الأطفال في ساحات انتظار سجون مختلفة عن أحلامهم، التي  تتلخص في خروج ذويهم من السجن والسفر خارج البلاد. وعندما أناقشهم لا أجد لديهم أفكارًا حقيقية تحمل عداءً لبلدهم، هم فقط يخافون السجن، ووعيهم الطفولي يرى البلد والسجن شيئًا واحدًا.

حتى ابني الذي ظننتُ أني اجتهدت حتى لا يؤثر عليه سجن خاله "إللي ملوش فيها"، ويربك علاقته ببلده، أدركتُ فشلي ونحن نتناقش في اختيار دراسته الجامعية وتركيزه على اختيار مجال يسمح له بالسفر سريعًا والحصول على جنسية أخرى، حتى قالها لي قاطعةً: "لن أنجب أطفال قبل أن أضمن لهم جنسية أخرى غير المصرية حتى إذا تعرض أحدهم للسجن في مصر وجد سفارة تدافع عنه".

في لحظةٍ تحوّل الأملُ في عين ابني من فعل حياة إلى عنوان زنزانة

يتحدث ابني كأن السجن محطة طبيعية يمكن لأي شخص المرور بها في حياته طالما يعيش في مصر. الفتى الذي درس ضمن منهج المدرسة الأجنبي قصة حياة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وجاء ليسألني: لماذا لم يجرب الشباب بعد يناير تنظيم صفوفهم مثلما فعل أوباما ويتقدموا في ساحات السياسة ويحكموا مصر، هل لم يكن لديكم أمل؟ رددت عليه وقتها: ليكن لديك أنت وأصحابك ولتحققوا ما فشلنا فيه.

بعد أيام من هذا الحوار كان يجلس بجواري في ساحة انتظار سجن طرة ليزور خاله، وتزامنت الزيارة مع وصول نزلاء جدد للسجن عرفت قضيتهم إعلاميًا بخلية الأمل. تردد المسمى أكثر من مرة أثناء ساعات انتظارنا، وعندما التقينا أخي قال "خلية الأمل بقت معانا هنا في السجن".

نظارة السجن

لا يعرف ابني أي تفاصيل عن القضية، لكن المسمى لفت انتباهه، فقال: يعني خلية الأمل محبوسة في نفس السجن مع ابن الأمل، في إشارة إلى اسم جدته والدة خاله المسجون، لماذا لا يسمونه بسجن الأمل؟

في لحظةٍ تحوّل الأمل في عين ابني من فعل حياة إلى عنوان زنزانة، لهذا لم أندهش عندما تلخصت أحلامه في الهرب من بلاده التي يراها تحيط الأمل بأسلاك شائكة وأسوار مكهربة.    

متى  أعيش في السجن؟

إن تمنى ابني أن يلحق بالتوأم يمنى ونوح في السفر للخارج، فإن أمنية الطفل "كريم"، كما سمعتها منه خلال إحدى زيارات السجون، أقسى وأكثر دلالة.

يريد الابن ذو العشر سنوات إتمام دراسته ثم الانتقال لاستكمال حياته في السجن مثل والده، فهو يعرف الزنزانة باعتبارها بيت أبيه ومقر عمله والمستقر الطبيعي لكل رجل.

منذ ولادته، لم ير كريم أباه إلا سجينًا. ولم تجد والدته ما تقوله لابنها إلا أن السجن هي بيت وعمل أبيه، وأنه إذا "سمع الكلام" ستكون المكافأة التي يحصل عليها هي اصطحابه في زيارة لوالده.

وبينما تهدد الأمهات أبناءهن بشرطة الأطفال مستعيناتٍ بالتسجيلات التي تمثل دور الضابط الذي سوف يصحبهم إلى السجن، كانت والدة كريم تطالبه بإنهاء فروضه الدراسية في ساحة انتظار الزيارة، فانفعل عليها وتساءل: إمتى أكبر وأخلص المدرسة وأعيش مع بابا في السجن؟

تمنع بعض الأسر أطفالها عن زيارات السجون لكن الأغلبية تصحبهم حتى تظل هناك علاقة بينهم وبين ذويهم في الزنازين

لا توجد في مصر إحصاءات رسمية بأعداد السجناء، لكن يتوفر رقم شبه رسمي صرح به سنة 2021 رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، وقتها، ضياء رشوان، بأن عدد السجناء عمومًا 120 ألف سجين. وبالطبع لا تتوفر أي تقديرات لأعداد الأطفال الذين يسجن أحد والديهم، فضلًا عن أعداد الأطفال المعرضين للتأثر بسجن أحد أقاربهم، ما بين أبناء الإخوة، وأبناء العمومة، وأطفال جيران ارتبطوا بالشخص المسجون.

لكن بالنظر إلى أرقام دول أخرى تتيح حرية تداول بياناتها يلاحظ أن أعداد الأطفال المتأثرين تفوق دائمًا أعداد المسجونين في البلاد. مثلًا في إنجلترا وويلز يوجد نحو 87 ألف سجين، ويصل عدد أبنائهم لـ193 ألف طفل، وفي هولندا نحو 10 آلاف مسجون يرتبط بهم 24 ألف طفل، وفي بعض الدول تكون نسب الأطفال أقل، مثل النرويج التي لديها 3359 سجينًا و3900 أبناء سجناء.

وفي حين تمنعُ بعض الأسر أطفالها من زيارات السجون، فإن أكثريةً من بينهم تصحبهم حتى تظل هناك علاقة بينهم وبين ذويهم في الزنازين. يعني هذا أن الطفل سيخوض مغامرة تبدأ بالاستيقاظ مبكرًا وقطع رحلة قد تمتد لساعات سفر طويلة؛ إن كان سجينه في سجن خارج محافظته، ثم عليه تحمل مدة تصل إلى 6 ساعات في انتظار دوره، ثم عليه أن يمر مثله مثل الكبار بكل إجراءات التفتيش ويعيش كل تفاصيل معاناة الزيارة، ثم يقطع رحلة العودة إلى البيت التي تبدأ عادة بنوبات بكاء، لأن أحد أفراد أسرته يرفض ترك السجن والعودة معه إلى المنزل الذي سوف يصله ليجلس مثل أهله الذين صاحبوه في الزيارة لا يقوون على الحركة نتيجة الإجهاد الجسدي والنفسي.

افتتاح سجن وادي النطرون في أكتوبر 2021

لا تترك الدول التي ذكرتها أطفالَ المساجين دون ضمان رعاية خاصة لهم، إنما تكلف لهم أخصائيين اجتماعيين ونفسيين لمتابعتهم ودعمهم في التعافي من أي آثار سلبية تمتد إليهم بسبب سجن أحد ذويهم.

كما تعتمد السجون إجراءات مختلفة في زيارات الأطفال، مثلًا يتوفر أخصائي اجتماعي يلتقي الطفل قبل الزيارة ويراجع معه تفاصيل اليوم التي سوف يمر بها ثم يصحبه فيها، وتوجد غرف خاصة لانتظار الأطفال مجهزة بكتب وألعاب ومشرفي رعاية، وقاعات خاصة للقاء ذويهم المسجونين تختلف عن قاعات الكبار، وتمنع تمامًا إجراءات التفتيش الجسدي للأطفال.

تحاولُ السلطة إيصالَ رسالةٍ للطفل بأنها تعاقب المخطئ، لكنها لا تعاديه هو ولا تحمله تبعات ذنب لم يرتكبه. لتتجسد الدولة في وعي الطفل شبيهةً بصورة الأم التي ترعى أطفالها، تعاقبهم عند الخطأ وتكافئهم على فعل الصواب، ولا تأخذ أحدًا بذنب الآخر، والنتيجة المنتظرة أن يتعمق انتماء الطفل ويبحث عن تحقيق أحلامه في بلده لا الهرب منها، وبالمقابل تضمن البلاد ألا تخسر طاقات بشرية تساعد في البناء، وتحمي أمنها بتجنب احتمال توريث الجريمة.

من أجل المستقبل

في مصر يكرر المسؤولون يوميًّا أحاديث عن الجمهورية الجديدة التي علينا تحمل أعباء بنائها حتى ينعم أبناؤنا في خيراتها، فهل هناك تصور لمستقبل 120 ألف طفل، على أقل تقدير، كان أول ما عرفوه عن هذا المصطلح هو السجون الجديدة التي أصبح اسمها مراكز إصلاح وتأهيل؟

من باب حتى الحفاظ على أمن الجمهورية الجديدة، الذي هو أولوية، وفق تصريحات المسؤولين، ورغم تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي من قبل بأن هناك حالات سجنت ظلمًا، وبافتراض أن لدينا 120 ألف مذنب في السجون، بما فيهم أخي الذي تدينه المحكمة بكونه مذنبًا بالنية، فما الذي يضمن في الوضع الراهن ألا يورثوا ذنوبهم لأبنائهم وكل دوائر الأطفال التي يؤثرون فيها من أهل وجيران؟

لا يعني ذلك افتراض أن كل طفل سُجن ذووه معرض لأن يكون مذنبًا جديدًا، لكن يعني أن دراسات علم نفس الجريمة تضعه سببًا محتملًا للانحراف السلوكي، فما الذي يضمن ألا يكون من بين عشرات الآلاف طفل واحد يقرر تكرار ذنب والده باعتباره قدوته في الحياة وصاحب الرواية الوحيدة عن سبب سجنه؟

بعض الجرائم تكون واضحة، ويمكن للطفل إدراكها عن طريق المدرسة أو الكارتون، مثل جرائم النفس والسرقة، وهناك احتمال لأن يعرف الطفل أن والدته مسجونة لأنها ارتكبت جريمةً بإجماع العالم حتى وإن حاولت هي تصويرها له باعتبارها بطولة. لكن هناك مساجين على خلفية قضايا رأي، المتهم فيها مارس حقه في التعبير، لكنه في أوراق القضايا متهم بنشر أخبار كاذبة وتهديد الأمن والسلم المجتمعي.

وفق المحاكم، هم مذنبون، فماذا نفعل حتى نضمن أن الجمهورية الجديدة لا تضم مذنبين جددًا يظنون أنهم يعبرون عن آرائهم، حسب ما أفهمه لهم أهليهم بينما هم بالنسبة للدولة يهددون السلم المجتمعي والأمن القومي وينجبون أطفالًا جددًا يكون دعاء طفولتهم "يا رب السجن يموت"؟