مصر من الاستاد
مشاهدات مختلفة لاحتفالية تكريم المنتخب
- عملت ايه في تغطية احتفال المنتخب يا جاسر؟
سألني الزملاء في المنصة بحماس عن مشاهداتي في الاحتفالية التي ذهبت لتغطيتها في ستاد القاهرة مساء يوم الاثنين. نظر الجميع إليّ. رمقوني بنظرة أعرفها جيدًا. بعد ثلاث ثوانٍ من الصمت، أعطيهم إجابةً بدت في ظاهرها مربكة.
- شفت مصر، ببساطتها وتناقضاتها، وصراعتها الطبقية والاجتماعية، وأمالها الكبيرة وأزماتها الأكبر.
هل تلاحقني السياسة أينما ذهبت؟
"المحطة القادمة محطة الاستاد.. سيتم فتح الأبواب جهة اليسار"؛ يعلن الصوت المسجل بمترو الأنفاق أننا على وشك الوصول لمحطة الاستاد. أذكّر نفسي بكلام الزميلين دينا سمك وشاهر عيّاد في اجتماعنا المصغر، قبيل تحركي لوجهتي.
"لست ذاهبًا لتترصد كل سقطة ولا لتمجد كل ميزة، الزم الموضوعية يا جاسر"؛ قال الزميلان في نفس واحد، ودعاني شاهر لقراءة معايشة أعدها عام 2011 خلال وجوده في دمشق إبان الثورة السورية.
لوحة كلاسيكية وعبث أصيل
بعد ساعة وربع الساعة من ذلك الحديث، كنت تجاوزت محطة مترو الاستاد نحو أقرب بوابات ستاد القاهرة الدولي. قطعت المسافة القصيرة في دقائق، رأيتُ خلالها الحشود وهي تصب في اتجاه واحد؛ احتفالية تكريم منتخب مصر لكرة القدم لوصوله إلى دور الـ16 في بطولة كأس العالم لأول مرة.
بدت الحشود مبتهجة ومتعطشة للقاء أبطال المنتخب وكأنه جاءهم بكأس العالم.
مئات الأشخاص يعبرون الطريق تعلو وجوههم السعادة والحماس، بينما صوت "بيب بيب مصر" يشكّل الفضاء العام، والأعلام في الأيدي وعلى الأكتاف تتطاير مع نسمات هواء خفيفة جاءت رحمةً بهذه الحشود من قيظ يوليو.
الآباء يحاذون على عائلاتهم، والأطفال يجرون في مرح بقمصان المنتخب، ومجموعات من الشباب يتوقفون كل بضع خطوات لالتقاط صورة أو سيلفي. حتى رجال المرور الذين تكاد تتحجر وجوههم عادةً بنظرة حنق كانوا مبتسمين، يوجهون الحشد نحو مصبه الأخير، ويجيبون على أسئلة الجماهير، مندمجين في صخب اللوحة المصرية الكلاسيكية.
كان كل شيء أخف مما اعتدت رؤيته في التجمعات الكبيرة. لم ألحظ ذلك النوع من العصبية الذي يسبق المباريات، ولا المشادات التي تنشأ عادة عند البوابات. كان الناس، ببساطة، أجمعوا على أن يكونوا سعداء.
لن يعكنن عليهم شيء في هذا المساء، حتى التعنت غير المبرر الذي قاسيته أنا وغيري من أجل شراء التذكرة، وإجبارنا قبل ساعات على الذهاب إلى أحد فروع "تذكرتي" لطباعة نسخة ورقية منها بعدما اكتشفنا أن النسخة الإلكترونية وحدها لا تكفي للدخول، لأن الجمهورية الجديدة على ما يبدو لا تقرأ كود التذكرة على التليفون، ولا بد أن يكون مطبوعًا على ورقة أحملها في يدي.
لكن هذا العبث المصري الأصيل الذي عكر مزاجي تحوّل تفصيلةً صغيرة سرعان ما تلاشت من عقلي بمجرد دخولي المدرجات، التي جاوزتُ الكثير والكثير من البوابات لأصل إليها.
جلستُ أراقب الناس وقد انتشرت بينهم روح خفيفة مُعدية. اللون الأحمر يصبغ زوايا الاستاد الشاسع، بينما تصدح الموسيقى الوطنية، وتردد الجماهير "زي كل مرة أجيلك" و"يا أغلى اسم في الوجود".
في تلك اللحظة بدأ البث المباشر للاحتفالية على القنوات الفضائية، حلقت فوق الملعب كاميرات الدرونز تنقل المشهد من أعلى، وعلى الأرض دارت الكاميرات تلتقط روح الاحتفالية بصورة أقرب من المدرجات.
لا مفر من قيم الأسرة المصرية
جلستْ إلى جواري فتاة ترتدي قميص المنتخب تغني لمصر "يا مصر بتعمليها إزاي؟" وتصفق بحماس، قبل أن يتوقف أمامها أحد أفراد الأمن التابعين لـ"الشركة الإفريقية للأمن والحراسة"، وهي شركة حراسة خاصة تُدار بواسطة لواءات سابقين بوزارة الداخلية والقوات المسلحة، وترتبط بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الرسمية.
لم أسمع بداية الحديث فمكبرات الصوت أعلى من أن تسمح بوصول كل الكلمات، لكن آذاني التقطت ما يكفي لفهم ما يحدث؛ أشار فرد الأمن إلى قميصها الذي ربطته كاشفةً جزءًا من بطنها، وقال في هدوء "إحنا في مكان عام. مينفعش. عيب". نظرت إليه الفتاة في حيرة، ثم هزت رأسها مستنكرة طلبَه. كرر الرجل كلامه بلهجة أقل هدوءًا لكنها ظلت تناقشه، بينما أخذت ملامحه تزداد حدة.
بعد لحظات، استدعى اثنين من رجال المباحث الموجودين في المدرج، وقف الثلاثة يتجادلون مع الفتاة. كانت تستمع، ثم ترد بهزة رأس نافية. استمر الحوار بضع دقائق، قبل أن يغادر فرد الأمن ورجال المباحث ووجوههم محتقنة. عادت الفتاة إلى مقعدها، لكن شيئًا بقي معلقًا في الهواء.
ظل أفراد الأمن يلتفتون إليها بين الحين والآخر. أحد رجال المباحث الذي وقف على بعد خطوات مني قال لزميله وهو يهز رأسه "إيه الاستهبال وقلة الأدب والمقاوحة دي؟". مرت 20 دقيقة والاحتفالية مستمرة، الموسيقى تعلو، الجمهور يصفق، ونظرات أفراد الأمن كما هي مثبتة نحو الفتاة، التي على ما يبدو أصيبت بالضيق فقررت سحب قميص المنتخب إلى أسفل، وغطت خصرها وأسندت ظهرها إلى المقعد، وتوقفت عن ترديد الأغاني.
بعد عشر دقائق وأمام أنظار رجل الأمن نفسه، مرت امرأة ترتدي قميصًا يكشف بطنها، متوجهة نحو البوابة الخاصة بالمنظمين، لم يوقفها أحد أو يطلب منها تعديل ملابسها. اكتفى فرد الأمن بتوسعة الطريق وفتح البوابة لها.
في هذه اللحظة كان البث المباشر يعرض صورة الاستاد من كاميرا درون. اختلط النشيد الوطني بهتافات الجماهير وأصوات المعلقين. إلى جواري استعد أحد المذيعين لإجراء مقابلات مباشرة من وسط المدرجات، حينها ارتفع صوت مشجعين يتجادلان حول أداء المنتخب في إحدى مبارياته في كأس العالم.
نظر إليهما المذيع للحظات، قد بدا أنه يحاول تقدير مدى تأثير الموقف على اللقطة. أخيرًا جمع فريقه، وانتقل إلى مكان آخر، وقد قرر تجنب عرض الجدال الحامي على الشاشة.
مصر مِنْ بعد إيجبت
في منتصف الملعب، استقر قميص منتخب مصر ليغطي معظم أرضيته، بينما راحت الشاشة العملاقة تعرض صور اللاعبين. مع كل صورة، كانت المدرجات تعلن رأيها بصوت واحد؛ تصفيق حار لمحمد صلاح، استقبال دافئ لحسام حسن، صافرات استهجان عند ظهور عمر مرموش، ثم هتافات متواصلة لزيكو. لم يحتج الجمهور إلى مقدم حفل يخبره متى يصفق ومتى يصمت، فقد تولى بنفسه توزيع التحية والرفض.
ثم انفجرت الألعاب النارية، وارتفعت آلاف الهواتف فوق الرؤوس استعدادًا لتسجيل البداية. وما إن أعلن المذيع انطلاق الاحتفال حتى اتجهت الأنظار إلى أحد مداخل المضمار.
خرج باص المنتخب ببطء، دار حول التراك دورة كاملة، مارًا أمام كل مدرج. الهتافات تتحرك معه؛ تخفت في الجهة التي يغادرها، ثم ترتفع من جديد كلما اقترب من المدرج التالي.
كأن الجماهير تستقبل اللاعبين للمرة الأولى على أرض الوطن في صورة نقيضة لاستقبال المنتخب منذ بضعة أيام حين شقَّ الباص الطرق في مدينة العلمين، محاطًا برمال الصحراء ومرصودًا بشمسها الحارقة. استقبال أثار جدلًا واسعًا دفع شخصًا ما في مكانٍ ما لتحضير هذه الاحتفالية احتواءً للجدل.
بعد دقائق، دخل الفنان تامر حسني بالطريقة نفسها. لم يتجه إلى المسرح مباشرةً، دار حول الملعب وهو يغني، فيما كانت الكاميرات تلاحقه، وتلاحقه معها عشرات الآلاف من كاميرات الهواتف.
وسط أعلام مصر، رفرفت عشرات من أعلام فلسطين. هذه المرة تحركت الرايات بحريّةٍ في أيدي شباب وأطفال والآباء. لم تكن أعلامًا في أيدي حشود جمعتها أجهزة السلطة في ميدان أو أمام بوابة في سيناء لغرضٍ في نفسها، إنما حضرت مصر وفلسطين بعفوية وحب في قلوب المصريين وأيديهم.
اللافت أن كاميرات الاحتفالية لم تتجنب علم فلسطين، بل طاردته شاشات الاستاد وكاميرات البث المباشر، رغم أنه نفس العلم الذي رفعته جماهير النادي الأهلي في استاد برج العرب في 2024، وهتفوا تضامنًا مع غزة، فقبضت الشرطة على 250 منهم.
وهو العلم نفسه الذي تلقى عدد من بائعيه في 2021 خلال حرب غزة، تعليمات من قطاع الأمن الوطني، بالكف عن تلقي طلبات تصنيعه وبيعه، وحققت نيابة العامة في الوقت نفسه مع ثلاثة أصدقاء بتهمة "حرق العلم الصهيوني"، وهي تهمة غير موجودة في قانون العقوبات المصري.
صراع أجهزة
خارج الاستاد، خضعت بوابات الدخول لأفراد شركة "تذكرتي"، التابعة للشركة المتحدة، التابعة بدورها للمخابرات العامة، أما داخل الاستاد فسيطر أفراد "الأفريقية" على الممرات والبوابات، بينما انتشر رجال المباحث بين الجماهير.
هكذا توزعت الأدوار الأمنية بين الجهات المختلفة؛ غير أن بوابةً صفراء حديديةً تفصل المدرجات عن المضمار المحيط بالملعب كانت على ما يبدو محل خلاف بين الأجهزة الثلاثة، إذ نشبت خلافات حول من يمر من هذه البوابة ومن له السلطة.
يمنح رجال المباحث تصاريح مرور يرفضها أفراد أمن الإفريقية، ويُثور جدل يبدو دائمًا على وشك التصاعد قبل أن يهدأ وكأنه لم يكن؛ في إحدى المرات أصرَّ رجل مباحث على السماح لأحد الأشخاص بالمرور، لكن أفراد "الإفريقية" تمسكوا بالرفض. استمر الجدل لدقائق، قبل أن ينتهي كما بدأ، من دون أن يعبر الرجل.
بعد قليل، حاول فريق فني تابع لقناة أون سبورت المرور من البوابة نفسها أكثر من مرة، وهو ما قوبل بالرفض في كل محاولة. بعدها غاب أفراد من الإفريقية عن المشهد، ثم عادوا وتبادلوا الهمسات مع آخرين، وسمحوا للفريق بالعبور بعد "تفاهمات" جرت، على ما يبدو، خلف الكواليس.
انتهت الاحتفالية بسلام، بدأت الجماهير في الانسحاب، وعلامات النعاس بادية على بعضهم، وبالأخص الأطفال.
أما أنا فظللت طوال طريق عودتي، أتساءل: هي السياسة مش ناوية تحلّ عني بقى؟ لا أجد إجابة، كل تفصيلة تحمل بعدًا سياسيًّا وترتبط بالهم العام. ظللت أفكر أيضًا: يا ترى هقول ايه لدينا وشاهر عن إللي شفته في الاستاد. هداني تفكيري لأن أجيب بأني رأيت مصر.





