الطريق للمونديال لا يمر بمدارس الأحد
بقعتان لطختا وجه مونديال 2026، وستلازمان ذكراه للأبد؛ أولاهما العنصرية والمعاملة التمييزية ضد منتخبات وأشخاص بسبب اللون أو العرق. الثانية الفساد غير المستتر، ومن قبل بدايته، وبوقاحة جسدتها وقائع كثيرة، متجاوزةً شبهات الصفقات والفساد التقليدية التي لاحقت الفيفا ورؤساءها طيلة عقود. ليصل الفساد الوقح هذه المرة لـ إلغاء بطاقة طرد حمراء بناءً على مكالمة تليفونية من ترامب.
العنصرية والفساد، كسمتين أساسيتين لهذا المونديال، جعلتاه تعبيرًا صادقًا عن طبيعة الزمن الحالي وصعود قوى اليمين والفاشية في العالم كله. قُوى دائمًا ما احتفظت بصلات وثيقة بكل أنواع الفساد، وإن اعتادت إخفاء طبيعتها وراء خطابات دينية وأخلاقية محافظة وتافهة. العنصر الجديد في زمننا هو الوقاحة، وغياب الحاجة للتزين أو التخفي. إنه ما يجسده ترامب ونتنياهو وحاكم الأرجنتين ميلاي رموزًا عالمية لمزيج العنصرية بالفساد.
في هذا السياق العام، أصبحت مباراة مصر والأرجنتين، وقبلها أداء المنتخب المصري، وبعدها عودته لمصر واستقباله، صدمتنا/مفاجأتنا الأولى في لقاء العالم كرويًا، وأحد دلائل العنصرية المقترنة بالفساد. دون أن تنجو الصدمة/المفاجأة من لمسات إضافية متعلقة بأسئلة التمييز الديني/الطائفي، والطبقي، وكراهية السلطة المصرية لشعبها، وخوفها منه، ومن ثم صناعتها لشعب بديل على مزاجها، تأمن له، يستقبل المنتخب في الصحراء المعبرة رمزيًا وشعريًّا عن غياب البلد والشعب وموتهما. وهو بدوره تعبير عن فساد سياسي سلطوي.
الخروج إلى العالم
ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين عَبَّر صراحةً عن طبيعة مرحلتنا، سواء في أداء الحكم الفرنسي، أو في قرار غير معلن بألا يعوق أحدٌ مسار الأرجنتين في المونديال وصولًا للنهائيات؛ سطوة شبكات الفساد المالي والسياسي، وامتيازات الشركات الكبرى الداعمة والممولة، وحقوق البث، وما يحركه النجوم، ميسي على سبيل المثال، من أنهار أموال وأرباح لأفراد قلائل بمجرد ظهوره.
اتهمت أصوات إسرائيلية المنتخب المصري بالطائفية لخلوه من المسيحيين
بالإمكان قراءة المشهد من زاوية "أين ستذهب يا صعلوك بين الملوك"، وأن منتخبنا الفقير، الخالي من النجوم فيما عدا شخص واحد، لا مكان له في نظام يحابي الأغنياء والأقوياء. نظام كروي وعالمي مبني من أساسه لخدمتهم وضمان سيطرتهم للأبد، امتداد لنظام الانتخاب الطبقي والعنصري والطائفي التقليدي الذي يجدد ويطور نفسه كل فترة، الذي يمنح أبناء الأغنياء من أعراق وطبقات وأديان محددة سلم الصعود منذ الصغر، عبر أنظمة تعليم، ثم أنظمة توظيف خاصة بهم، وعلاقات اجتماعية تضمن لهم وراثة السلطتين المالية والسياسية.
لكنْ هناك جانبان إضافيان لهذه القراءة انطرحا نتيجة الحضور المختلف للمنتخب هذه المرة. الجانب الأول تشكيلته نفسها، وخلوه من المسيحيين. والجانب الثاني ظهر بعد المباراة الأخيرة، نتيجة الشعور العميق بالظلم وعدم التقدير، تمثل في ردود فعل لم تخل من تعبيرات عنصرية مضادة، ضد اليهود وأصحاب البشرة البيضاء. مصحوبة بدعاوى بأن الأرجنتين بلدٌ عنصريٌ بطبيعته. فتُبنى تصورات عن "ذاتنا" المغلوبة، التي يضطهدها ويلاحقها العالم.
العنصرية والطائفية والطبقية أنظمة سلوك وسياسة متداخلة عادة. حين تبرز إحداها تقف الأخرى في الخلفية، دون أن تختفي تمامًا. ودائمًا ما يصاحبها الفساد المالي والسياسي بمعناه الأشمل؛ تمييز فئة/فئات مجتمعية بامتيازات ومكاسب لا تنالها الفئات الأخرى بسبب ديانتها أو عرقها أو موقعها الطبقي. وعلى المستوى الدولي ضمان مصالح الكبار، ومواقعهم، وألا يختل سلم التراتب.
كرويًّا، يخلو منتخب الأرجنتين من أصحاب البشرة السوداء. به عدد من النجوم العالميين، من بينهم النجم الأكبر، وينتمون للغرب وأغلبهم من أصول قديمة أوروبية. متفوقون رياضيًا وطبقيًا على أقرانهم المصريين. وحاكمهم الحالي فاشي من أقرب حلفاء ترامب ونتنياهو. فيما الفقير، الآتي ليرفع علمًا فلسطينيًا، لا يملك أيًّا من تلك المزايا. وإن كنت لا أرى أن المسألة الفلسطينية مسؤولة عن هذا التمييز في المباراة الأخيرة للمنتخب المصري. هناك ما يفوقها قيمة وأهمية؛ المال، والمصالح التجارية والإعلانية، ونجاح البيزنس الكروي في مشهده الأكبر الذي يحدث كل أربعة أعوام، قبل أي شيء آخر.
العودة للقوقعة
اتهمت أصواتٌ إسرائيليةٌ المنتخب المصري بالطائفية لخلوه من المسيحيين في بلد يشكلون نسبة غير قليلة من مواطنيه. لحق بركب هذه الضوضاء بعض المعجبين بإسرائيل من المصريين. فيما حاول آخرون مناقشة المسألة بجدية ومن منبعها. وابتعد آخرون عن هذه المناقشة لحين انتهاء مولد المونديال، ورفضًا لأن تكون إسرائيل، دولة الإبادة العنصرية والتطهير العرقي، من تحدد لنا أجنداتنا وأين ومتى نناقش قضايانا ومشاكلنا.
المسألة التي تستحق التوقف عندها الآن ودائمًا، وفتح نقاشات جادة حولها، هي كيف نقضي على العنصرية والطائفية في مجتمعنا، وليس في صورة المنتخب. ساعتها سيتحول المنتخب الكروي، وغيره من هيئات تمثيلية مفترض فيها اعتمادها على الكفاءة وحدها، لتشكيلات غير تمييزية، ورموز لمواجهة العنصرية والكراهية، أبعد تأثيرًا من إشارة الذراعين المتقاطعتين المستغيثة من العنصرية التي رفعها حسام حسن.
في دوائر الفساد المال هو الأهم حتى لو كان ميسي أسود البشرة ومسلمًا
لا تنوي السلطة السياسية المصرية التعامل بجدية مع هذه المسألة أو غيرها. التعامل الجاد يناقض مصالحها ومنهجها الفكري المعتمد على مزيج عنصري وطائفي وطبقي فاسد. جوهره سيطرة أبناء طبقات ومهن محددة على الدولة، ومكون عسكري نخبوي يعلو فوق الجميع، ويمتلك الأوكتاجون ليحتمي به من الشعب عند الضرورة. لا يمكن أن تعترف بالحقيقة الأولى الضرورية لهذا النقاش؛ أن هناك تمييزًا دينيًّا أصيلًا في مصر، يُمارس تقليديًّا على المسيحيين، ويتحول لقمع في المناسبات لمعتنقي أي معتقدات خارج الإسلام السني. مثلما لن تعترف السلطة بأنها عبء على الفقراء، وليس الفقراء عبئًا على الدولة.
إن كان هذا أصل المسألة، المصاحب لقمع ممنهج وتمييز طبقي ضد أغلب طبقات وفئات الشعب، لدرجة أن تصنع السلطة شعبها الخاص على مقاسها لتستخدمه في المناسبات، فالنتيجة شعور عميق بالظلم، بغياب التقدير والفرص. يصبح من الطبيعي أن يشعر ضحايا العنصرية والفساد والطبقية والتمييز بأنهم مستهدفون، ملاحقون، فتعلو أصوات بعضهم مؤقتًا بخطابات عنصرية تجاه الآخر؛ في هذه الحالة الأرجنتيني والرجل الأبيض والشعب البديل، ثم ينسحبون بعدها، يعودون للقوقعة.
الحياة هي الخطر
أتذكر أن الترنيمة التي كنّا نرتلها أطفالًا في الكنيسة كانت تقول: "مدارس الأحد يا مدارس الأحد... أطلب م الرب يزيدك... وتعيشي للأبد"، في تمجيد لمؤسسة مدارس الأحد التي تأسست في مطلع القرن العشرين داخل الكنيسة القبطية المصرية، لتنظم عملية التربية الدينية للأطفال والمراهقين. تضخمت مع الوقت، وبسبب التمييز الديني التاريخي الذي يتعرض له المسيحيون، بالتالي انسحاب وعزلة قطاعات واسعة منهم، أصبحت ملاذًا؛ مجتمعًا كاملًا بديلًا عن المجتمع الواسع الحاضر خارج أسوار الكنيسة، تقدم لهم خدمات مختلفة؛ رحلات، أنشطة رياضية، دروس تقوية، ناديًّا صيفيًّا، إلى آخره.
التمييز ضد الأطفال والمراهقين المسيحيين الموهوبين كرويًا حقيقة لكنهم أيضًا معزولون داخل عالم مدارس الأحد
بعد ثورة يناير 2011 بأسابيع كتبت مقالًا في موقع البديل وَصَفْتُ فيه هذه المؤسسة بأنها "حظيرة تعزل الملايين من المواطنين عن الفعل السياسي. تعزلهم عن إمكانيات النضال من أجل حقوقهم كمواطنين. تضخمت عندما اكتشف السادات الإمكانيات الاستثنائية التي تمنحها له اللعبة الطائفية، اللعبة التي طورها مبارك فيما بعد. تضخمت حين بدأ المسجد في لعب نفس الدور الذي تلعبه الكنيسة، حين بدأت الدولة في التراجع، وعدم لعب دورها الخدمي. فحين تغيب الدولة عن الفقراء وتتركهم عرايا، لا بد من أن يمنحهم أحد بعض الأغطية".
كانت 2011 الفرصة الأولى لقطاعات واسعة من المسيحيين للخروج من القوقعة إلى المجتمع؛ إلى العالم المفتوح. ومثلما خرج المنتخب الكروي للعالم/للمونديال بأداء مختلف في لحظة تفشي العنصرية والفساد الوقحين، في اللحظة الأصعب، خرج المسيحيون للمجتمع في لحظة الصراعات الكبرى، والخطابات الدينية الإسلامية شديدة التطرف ضدهم وضد كل من لا ينسحقون أمامها، ولحظة استغلال الدولة العميقة للمسألة الدينية لمصلحتها. فحدث الانكماش، والتراجع من جديد للقوقعة، خصوصًا بعد اتخاذ السلطة الكنسية موقف انحياز سياسي لم يكن لها أن تتخذه في 3 يوليو/تموز 2013.
السؤال الأدق في عالم اليوم، الأسوأ من عالم يناير 2011، ليس المتعلق بغياب اللاعبين المسيحيين المحترفين عن المنتخب، بل غيابهم عن المنبع، حيث يُختار الموهوبون والمتفوقون ويجري تطويرهم. التمييز ضد الأطفال والمراهقين المسيحيين الموهوبين كرويًّا حقيقة. لكن هناك أيضًا عنصر عزلتهم داخل عالم مدارس الأحد المغلق. وهناك ضغط الكنيسة كسلطة دينية، وعمليات الافتقاد لمن يغيبون عنها والإلحاح في زيارتهم في البيوت، كي لا يبتعدوا عن الكنيسة، كي لا يتورطوا في الدخول للمجتمع الكبير.
عبرت في المرحلة الثانوية، خلال السنوات الأخيرة من عقد الثمانينيات، بتجربة الخطر؛ الخروج التدريجي من عالم الكنيسة للعالم الأكثر اتساعًا، وللسياسة. أعرف ثقل التجربة النفسي، ولاحظته على آخرين من جيلي، كان بإمكانهم أن يحظوا بفرص للتحقق خارج أسوار الكنيسة. لكنهم، ولأسباب كثيرة ومعقدة، تراجعوا خوفًا من أن يتحولوا لهذه الخراف الضالة التي ابتعدت عن الراعي الصالح، بلغة الكنيسة نفسها. وأمام أخطار المجتمع الواسع، التمييزي، وأمام ضغط السلطة الكنسية، كسلطةٍ تكاد تكون سياسية ممثلة أمام الدولة لـ"قطعان" المسيحيين، اضطروا للعودة للقوقعة، للملجأ الآمن الوحيد.
ولأننا نتحدث عن المونديال، عن عالم أكثر اتساعًا من أسوار الكنيسة والمجتمع المصري، سنجد أن الكتل البشرية الكبرى تتفكك لأفراد منسحبين من مواجهة العنصرية والفساد والإقصائية، بدلًا من التكتل للحرب ضدها. وعبر لقاءاتنا للتشجيع، ثم البكاء على الظلم، تتشكل صورة مضللة، وإن كان لها ما يبررها، أن العالم ضدنا، يكرهنا ويضهدنا لأننا عرب ومسلمون، ولذلك يفضلون الأرجنتين علينا. في نفي لحقيقة أن العنصرية والطائفية والطبقية هي المظلات الفكرية للفساد المالي والسياسي. المال هو الأهم، حتى لو كان ميسي أسود البشرة ومسلمًا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

