انكشافات كأس العالم
لا يغضب لرؤية علم فلسطين إلا صهيوني
- في كأس العالم 2006، رفع اللاعب الغاني جون بانتسيل علم إسرائيل عقب فوز منتخب بلاده على التشيك. لم يعاقبه فيفا.
- في تصفيات كأس العالم 2010، ارتدى لاعبون بالمنتخب الإيراني شارات خضراء، تضامنًا مع الثورة التي قمعها النظام الإيراني عام 2009. لم يعاقبهم فيفا لخلط الرياضة بالسياسة.
- في كأس العالم 2022، تضامن لاعبو المنتخب الإيراني مع احتجاجات الشارع في إيران، وامتنعوا عن أداء النشيد الوطني. ولم يعاقبهم فيفا. وفي البطولة نفسها التقط لاعبو المنتخب الألماني صورةً وهم يضعون أيديهم على أفواههم، في احتجاج على رفض قطر ارتداء شارة One Love. ولم يوقفهم فيفا.
- استُبعدت روسيا من المشاركة في كأس العالم ببيان رسمي من فيفا أعلن فيه تضامنه مع الضحايا في أوكرانيا.
- في كأس العالم 2026، رفع المدير الفني للمنتخب كابتن حسام حسن، علم فلسطين تضامنًا مع ضحاياها. لتبدأ موجة هجوم عليه، ومزاعم بخرقه القوانين المنظمة للبطولة، ولكن فيفا أعلن قانونية ما فعله وعدم توقيع عقوبة عليه.
قبل الأسئلة
قبل طرح السؤال الأزلي الذي بلا إجابة، عن المعايير التي على المرء الالتزام بها بخلاف الميل حيث تميل المصالح الغربية، أود التعبير عن سعادتي الجمة بهذه النسخة الفجة من كأس العالم.
نظريًا، تقام الفعاليات الرياضية الأممية للتقريب بين بني الإنسان، وتجاوز الخلافات السياسية، والاختلافات العرقية، والثقافية، وتقبل كل صنوف البشر، بصرف النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم وميولهم وأنماط حياتهم، وتوحيدهم حول لعبة جماهيرية هي بالأساس تعبر عن الشعوب أكثر من تعبيرها عن الأنظمة والحكومات.
من نافلة القول إننا في عالمنا الثالث ننسب إلى القيادات السياسية فضل كل شيء، بما في ذلك فوز المنتخبات الرياضية. لكنَّ لاعبي المنتخبات يمثلون الجمهور، وإن أُرغموا على قول غير ذلك، وإن خرج أحد الإعلاميين يسب الجمهور ويتهمه بالخيانة والرشوة وهو يحتفل بفوز مصر! ذاك الجمهور الذي يشجع، ويفرح، ويحزن، ويدعم.
هو الذي يصنع اللاعب ونجوميته، ويشكل جزءًا لا يتجزأ من انتصارات فريقه. وهو الذي يواسي لاعبي منتخبه، ويوبخهم، وهو الذي يشكل دعمًا أو ضغطًا على الفريق ليسدد أهدافه، وهو الذي يرقص فرحًا في الطرقات، ويبدي إحباطًا غاضبًا.
كأس العالم فعالية عالمية مهمة، يتابعها وينخرط فيها أغلب سكان الأرض، سواء مشجعي كرة القدم العتاة، أم من لا يفرقون بين الضربة الركنية والتسلل. وذلك لما يمثله من القيم التي أوردناها أعلاه.
انكشافات
سعادتي بهذه النسخة من كأس العالم ليس منبعها ما قدمه المنتخب المصري من أداء مشرف، وإنجاز تاريخي، وخُلق راق وروح رياضية فحسب. إنما لأن هذه النسخة تنطبق عليها مقولة الفنانة الراحلة فايزة أحمد "ما عادش فيها كسوف، يامَّا إعملي معروف".
لا حياء في التحامل على منتخب إيران، الذي مُنع من أبسط حقوقه كفريق رياضي متأهل للمشاركة في كأس العالم؛ هذا المنتخب الذي سمح له فيفا بالتضامن مع الاحتجاجات ضد نظامه، لم يسمح له هذه المرة بالتضامن مع قتلى بلاده ضحايا العدوان الأمريكي. بل لم يسمح له بالدخول إلى الولايات المتحدة إلا في يوم المباراة، ثم المغادرة بعدها مباشرة.
الشوارع العربية كلها رقصت فرحًا لفوز منتخب مصر
هذا المنتخب الذي سُمح له بارتداء الشارات الخضراء، لا حبًا في الثورات أو الحريات أو حقوق الشعوب، إنما نكاية في نظام لا يدان على انتهاكه لحقوق الإنسان، يناصبه "العالم الحر" العداء لعدم خضوعه لإسرائيل. هذا المنتخب لم يُسمح له بالبقاء داخل الأراضي الأمريكية التي تقام عليها فعالية كأس العالم.
الانكشاف الثاني، وهو الأسعد: ضاعت مجهودات سنوات وسنوات من التفريق بين الشعوب، بذلتها لجان إلكترونية تدعي الوطنية والانتماء، وتدس الوقيعة والإحن بين شعوب المنطقة، في لحظة انتصار المنتخب المصري؛ الشوارع العربية كلها ترقص فرحًا لفوز منتخب مصر.
من يظن أن السوشيال ميديا تعكس حقيقة الشارع يعاني قدرًا من السذاجة. لنا تجارب آنفة أثبتت إخفاقها في رصد النبض الحقيقي للشارع، بدءًا من استفتاء مارس 2011، الذي جاءت نتائجه عكس استطلاعات الرأي التي أجريت على السوشيال ميديا، مرورًا بعلاقة المواطنين المصريين في الشارع باللاجئين السودانيين والسوريين، التي تختلف تمامًا عما تعرضه من تحريض، وخطاب كراهية، وعنصرية.
ثم كشف لنا المونديال زيف النبرة الإقصائية الانعزالية التي علت مؤخرًا على الشبكة العنكبوتية وفي الإعلام تحت عناوين مختلفة، مثل تبني الفكر القومي الإقليمي، أو سجالات بين حسابات مجهولة، أو التنصل من وحدة المصير والتاريخ واللغة والجغرافيا التي تجمع شعوب المنطقة، شاء الاستعمار أم أبى.
العميد حسام حسن
من المؤكد أن حسام حسن شخصية مثيرة للجدل؛ هو لاعب كرة موهوب، مخلص لتلك اللعبة، ذو طباع حادة، ونزق ينبع من حبه للكرة التي وهبها حياته.
إلا أن ما لا يختلف عليه أحد، هو أنه أدخل السعادة على قلوب مصرية أشقتها الحياة، وأصابتها الخطوب، ويأست من الإنجاز بعد أن قدم لها منتخبها الوطني عدة مواسم محبطة، بقيادة مدربين أجانب.
وقد تمكن اليأس من قلوب المصريين الذين قال عنهم حسام حسن "الروح المعنوية عند الشعب المصري هي الكورة"، حتى أنهم ظنوا ألَّا أمل في أي إنجاز كروي طالما أن هذا الجيل من اللاعبين ما زال في الملاعب، وأن العيب يكمن في افتقار المنتخب المصري لعناصر جيدة تمكن المدرب من تحقيق الإنجاز المرجو. فإذا بالعميد، وبنفس العناصر التي تشكك الناس في إمكاناتها، يحقق إنجازًا تاريخيًّا. ويهدي فوزه، عقب كل مباراة، إلى "الناس" أو "الشعب"، مكررًا "عايز أفرَّح الناس"، وهذا خطب لو تعلمون عظيم.
سعادة وليست سياسة
تقريبًا، حسام حسن هو المسؤول الوحيد الذي يضع إسعاد الناس هدفًا رئيسيًّا له. وبنزوعه إلى إسعاد "الغلابة"، رأى مدرب المنتخب أبناء غزة يخرجون وسط الركام، والخيام، ورائحة الجثث، ليحتفوا بانتصارات المنتخب المصري، وأزعم أن ذلك هو مربط الفرس؛ شعور حسام بأنه نجح في إسعاد من يعيشون مأساة حية لا تنقطع. وليس أدل على ذلك من تصريحه إذ شكر الجمهور الفلسطيني الذي يدعم المنتخب المصري، ويفرح لإنجازه ويدعمه دعمًا غير مشروط، حتى إنه لا يوجه للمنتخب نفس الانتقادات التي يتبانها أحيانًا الجمهور المصري.
الكابتن حسام حسن غير معني بالسياسة، ولا أظنه اهتم بها أو منحها ولو جزءًا صغيرًا من وقته. لكني أظنه معنيًا بمعذبي الأرض الذين ما فتئ يتحدث عن رغبته إدخال الفرح إلى قلوبهم، وهو هدف إنساني وددت لو أن كل بني البشر أخلصوا له.
حين رفع العميد راية فلسطين، لم يفكر في حماس أو فتح، ولم يجل بخاطره دين الضحايا من الأطفال والرضع والنساء، لم ير أمامه سوى بشر أنهكتهم النوائب يتشبثون بفرح قدمه لهم، ولم يكن يظن أنهم سوف يسعدون إلى هذا الحد، ولم يكن يظن أنهم يحبون بلاده إلى هذا الحد، ولم ير في فعلته سوى تقديم العرفان والشكر مقابل هذا الحب.
من أغرب التهم التي وجهت لحسام حسن هو التأثر بتيار الإخوان المسلمين! واجتراء بعض الحسابات على وصف القضية الفلسطينية بأنها قضية دينية، بعد أن رأينا رُضعًا يموتون في حضاناتهم، ولا أظن أنهم بلغوا من العلم أو الحياة ما يمكنهم من الانتماء لأي دين. إلا إذا كان هؤلاء الرضع يقتلون لحملهم أسماء إسلامية، وهو ما يعني جريمة حرب متمثلة في القتل على الهوية!
رأت المجموعات المتصهينة ما فعله العميد حسام حسن خلطًا بين الرياضة والسياسة يستحق العقوبة التي قرر فيفا أنه لا يستحقها، ولم تر في رفع علم إسرائيل ذلك، ولم تر في مظاهر احتجاج ضد نظام "مارق" في عرف الولايات المتحدة ذلك، ولم تر في تضامن فيفا مع ضحايا أوكرانيا خلطًا بين الرياضة والسياسة.
لكنني ما زلت سعيدة؛ خاصة بعد انكشاف تلك الحسابات التي تدعي "الوطنية" والغيرة على مصر؛ تلك الحسابات التي تضامنت مع يديعوت أحرنوت في الاحتجاج على رفع علم فلسطين، ولم يحتج غيرهما.
فلا يغضب لرؤية علم فلسطين إلا صهيوني مستبيح لدماء الرضع والأبرياء.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

