تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
دونالد ترامب يحمل كأس العالم

كأس العالم في الحماقة

منشور الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026

تداولت وسائل الإعلام على مدار الأيام الماضية تصريحات لرئيس اتحاد كرة القدم السابق جوزيف بلاتر مؤداها أن استضافة كأس العالم لا ينبغي أن تكون لدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية. جاءت الصيغة الهجومية المباشرة على خلفية أحداث عدة غير مسبوقة مَسَّت عددًا من المشاركين الرسميين في الفعالية الكبرى وحرمتهم من عبور الحدود؛ الأمر الذي أثار عاصفة من الانتقادات وأضاف إلى رصيد الإدارة الأمريكية الحالية ما يضاعف مشاعر الحنق إزاء قراراتها.

أبرز الوقائع السلبية منعُ الحكم الصومالي عمر آرتان من دخول الولايات المتحدة ثم إعادته إلى بلده، من قبلها رفض دخول بعض أعضاء بعثة المنتخب الإيراني والتعنُّت في منح تأشيرات للبعض الآخر، ثم جاء ردُّ فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الأصوات الغاضبة، الرافضة لأساليب التعامل المشينة كالعادة، ليزيد الموقف اشتعالًا بالنسبة للمُتضررين، ويثير موجات جديدة من السخرية السوداء بالنسبة للمتابعين عن بعد.

مونديال اليمين المتطرف

ما الذي يحدث في سياق إقامة بطولة هي أشهر وأنجح البطولات العالمية، وأعلاها تحقيقًا لنسب المشاهدة الجماهيرية؟ الحقيقة أن السياسات العامة للإدارة الأمريكية متسقة ومترابطة، رغم ما يبدو عليها ظاهريًا من تفكك وعشوائية. لا توجد مفاجآت في الميول العنصرية العميقة، لا توجد صدمات بسبب تعمُّد خلط الأوراق وخرق الأعراف، كذلك لا يوجد ما يثير الدهشة في التعامل الفجّ مع الآخرين؛ الذين لا يرقون لمرتبة الرَّجل الأبيض ذي الشعر الأصفر، المُتمَركِز حول ذاته، العاجز عن رؤية العالم سوى من ثقبه الخاص.

يتعامل ترامب مع كأس العالم لكرة القدم باعتباره موضع نفوذ إضافيّ، يمكن ضمُّه لمواضع النفوذ التي يتصورها أو يرغب فيها، بغض النظر عن رأي هؤلاء الذي يتقاسمون معه الكوكب، ويظنون أن لهم فيه حقوقًا وأنصبة عادلة تكفلها اتفاقات ومواثيق راسخة، أو كانت بالأمس راسخة.

قاعدة الإذلال باتت أعظم تجسيد لحضور القبضة الأمريكية الغاشمة في حقبة ترامب

بين عشية وضحاها تحوَّلت البطولة ذات الشعبية الجارفة، تحت وطأة أداء الرئيس الأمريكي، أداةَ تحكُّم مثاليةً، يؤكد من خلالها سطوتَه، كما يعلن عن توسيع نطاق سيطرته؛ من لا يريد اللعب وفق شروطنا يمكنه أن يغادر، لا فرصة للمقاضاة ولا احتكام للقوانين السارية، بل ولا تتأتى العودة لثلة المبادئ الحقوقية التي اهتزت مكانتها بالفعل وتزعزع استقرارها؛ فقط منطق القوة اللاعقلانية، مدعومًا بتفعيل سياسة الأمر الواقع.

إذا كانت القواعد الأمريكية التي تلقت الضربات الإيرانية في دول الخليج هي التجسيد المادي المباشر للوجود الاستعماري القديم وإن كان بصورة أكثر حداثة وتنميقًا، فلا جدال أن قاعدة الإذلال والتحقير باتت أعظم تجسيد لحضور القبضة الأمريكية الغاشمة والحمقاء في حقبة دونالد ترامب.

إنه الإذلال العلنيّ الفاضح على المستويين الشخصيّ والمؤسَّسي؛ إذلال لا يبحث عن رتوش تُجمّله ولا يتوارى خلف ستار، إنما يَصحبه خطابٌ تهكميٌّ سافر؛ لا يُبقى على شعرةِ مُعاوية ولا يستحي من صَفْقَ الأبوابَ في الوجوه، كما لا يترك ثغرة تسمح بعودة خجولة أو حتى تتيح الهَرب.

مقاومة محدودة وخضوع واسع

عودةً لكرة القدم وما يجري على عتباتها، ما الضَّرر الذي يتوقعه قاطن البيت الأبيض من الترحيب بحكم صومالي مُسجَّل ومُستدعَى رسميَّا من قبل الفيفا؟ ما الضَّرر المُتوقَّع من دخول الجهاز الفني للمنتخب الإيراني بكامل أعضائه؟ الضَّرر لا وجود له في الحقيقة؛ لكنها الرغبة العميقة في إثبات القدرة على تحديد مصائر الآخرين، ومنحهم الجوائز والإثابات، أو منعها ومعاقبتهم.

على كل حال أعلنت كندا ترحيبها بآرتان المطرود، ووصلته دعوةٌ لتحكيم نهائي السوبر الأوروبي في سابقة فريدة تحية له وتحديًا لقرار استبعاده، ولا يزال المنتخب الإيراني مُصِرًّا على المشاركة الفاعلة، عازمًا على تذكير الأمريكيّ المتغطرس بأنه حاضر وأنه ليس لقمةً سائغة.

الشَّعب الأمريكي تلقى ضربات صاعقة في فترة زمنية قصيرة

محاولات ترامب تخليد مدة رئاسته عبر تصرفات مراهقة، منها وضع اسمه على أمكنة لم يسهم في تشييدها، ودفع المسؤولين في بلدان ومناطق عدة إلى تكريمه بشتَّى السُّب، ليست في مُجملها سوى حلقة من حلقات التعبير الأرعَن غير المُستَبصِر عن الذَّات المُتضخّمة والسَّاذجة في آن، ولن يُدهش أحد إذا ما تقدم الرئيس المتباهي مُطالبًا بإعلان فوز بلاده بكأس العالم دون وجه حق، أو هدَّد الحكام العاصين أوامره بالشطب، أو اعترض على أيّ هزيمة ينالها فريقه. لن يُدهش أحدٌ؛ فحال الهَزلِ تغمُر العالمَ على أصعِدة أخطر بكثير من كرة القدم، ولا عَجَب إن امتدَّت للملاعب وحجُرات اللاعبين ومُراقبي الخطوط ومَسؤولي الفار.

الحقيقة أن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا يتعلق بأسباب الرضوخ للشروط المُجحِفة، والتزام الصَّمت والتراخي في مواجهة الصلف الأمريكي بوجه عام؛ لا في الإطار التنظيمي لكأس العالم لكرة القدم فقط، وحين نتكلم عن موقف المفعول بهم في مواجهة الفاعل؛ فهناك بالطبع الشعوب ثم الدول والحكومات.

جرافيتي لدونالد ترامب

الشَّعب الأمريكي تلقى ضربات صاعقة في فترة زمنية قصيرة، وبعيدًا عن النسبة التي تؤيد ترامب من مُنطَلق البحث عن البطل الأسطوري القادر على تحقيق انتصارات كاسحة وغير منطقية في الوقت ذاته، فإن النسبة التي تتمتَّع بشيء من الحصافة والاتزان، التي تتعذَّر استمالتها عبر خطاب سطحيّ يُدغدِغ المشاعر وحدها، ظلت لوقت قريب في حال من الذهول والعجز عن تصديق ما يحدث، وأفرد صمتها المُطوَّل مساحةً زمنيةً مُعتبرةً مكَّنت ترامب من تغيير قوانين وسَكّ أخرى وإحكام قبضته على مناصب حسَّاسة؛ بما جعل التمرد في مواجهة حكمه أكثر صعوبة.

أما عن الكتلة الأوروبية التي يُهان على يديه ميراثُها الحضاريّ وتاريخها، وتُذل أيضًا هيبتها؛ فلم تزل تتلمَّس خطاها خوفًا من مستقبل غائم، تتعين فيه من جديد الأقطاب الكبرى المُتصارِعة ويُعاد تكوين الأحلاف، هذا فضلًا عن انسحاق عربي وخليجي مزمن، تحوَّلت المنطقة على أثره إلى مسرح؛ تحتضن خشبته ملهاةً مُكتمِلة الأركان.

الغوغائية تسود

في مَحفَل كأس العالم لكرة القدم الذي يفترض تنزيهه عن شُبهات المُحاباة والعداء على حدّ سواء، يتخذ إنفانتينو، الرئيس الحالي للفيفا، موقف الدفاع عن حزمة الإجراءات المُجحِفة، التي تتخذها الإدارة الأمريكية، بل ويثمن دور ترامب في استضافة الولايات المتحدة للمباريات ويكيل له آيات المديح، بينما يُعلن ترامب في فخر، وقبل أن تبدأ المباريات، أن الدورة الحالية التي تستضيفها بلاده بالشراكة مع كندا والمكسيك هي الأفضل والأعظم وسط الدورات السابقة جميعها.

إن نجاح الإدارة الأمريكية في الدَّفع بوقائع السياسة العاصفة إلى منظومة الرياضة، التي دارت فلسفتها حول تذويب فوارق اللون والطبقة وجغرافيا الحدود عن طريق الالتقاء على أرض محايدة، التي سعى أغلب القائمين على شؤونها إلى الابتعاد عن مُستنقعات الاستقطاب العنصريّ واللا مساواة، إنما هو نجاح في فرض المزيد من الغوغائية على شعوب العالم، وفي تجذير الحواجز والسدود التي تفصل الشمال عن الجنوب وتستند إلى انتماءات عرقية بغيضة، وإذا كانت هناك جائزة أولى تجعل صاحبها محط الأنظار فأولى بها الرئيس الأمريكي الذي يستحق عن جدارة كأس العالم في الحماقة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.