ترامب وإنفانتينو.. ماذا نعرف عن الصفقة الكبرى؟
خلال الساعات التي تلت لقاء منتخب الولايات المتحدة الأمريكية والبوسنة والهرسك مطلع الشهر الجاري، ضمن منافسات دور الـ32 من كأس العالم 2026، اتَّصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، وخلال المكالمة طالبه بمراجعة قرار إيقاف مهاجم منتخب بلاده فولارين بالوجان بعد طرده في المباراة نفسها.
وبعد ثلاثة أيام، قررت لجنة الانضباط بالاتحاد الدولي تعليق إيقاف اللاعب، بموجب القانون الذي يسمح لها مُنفردةً بتعليق أو إلغاء أي عقوبة ما لم تكن مرتبطة بالتلاعب في نتيجة المباريات. وبالفعل شارك بالوجان في خسارة أمريكا أمام بلجيكا 1-4.
طبقًا لكلٍّ من ترامب وإنفانتينو، لم يؤثِّر هذا "الاتصال الوُدِّي" على سير العدالة. أولًا: لأن الغرض منه كان "طلب المراجعة" فقط، وثانيًا: لأن عمل لجنة الانضباط "مستقل" عن الاتحاد الدولي ورئيسه، الصديق الشخصي لدونالد ترامب.
لم تستفد الولايات المتحدة من تعليق العقوبة في تحسين موقفها من البطولة بعد إقصائها من بلجيكا في المباراة التالية. لكنَّ العلاقة "الودية" التي تجمع إنفانتينو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايتيه الرئاسيتين، قد تكشف الكثير عن طبيعة تسيير كرة القدم خارج الملعب.
الصفقة الكبرى
في 2 ديسمبر/كانون الأول 2010، تلقَّى الرئيس الأمريكي باراك أوباما اتصالًا وديًّا آخرَ من رئيس فيفا جوزيف بلاتر، حاول خلاله الأخير أن يُبرر خسارة الملف الأمريكي لتنظيم مونديال 2022 في مواجهة قطر.
طبقًا لتحقيق نشرته مجلة لوموند الفرنسية، كان الشعور السائد لدى الوفد الأمريكي أنّ الخسارة أمام قطر "جريمة لا تُغتفر". وعند هذه اللحظة تحديدًا، اتُّخذ قراران: أولاً، إسقاط كل من تسبب في إحراج الولايات المتحدة الأمريكية. وثانيًا، التأكُّد من النجاح في سباق استضافة بطولة 2026.
تحقق الهدف الأول عام 2015 فيما عُرف لاحقًا بفضيحة فيفا/FIFA gate، التي قادت التحقيقات فيها وزارة العدل الأمريكية بمشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي/FBI، وانتهت بالقبض على عدد من الشخصيات المؤثرة في الاتحاد الدولي، بتهم الابتزاز والاحتيال والتآمر وغسيل الأموال. وإقصاء بلاتر وعدد من رؤساء الاتحادات القارية، بينهم الفرنسي ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي، الذي اعتقد الأمريكيون أنه السبب خسارة ملفهم أمام قطر، بعد عشاء شهير جمعه بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.
بدأ فريق التسويق في فيفا عام 2015 إنهاء اتفاقات حقوق بث بطولة كأس العالم 2026 مع شبكات CTV وFOX وNBC الأمريكية. وطبقًا لوثائق قضائية اطلعت عليها صحيفة "لوموند" الفرنسية، تضمنت الاتفاقيات دفع الشركات ما مجموعه 302 مليون دولار في حال أقيمت البطولة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
حدث ذلك قبل ثلاث سنوات من التصويت على الملفات المُقدمة لاستضافة كأس العالم، بل وقبل إعلان الولايات المتحدة رسميًا في أبريل/نيسان 2017 عزمها دخول سباق استضافة البطولة بملف مشترك مع كندا والمكسيك. لاحقًا، أقرّ إنفانتينو في 2021 بضرورة "فصل المفاوضات التجارية عن عملية التصويت، وألا تُبرم مثل هذه العقود قبل إجراء التصويت".
في الواقع، منح البطولة للولايات المتحدة اعتذارًا على ما حدث في 2010 ليس استنتاجًا بالنسبة لكثيرين، من بينهم دونالد ترامب نفسه على الأقل، الذي اعترف صراحةً لحظة إعلان فوز ملف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بتنظيم كأس العالم في صيف 2018 أن ذلك "حدث من وقت طويل" يسبق ولايته الأولى.
كأس العالم والرأسمالية
كان صعود السويسري جياني إنفانتينو لرئاسة الفيفا صاروخيًا، نظرًا للفراغ الإداري في فيفا بعد الفضيحة. وطبقًا لتحقيق نشرته زودويتشه تسايتونج/süddeutsche zeitung، سافر إنفانتينو عدة مرّات للولايات المتحدة الأمريكية قبل إعلانه الترشُّح لرئاسة فيفا، لحضور اجتماعات سرّية مع ممثلي العدالة الأمريكية.
وطبقًا للمطلعين على كواليس هذه الاجتماعات، يبدو أن إنفانتينو خرج منها ومعه حصانة ما جعلته قادرًا، طبقًا للكاتب الأمريكي جولز بويكوف، على التعامل مع الولايات المتحدة كمضخة للأموال، فيما يرى ترامب في إنفانتينو نسخةً انتهازيةً مصغّرة منه.
في 7 يوليو/تموز الجاري، وثّقت صحيفة The Nation الأمريكية التي تصف نفسها بأنها "تقدمية ومستقلة"، توقيع فيفا اتفاق رعاية تجارية مع شركة مرتبطة بدونالد ترامب الابن بقيمة أقل من عقود الرعاية المماثلة.
فقبل أسابيع من انطلاق مونديال 2026، أعلن الاتحاد الدولي توقيع شراكة تجارية مع شركة ADI Predict Street المملوكة لأجاي باتيا، وهو هندي يحمل الجنسية الإماراتية. وقعت هذه الشركة بدورها اتفاقية شراكة مع عملاق أسواق التنبؤ Kalshi، ليصبح بالتالي شريكًا لفيفا، وتظهر إعلاناته داخل ملاعب المونديال.
أبرمت Kalshi، التي انضم إليها ترامب الابن مستشارًا استراتيجيًا في يناير/كانون الثاني 2025، هذه الشراكة مقابل 20 مليون دولار فقط، وطبقًا للمتخصصين، عادةً ما تتراوح قيمة شراكات فيفا التجارية بين 65 مليونًا و100 مليون دولار سنويًا بحسب فئة الرعاية.
يرسّخ جياني إنفانتينو قيادته للاتحاد الدولي بسياسة تعتبر أموالَ فيفا أموالٌ للاتحادات المحلية الأعضاء، وهذا شعار كافٍ جدًا لإبقائه على كرسيه، لأن أموال فيفا، التي لا يفوِّت إنفانتينو أي فرصة لتعظيمها، يعاد تدويرها في تطوير كرة القدم، حتى ولو ألحقت العائدات الضخمة الضرر باللعبة نفسها، بزيادة عدد المباريات نتيجة زيادة عدد البطولات، أو مجاملة شركة يعمل نجل الرئيس الأمريكي لحسابها في الحصول على صفقة تاريخية، أو استئجار دور كامل في برج ترامب لأحد مكاتب فيفا، أو تاريخ طويل مما وصفته نيويورك تايمز بـ"محاولات كسب ود ترامب".
كأس العالم 2026 مثال جيد على كيفية عمل المواءمات؛ زيادة في عدد المنتخبات المشاركة، وزيادة 40 مباراة كاملة، بالتالي أرباح متوقعة قد تصل لـ9 مليار دولار في عام كأس العالم وحده، و12 مليار دولار مع احتساب إجمالي الأرباح المتوقعة خلال الدورة المالية 2023-2026.
والمثير في هذه النسخة تحديدًا، أن عوائد التذاكر المباريات تتفوّق على عوائد عقود الرعاية، 3 مليارات دولار من بيع التذاكر وخدمات الضيافة، في مقابل 2.8 مليار دولار كعوائد من خلال عقود التسويق والرعاية. وهو أمر لم يحدث من قبل، إذ قُدرت عوائد الفيفا من بيع التذاكر وخدمات الضيافة في بطولة قطر 2022 بحوالي 950 مليون دولار، فيما بلغت عوائد عقود التسويق والرعاية نحو 1.9 مليار دولار.
اعترف بلاتيني باستخدام "حيلة" في قرعة كأس العالم 1998 لضمان ألَّا تلتقي فرنسا والبرازيل إلا في المباراة النهائية
السبب الأوضح لهذا هو إعلان فيفا تطبيق ما يُعرف بالتسعير الديناميكي/dynamic pricing في هذه النسخة للمرة الأولى، وهو باختصار مُخل، تحريك سعر تذاكر حضور المباريات صعودًا وهبوطًا، طبقًا لأهمية المباراة وهوية المتنافسين على أرض الملعب.
في ولاية نيوجيرسي، فتحت المدعية العامة جينفر دافنبورت تحقيقًا رسميًا قبل انطلاق البطولة مباشرة، للتحقق من آليات بيع تذاكر مباريات المونديال، بعد شبهات تورط فيفا في حجب كتل التذاكر عن البيع عن طريق طرح حزم من التذاكر على دفعات متفرقة لترفع أسعارها، وهو ما يُسمَّى بـ"الندرة المزيفة" التي تحرم المستهلك من المقارنة بين الشرائح المختلفة للتذاكر قبل الحجز.
إنها الأرباح
في 8 يوليو، نشرت مجلة The Athletic تقريرًا بعنوان "الحظر الملغى، القرعات المزورة، ومؤامرات وكالة الاستخبارات المركزية: كيف تغذي كأس العالم نظريات المؤامرة؟"، راجعت فيه عددًا من الأحداث التاريخية وحاولت التحقق من بعض نظريات المؤامرة التي قد تؤثِّر على نتائج المباريات في كؤوس العالم. لن نحتاج لمراجعة التقرير كاملًا لنتأكّد من أن فيفا عبر تاريخه يلجأ أحيانًا لبعض الحيل طمعًا في المزيد من العوائد.
على سبيل المثال، اعترف بلاتيني عام 2018 باستخدام "حيلة" في قرعة كأس العالم 1998 التي استضافتها بلاده وكان الرئيس المشارك للجنتها المنظمة، لضمان ألَّا تلتقي فرنسا والبرازيل إلا في المباراة النهائية إذا تصدّرت كُلٌّ منهما مجموعتها.
بالتالي، هناك اتفاق ضمني على أنه من الأفضل لمصلحة البطولة أن تستمر المنتخبات الأفضل، وأفضل هنا تعني أشهر، تمتلك بين صفوفها النجوم الأفضل، الأكثر قدرة على جلب الأموال. وهذه ليست نظرية مؤامرة، كفكرة على الأقل.
ينعكس ذلك في 2026، فحسب فوربس، انهارت أسعار تذاكر مباراة ربع النهائي بنحو 60% بعد خروج الولايات المتحدة والبرتغال من البطولة، إذ انخفض سعر أرخص تذكرة لحضور مباريات ربع نهائي Get-In Ticket إلى 1200 دولار أمريكي، من 2950 دولارًا قبل إقصاء المنتخبين.
والسؤال هل يمكن أن يحدُث ذلك في 2026؟ هل يمكن أن تؤثِّر أهمية الأرباح على نتائج مباريات كأس العالم؟ في ظل قيادة الرئيس إنفانتينو الذي جاء حاملًا وعود الإصلاح والشفافية والمساءلة، ومعها، وفق ستانيس إلزبورج الباحث في أخلاقيات الرياضة، "تراجع المراقبة وانعدام المحاسبة والتقرُّب من أصحاب النفوذ".

