ثمار معطوبة.. جوائز تظلم الأدب والأدباء
من المفترض أن تنصف الجوائز الأدباء، فترفع من يستحق، ممن تفيد نصوصَهم وتمتعُ غيرَهم، خاصة أولئك الذين أخلصوا للكتابة، فتسهم في الأخذ بيد الناس إلى الأمام.
لكن الواقع يحبط في كثير من الأحيان هذه النظرة المتفائلة القائمة على مبدأ "الاستحقاق والجدارة"، المستندة إلى "ما ينبغي أن يكون"، الحريصة على أن تكون الجوائز فرصة لتجديد الآداب والمعارف وتجويدها، بتقديم نماذج لكتاب يكافئهم الناس أو بالأحرى المؤسسات الثقافية على جودة أعمالهم، وليس لأسباب أخرى لا علاقة لها بالكتابة.
الجوائز وتوجّهات الكتاب
ابتداءً، يتوزع الأدباء العرب في نظرتهم إلى الجوائز على ثلاثة اتجاهات؛ الأول يراها فرصة جيدة لتسليط الضوء على ما يكتب، خاصة إن صاحب إعلانها زخم إعلامي واسع. وفي هذا لا أنسى ما قاله لي أديب يواصل عمله بلا كلل، ويتقدم لكل جائزة تناسب نصًا خَطَّه أو نشره، إن الفوز بأي جائزة يصاحبه اهتمام إعلامي قد يساهم في معرفة الوسط الثقافي بكاتب ما، ويمكن أن يمتد الاهتمام إلى القراء، فيبحثون عن عمله الفائز، وأعماله السابقة عليه، وحبذا لو قرأ أخبار فوزه بعض الناس، فعرفوا اسمه، توطئة لمعرفة كتبه لاحقًا. لهذا السبب أحرص على التقدم إلى الجوائز، وأتمنى الفوز في كل مرة.
المال الذي تجود به الجوائز على الأديب يقنع أسرته أن انشغاله بالقراءة والكتابة عاد بالفائدة فتوفر له الأجواء المناسبة للقراءة والكتابة
يعوّل مثل هذا الكاتب على جهد القائمين على الجوائز إعلاميًّا، أو الترقب المصاحب للإعلان عن القوائم الطويلة، ثم القصيرة، في انتظار الفائز النهائي. وهذا الجهد نراه حقًا في بعض الجوائز، بينما يغيب عن أخرى، ولا يرتبط الأمر بالقيمة المادية للجائزة، فبعض الجوائز تخلو من تسليط أضواء، حتى لو كانت قيمتها المادية سخية، وبعضها يهتم بهذا، حتى ولو من باب تعزيز مكانة الجائزة نفسها، وليس بالضرورة الفائزين بها. وهناك جوائز باتت سيئة السمعة، تأخذ ممن يفوز بها، ولا تضيف إليه، فيرتد الذيوع المصاحب لها إلى صدر الكاتب.
يهتم أصحاب الاتجاه الثاني بالجوائز الأسخى مالًا، لأنها تكفيهم ولو مؤقتًا مشقة السعي وراء الرزق، بما يستنزف وقت الكاتب في بلادنا، بدلًا من تكريسه للقراءة والكتابة. ويجعل المال -الذي تجود به الجائزة على صاحبها- أسرته تدرك أن انشغاله بالقراءة والكتابة عاد بفائدة، فترضى عن مهمته، وتوفر له الأجواء المناسبة للقراءة والكتابة.
وقد سمعت ناقدًا فاز بجائزة ذات عائد ليس بالقليل يقول "كل ما يهمني من الجائزة أنها وضعت في جيبي الخاوي مئات الآلاف من الجنيهات، أنا وأسرتي في حاجة ماسة إليها"، وقال لي شاعر كبير ذات يوم إن زوجته كان تقول له بصوت جاف حين يعود إلى البيت حاملًا ديوانًا جديدًا له "وما فائدة كل هذا؟ هل لو قدمت ديوانك إلى الجزار يعطينا كيلو من اللحم؟" ثم تطلب منه بدلًا من الجلوس للقراءة والكتابة بعد عودته من عمله اليومي أن يبحث عن وظيفة أخرى في المساء، تقيل الأسرة من عثرتها المادية.
هنا، وبشكل عام، أتوقف عند قول الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد "الجوائز رزق"، وهو لا يقصر رؤيته على الانتفاع المادي فقط، بل يسحب الأمر أيضًا على ما في الأرزاق من حظ أو قدر، وأن المرء إن كان هذا الرزق مقدرًا له، سيأتيه حتمًا، حتى لو تآمرت عليه عوامل عدة في سبيل حرمانه من مال تدره عليه جائزة.
أما الفريق الثالث فيتعامل أصحابه مع الجوائز على أنها حق محبوس، عليهم السعي للإفراج عنه، أو حق مؤجل وجب استعجاله، وعلى أي دولة أو مؤسسة ثقافية أن تحرص على تخصيص جوائز لأهل الكتابة، على اختلاف أنواعها، وأن تجعل هذا مهمة أساسية، فمن حق أي كاتب، يخلص لما يخطه بنانه، أن يجد من يقول له: أحسنت، فترتفع معنوياته، ثم يُترجم الإحسان إلى عطاء مادي يساعده على مواجهة صروف الحياة.
وأتباع هذا الاتجاه يتقدمون لمختلف الجوائز، غير مترددين، لا يضنيهم ما يُشاع عن فساد يحيط بها، أو تسييس يصمها، أو توجيه يفقدها استقامتها، وقد سمعت أحدهم يقول: "رغم علمي أن الجوائز التي أتقدم إليها لم تذهب في كل الأحوال، خلال دوراتها السابقة، إلى من يستحقها، لكنني أصر على أن أدفع كتبي إلى لجان تحكيمها، حتى لو كانوا محل شك بالنسبة لي، لأن التقدم شرط للترشح لها، وها أنا أضع لجنة التحكيم أمام ضميرها، فإن خالفته فعليها وزر، ولي أجر من سعى".
وما يقدم من عذر لهؤلاء أن أغلب الجوائز العربية تطلب التقدم إليها، بل تشترط على المتقدم توقيع إقرار بقبولها حال فوزه بها. وقد رأينا كيف أن بعض من يحجمون عن التقدم للجوائز من أصحاب الاستحقاق والجدارة تتراكم أعمالهم، وتحقق نجاحًا، وتلقى اعترافًا قويًا، ومع هذا يخلو سجلهم من الجوائز، فلا أحد يفكر في أولئك المتعففين.
من بين هؤلاء المُصِرِّين على التقدم المنتظم للجوائز من يقول إنه إذا عزف عن التقدم للجوائز، فستكون فرصته في الحصول عليها صفرًا، وإن تقدم إليها، فهناك احتمال قائم للحصول عليها، تحدده عدد الأعمال المتنافسة، وسينجم عن هذا، في كل الأحوال، رقم أكبر من الصفر.
جوائز توجه الإبداع
مع تعدد النوافذ التي ينظر منها الأدباء إلى الجوائز، فإن الأخيرة ظلمت الأدب العربي، كما أفادته، وصارت نقمة وليس نعمة، إذ راح البعض يكتب للجوائز، ويضبط إيقاع نصه على شروطها، فيضرب الإبداع في مقتل، لأنه فعل حر. وما يزيد الطين بلة في هذا أن تلك الشروط تتعدد، وتتضارب أحيانًا، من جائزة إلى أخرى، فتسحب تضاربها على "كاتب الجوائز"، تمزقه أشد ممزق، فيفقد مشروعه الكتابي، أيًا كان نوعه، تميزه أو بصمته الخاصة.
كما ظلمت كثيرًا من الأدباء في زماننا لتحسسهم من الانخراط في الشأن العام، ليس لخوفٍ من السلطة بالضرورة، إنما لأن كثيرًا من الجوائز، خصوصًا السخية ماليًا، تبحث دومًا عن الكُتّاب المستأنسين، أصحاب المواقف الباهتة أو الرمادية، أو ما لا موقف معلنًا لهم، لأن أقلامهم قد تكون طيعة، وفوزهم لا يسبب حرجًا للقائمين على الجائزة. وزادت هذه المنحة مع تسييس جوائز عدة، وهي نزعة قد لا ينكرها القائمون عليها، فأحدهم قال بوضوح "من حقنا ألا نمنح جوائزنا لمختلفين مع سياساتنا".
كما ظلمت بعض الجوائز الأدب في إعلاء ما لا قيمة له، أو ما يغازل مصلحة أو اتجاهًا أو منفعةً أو موقفًا يخدم توجه مانحي الجائزة بالأساس، أو يجاري ذائقتهم، لا سيما إذا رُوعي في اختيار لجان التحكيم أن تعبر عن هذا التوجه، وهذه الذائقة، وقد يحدث هذا صراحة، أو يكون تواطؤًا صامتًا.
لا يمكن في هذا المقام استبعاد ظلم يقع بسبب تحمس دور النشر للكتب المؤلفة على مقاس الجوائز
وقد رأينا في السنوات الأخيرة، كيف أُعلي من شأن نصوص رديئة أو محدودة القيمة، لمجردٍ أنها تُلبي ذلك الشرط. وفي هذا أتذكر أنني قلت ذات يوم لأحد أمناء جائزة أدبية تُمنح للشباب، حين سألني عن رأيي في المسابقات الأدبية، إن كثيرًا من شباب الأدباء يقبلون على الأعمال الفائزة، يقرأونها بعناية، خاصة إن كانوا يعتزمون التقدم إلى الجائزة فيما بعد، وأذهانهم مسكونة بسؤال مهم هو: لماذا فاز هذا العمل؟ فإن كان عملًا جيدًا يدركون أن عليهم الإجادة فيما يكتبون حتى يفوزوا، والعكس صحيح.
الطامة الكبرى لو كان العمل الفائز مسكونًا بتوجه معين أو طريقة في الكتابة، لا تمتثل للشروط الفنية الواجب توافرها، وقتها قد يلجم بعض الكتاب حرية أقلامهم، ليجاروا هذا التوجهات أو هذه الطريقة، ووقتها سيكون الخاسر الأكبر هو الأدب.
ولا يمكن في هذا المقام استبعاد ظلم يقع بسبب تحمس دور النشر للكتب المؤلفة على مقاس الجوائز، أو للكتاب الذين تعرف أن علاقتهم عامرة بمانحيها، أو أنهم بلا موقف سياسي أو فكري يجفل منه المانحون. وهذا يؤثر سلبًا على فرص النشر أمام كتاب خارج هذا التصنيف المعوج. فالناشرون لا تعطيهم بعض الجوائز فرصةً لزيادة توزيع الكتب الفائزة فقط، بل أيضًا، ووفق عقود النشر المبرمة منذ سنوات، تجعل لهم نسبةً من مال الجائزة، صار الحد الأدنى له يصل إلى الربع.
هناك وجه آخر للظلم، يخص الجوائز التي تعمل على ترجمة الأعمال الفائزة إلى اللغات الأجنبية، فالفساد أو العوامل السلبية المصاحبة لترفيع نص ليس جيدًا، والحط من شأن نصوص أفضل، تجعل بعض ما يترجم من آدابنا أضعف من التعبير الصادق والأمين عنها، بذا تساهم في تهميش ما يستحق أن يلفت الانتباه عالميًا إلى ما نكتبه أو نبدعه.
الدليل على وجود هذا العيب أن الأغلبية الكاسحة من النصوص التي تُرجمت بعد حيازتها جوائز كبرى، لم تجد توزيعًا بين القراء بهذه اللغات الأجنبية، لتنضم في نهاية المطاف إلى ما يترجم من أعمالنا تلبية لذوق "الآخر" أو مصلحته، أو موقفه الذي ينظر إلى آدابنا، مهما ارتقت فنيًا وطاولت مستوى ما يبدعه أدباء في الغرب خصوصًا، على أنها مجرد وثائق اجتماعية تفيد قارئها في فهم أحوالنا وظروفنا وعاداتنا وتقاليدنا، وتعطيه نافذة إضافية لتحقيق رغبته في الهيمنة على مجتمعاتنا، وإبقائها تابعة له، بذا انحرفت جوائز عن خدمة كتابنا، وتماهت مع مشروعات تستهدف إضعافنا.