نيك أوبرهايدن.. محامي رجال ترامب يحقق حلمه في القاهرة
لا يشبه المهاجر الألماني والمحامي الفيدرالي الأمريكي نيكولاس (نيك) أوبرهايدن غيره من المهاجرين، بل هو أقرب إلى الرئيس دونالد ترامب؛ شخص "هوليوودي" يحب الظهور ويجيده، ورغم ذلك يحيط نفسه بهالة من الغموض المثير. وقد حان الوقت أخيرًا ليقترب من نيل اللقب الذي منَّى نفسه به طويلًا، بعد ترشيحه الأسبوع الماضي سفيرًا للولايات المتحدة لدى مصر، في انتظار موافقة الكونجرس على تعيينه.
جاء هذا الترشيح ضمن دفعة تعيينات شملت سفارات ومناصب دبلوماسية أخرى حول العالم، وبعد أشهر من سحب إدارة دونالد ترامب 30 دبلوماسيًا عُينوا في عهد الرئيس السابق جو بايدن، من بينهم السفيرة الأمريكية في مصر هيرو مصطفى جارج.
برأي كبير موظفي مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب الأولى ألكسندر جراي، والمبعوث الأمريكي إلى إيران خلال إدارة ترامب الأولى إليوت أبرامز، ضمن حديثهما لموقع جويش إنسايدر، الشهر الماضي، فإن إدارة ترامب تسعى إلى ملء عدد من المناصب الشاغرة في السفارات الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تحسبًا لاحتمال فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ، بما قد يقيّد قدرته على تعيين الأفراد المقربين منه.
صحيفة وول ستريت جورنال ذكرت الشهر الماضي أن أكثر من 100 منصب لسفراء الولايات المتحدة حول العالم لا تزال شاغرة، من بينها سفارات واشنطن في قطر والسعودية والإمارات والعراق والكويت. لكنَّ قائمة الترشيحات الدبلوماسية الخاصة بالمنطقة على ما يبدو بدأت بأوبرهايدن سفيرًا في مصر، ومعه دونالد بلوم مساعدًا لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى.
عادة ما يأتي السفير الأمريكي في القاهرة من داخل السلك الدبلوماسي، بالأخص من بين الشخصيات التي راكمت خبرة طويلة في وزارة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في الشرق الأوسط، فالقائم بالأعمال الأمريكي خلال ولاية ترامب الأولى، توماس جولدبرجر، كان دبلوماسيًا مهنيًا صاحب مسيرة ممتدة وشغل مناصب في بغداد وتل أبيب، والأمر نفسه بالنسبة للسفيرة السابقة هيرو مصطفى بخلفيتها المرتبطة بملفات المنطقة.
لذا فإن اختيار نيك أوبرهايدن من خارج المسار لا شك أمرٌ لافتٌ يثير التساؤلات، وإن انسجم مع النمط الأوسع في تعيينات ترامب، الذي مال في ولايتيه إلى ترشيح شخصيات ترتبط به بعلاقات شخصية أو سياسية.
محاماة وتجنيد
بنى أوبرهايدن أسطورته كمحامٍ فيدرالي مُطلع على أسرار أمريكا. قضى مسيرته مدافعًا عن رجال أعمال ومسؤولين حكوميين وعسكريين في قضايا شديدة الحساسية والإشكالية، لذا لا غرابة في أن يُعرِّف نفسه بأنه واحدٌ من بين محامين محدودين تسمح لهم الحكومة الأمريكية بالاطلاع على ملفات سرية، بعضها يتعلق بمعلومات تمس الأمن القومي الأمريكي، في قضايا تجسس اتُّهم فيها موكلوه بإفشاء معلومات حساسة أو العمل لمصلحة جهات أجنبية.
رغم ذلك، وبعيدًا عن المحاماة، لم يبرح أوبرهايدن يُعبِّر عن حلم طالما راوده كثيرًا، بالانخراط في السلك الدبلوماسي، وهو ما عاد وصرح به أخيرًا خلال لقاء مع مجلة دالاس الأمريكية في يوليو/تموز 2025، حيث أكد على رغبته في تولي مهام دبلوماسية، مع أنه لم يأتِ من خلفية أو دراسة للعلاقات الخارجية، ولا تجربة لديه في العمل الدولي.
وُلد أوبرهايدن في ألمانيا لأسرة تعمل في الطب، والده وشقيقه طبيبان، واختار هو القانون، وحصل على درجة الدكتوراه فيه قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن الحالي، وينال شهادةً إضافيةً من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ليتمكن من ممارسة المحاماة.
خلال هذه الرحلة، تعلم الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والبرتغالية إلى جانب لغته الأم الألمانية، ثم عمل لعدة سنوات في مكتب محاماة كبير في نيويورك قبل أن يؤسس مكتبه الخاص عام 2010، حيث تخصص في القضايا الفيدرالية الكبرى المرتبطة بالحكومة، إلى جانب الدفاع عن كبار المسؤولين ورجال الأعمال.
تمتد طبيعة القضايا التي يتولاها، بحسب ما يُقدّمه عن مسيرته المهنية على موقع مكتبه على الإنترنت، إلى ملفات تتضمن "أسرارًا عسكرية" وموضوعات مرتبطة بـ"عالم الاستخبارات الأمريكية في دول أجنبية"، وصولًا إلى قضايا تتعلق ببيع معلومات لدول أجنبية وتمثيل متهمين تعتبرهم الدولة أعداءً لها.
هذا ما جعل الصحفي الأمريكي ويل مادوكس يشبّه عمل أوبرهيدين، في مقال كتبه لمجلة دالاس، بالانخراط في أفلام الإثارة الأمريكية، إذ يلتقي عادةً مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى، من عملاء المباحث الفيدرالية/FBI، وموظفي وزارة العدل، وعملاء الخدمة السرية ووزارة الحرب/البنتاجون، في غرف محصنة وأماكن سرية، مع تعليمات شديدة الصرامة لضمان خصوصية النقاشات التي يجريها بخصوص موكليه، ومنهم موظفون في وزارة الحرب متهمون بقضايا تجسس.
لا يقتصر دور أوبرهايدن في هذه القضايا شديدة الحساسية على الدفاع عن موكليه فقط، لأنه يلعب أدوارًا في تجنيدهم لصالح الحكومة الأمريكية، أو كما يقول لمجلة دالاس؛ "في تسع من كل عشر حالات، تكون مهمتي تحويل أشخاص سيئين إلى شيء ذي قيمة للولايات المتحدة. حتى الشخص السيئ يمكن تحويله إلى مصدر ثمين... يساعد الولايات المتحدة بمعلومات بالغة القيمة".
على هوى ترامب
تُظهر سيرة أوبرهايدن علاقة وطيدة تجمعه بترامب وإدارته الجمهورية، تثبتها سجلات التمويل السياسي إذ ضخ أكثر من مليون دولار في قنوات داعمة لترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كما تبرع في يناير/كانون الثاني 2025 بمبلغ 500 ألف دولار للجنة تنصيب ترامب-فانس، حسب تقرير يستند إلى إفصاح لجنة الانتخابات الفيدرالية.
وبعيدًا عن التمويل السياسي، برز اسم أوبرهايدن على سطح الحياة السياسية الأمريكية مقترنًا بالدفاع عن عدد من المتهمين في قضايا ترتبط بترامب ومحيطه القريب وضمنهم أنصاره، وصولًا إلى ملاحقة المؤسسات الدولية التي يناصبها الرئيس الأمريكي العداء.
يجيد أوبرهايدن تسويق نفسه في الدائرة القريبة من ترامب، ويحيط نفسه بعدد من أقوى الرجال
فقد دافع عن مايكل كوهين، محامي ترامب السابق، في القضية التي اتُّهم فيها بتسهيل جرائم لصالح ترامب. وشملت قائمة الاتهامات التهرب الضريبي والاحتيال البنكي، إلى جانب انتهاك قوانين تمويل الحملات الانتخابية عبر ترتيب صفقة مع ممثلة الأفلام الجنسية ستورمي دانييلز، لإخفاء علاقتها بترامب خلال حملته الانتخابية في 2016.
كما دافع أيضًا عن عدد من المتظاهرين الذين شاركوا في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وتأكد من عدم توجيه اتهامات جنائية لهم. وهي الأحداث التي هاجمت خلالها جماعة من أنصار ترامب مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن، لتعطيل فرز الأصوات الانتخابية وإضفاء الطابع الرسمي على فوز الرئيس السابق جو بايدن بالانتخابات الرئاسية.
وبعد فترة قصيرة من اندلاع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، أعلن إقامة دعوى تستهدف تعويض أي إسرائيلي أمريكي، أو أمريكي يحمل جنسية أخرى، عن الأضرار التي لحقت به أو بذويه جراء الهجمات التي نفذتها حماس، مع السعي إلى اقتطاع هذه التعويضات من أموال مجمدة تعود إلى دول وبنوك متهمة بدعم حماس في "الإرهاب"، وعلى رأسها إيران وسوريا.
كما تعهد بملاحقة الأمم المتحدة قضائيًا، عبر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين/الأونروا، مُكررًا الاتهامات الإسرائيلية للوكالة بالتواطؤ مع حماس من خلال السماح بتخزين الأسلحة في المدارس، وتعيين أفراد مرتبطين بالحركة. تنفي الأونروا هذه الاتهامات التي فندها تقرير لجنة تحقيق بقيادة مستقلة بقيادة وزيرة الخاريجة الفرنسية السابقة.
في نفس الوقت، لا يظهر ضمن سجل أوبرهايدن قضايا مماثلة لتعويض الأمريكيين من أصل فلسطيني أو لبناني من ضحايا جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة والأراضي المحتلة.
حول رجال الرئيس
يجيد أوبرهايدن تسويق نفسه جيدًا في الدائرة القريبة من ترامب، ويحيط نفسه بعدد من أقوى الرجال في الولايات المتحدة، وأقربهم إلى الرئيس الأمريكي. كما تحتشد صفحته الشخصية على إنستجرام بصوره مع أهم الرجال والنساء في عالم السياسة الأمريكية.
لا يكتفي بصوره مع هؤلاء النخبة، فالعلاقة بهم تمتد إلى صلب مهنته، إذ يعمل في شركته أكثر من 100 محقق كانوا عملاء سابقين في FBI والخدمة السرية، بالإضافة إلى عدد من المدعين الفيدراليين السابقين، بينهم ثلاثة من أقرب رجال ترامب، رغم بعض المناوشات الأخيرة.
ويدعم غياب أي بيانات عن ماضيه قبل هجرته إلى الولايات المتحدة، الصورة التي يرسمها لنفسه. يظهر أوبرهايدن في لقاءاته المسموعة والمصورة وأغلب المواد المكتوبة عنه، شخصيةً غامضةً و"براند" مصممًا بعناية. نجم سينما هوليوودي يؤدي دور محامٍ في أفلام الإثارة القضائية أو إحدى شخصيات روايات الجاسوسية الدولية.
داخل إطار هذه الصورة يحرص دائمًا على الهندام والوسامة، يبدو مبتسمًا ومهذبًا، يرتدي بدلة ثمينة طوال الوقت، يختار كلماته بعناية فائقة، حتى تشعر أن كل كلمة في كل لحظة هي نص مُحضَّر مسبقًا، ما جعله بالفعل ضمن دائرة صغيرة للغاية من أشهر المحامين الفيدراليين في الولايات المتحدة، لدرجة أنه عند البحث في جوجل عن "محامٍ فيدرالي"، تشير النتائج الأولى جميعها إلى مكتبه.
ليس أوبرهايدن وحده حارس هذه الصورة، إنه دورٌ يتكفل به كل من يعمل معه، ما يظهر من وصفه على لسان جينيفر كورينيس، المدعية الفيدرالية السابقة ومستشارة التقاضي في شركته، بأنه "شخص فريد من نوعه. هو دائم السفر حول العالم، ومع ذلك فهو متاح دائمًا. يقدم الدعم، لكنه يعرف متى يتركنا وشأننا؛ ويعرف كيف يوظف أشخاصًا يركزون على تحقيق أهدافنا ولديهم دافعية ذاتية. لا أدري كيف يفعل ذلك. إنه متزن، هادئ، ولطيف".

