تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
هل استفادت عائلة ترامب ومسؤولي إدارته من المعلومات السرية لتحقيق مكاسب في البورصة ومواقع الرهانات؟

اقتل واربح.. رجال ترامب يراهنون على جرائمهم

منشور الاثنين 8 حزيران/يونيو 2026

صباح يوم 28 فبراير/شباط الماضي، وضع صاحب حساب مجهول على منصة Polymarket رهانًا بـ20 ألف دولار على أن المُرشد الإيراني علي خامنئي لن يكون على قيد الحياة بنهاية مارس/آذار. بعدها بساعات قُتل خامنئي في غارة أمريكية إسرائيلية على طهران، ليُدر الرهان 120 ألف دولار على صاحبه. قد يبدو ذلك مجرد ضربة حظ؛ فاحتمالات اغتيال خامنئي خلال شهر لم تكن مستبعدةً تمامًا حينها. لكنَّ رهانًا جماعيًا آخرَ حدث في اليوم السابق طرح الكثيرَ من الأسئلة.

فقبل يومٍ واحدٍ من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وضع 150 مُستخدمًا رهاناتٍ مختلفةً على أن الحرب ستندلع خلال 24 ساعة، وأثبتت التحقيقات أن حسابًا واحدًا باسم Magamyman حصد وحده أكثر من 553 ألف دولار من رهانات مرتبطة بإيران وخامنئي قُبيل الضربات مباشرةً.

بعكس توقع موت خامنئي خلال شهر، تنتهي صلاحية هذه الرهانات خلال يوم واحد، ما يُحقق خسارةً أو فوزًا مؤكدًا لصاحبها، ويزيد من الشكوك اعتماده على المعلومات أكثر من الحدس، مثلما حدث في الرهان الذي ربح صاحبه 400 ألف دولار بعد توقعه اختفاء الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قلب فنزويلا في نفس يوم اختطافه في عملية سرية أمريكية لم يُعلن عنها إلا بعد تنفيذها. لاحقًا، تبيَّن أن صاحب الرهان جندي شارك في العملية، وكان مُطَّلعًا على المعلومات السرية المتعلقة بها.

التجارة في التنبؤ

شهدت منصات الرهان الإلكترونية إقبالًا واسعًا من الأمريكيين، خصوصًا خلال فترة ترامب الثانية، إذ راهن رواد تلك المنصات على الأحداث الرياضية والفنية وصولًا إلى الإهانات التي سيوجهها ترامب لخصومه السياسيين.

منصة Polymarket للرهانات، الأشهر في الولايات المتحدة، تعمل على فكرة "أسواق التنبؤ"، إذ تحول الأحداث المستقبلية إلى أسهم مالية يمكن تداولها بين المراهنين، بحيث يشتري المستخدمون أسهم "نعم" أو "لا" لحدث معين بأسعار تتراوح بين سنت ودولار واحد، بناءً على احتمالية حدوثه.

ما يبقى غامضًا هو هوية الشخص أو الجهة التي تتحكم في المحفظة وليس حركة الأموال

في يناير/كانون الثاني 2022، فرضت الهيئة الأمريكية لتداول السلع الآجلة غرامةً قدرها 1.4 مليون دولار على Polymarket بتهمة تشغيل منصة غير مسجلة لتداول المشتقات والخيارات الثنائية. وفي إطار تسوية قضائية، أُجبرت على حظر جميع المستخدمين داخل الولايات المتحدة، ما دفع المستخدمين الأمريكيين نحو الشبكات الافتراضية الخاصة مثل "VPN" للوصول إلى الموقع والمراهنة.

تعتمد تلك المنصات على العملات المشفرة والمستقرة، مثل USDC المرتبطة بالدولار، لضمان استقرار القيمة. تقوم شبكة بلوكشين مثل Polygon بتوثيق الصفقات، وهي شبكة معلنة وحركة أموالها متاحة أمام العموم، وما يبقى غامضًا فقط هو هوية الشخص/الجهة التي تتحكم في المحفظة، وليس حركة الأموال نفسها.

ترامب رجل المراهنات

بالذات أثارت قضية الجندي و"نبوءة فنزويلا" جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأمريكية، ما دعا ترامب وقتها للتصريح بأنه يكره أسواق المراهنات والتنبؤ، حسب صحيفة نيويورك تايمز التي ذكرت أيضًا أن البيت الأبيض حذر موظفيه من المراهنة على قرارات الحكومة.

غير أن هذه الكراهية لم تترجم إلى أرض الواقع، فترامب وأسرته يعملون في أسواق المراهنات والتنبؤ منذ التسعينيات، حين لجأ إلى المراهنات الرياضية كـ"طوق نجاة" حين تعثرت كازينوهاته في أتلانتيك سيتي.

يعمل ترامب الابن مستشارًا ماليًا لأكبر شركتين تمت عليهما أغلب الرهانات

كما أعلنت شركة Trump Media & Technology Group، التي تُعد أكبر مصدر لثروة ترامب منذ طرحها للاكتتاب العام في عام 2024، عن خطط لإطلاق منصتها الخاصة للمراهنات التنبؤية القائمة على العملات المشفرة، تحت اسم "Truth Predict".

كذلك يعمل دونالد ترامب جونيور، الابن الأكبر للرئيس، مستشارًا ماليًا لشركتي كالشي وبولي ماركت التي تمت عليهما أغلب الرهانات، بالإضافة لكونه مستثمرًا كبيرًا فيهما.

وفي جلسة استماع للكونجرس الأمريكي، وجه النائب الديمقراطي جيم ماكجوفرن إلى مايك سيلج رئيس لجنة تجارة السِلع والمستقبليات/CFTC سؤالًا بخصوص تورّط عائلة ترامب، فأجاب "بأن الهيئة لا تتسامح مع التلاعب في الأسواق"، وعند سؤاله عن المصالح المالية للابن الأكبر لترامب، التي تمنع نواب الكونجرس من منع هذا النشاط، امتنع سيلج عن الإجابة.

وردًا على علاقة ابن ترامب بسوق المراهنات، قال المتحدث باسمه، أندرو سورابيان لشبكة "سي إن إن"، إنه "لا يتداول في أسواق التنبؤات، وأن دوره مع شركتي كالشي وبوليماركت يقتصر على تقديم المشورة بشأن استراتيجيات التسويق".

ما هو أبعد من المُراهنات

ليس المراهنون فقط من يتربحون من المعلومات، هناك الكثيرون ممن حققوا أرباحًا كبيرة عبر المضاربة في البورصة. يأتي وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث على رأس هؤلاء، إذ سعى قبل أسابيع من بداية الحرب على إيران لإبرام صفقة استثمارية ضخمة مع أحد صناديق السلاح الأمريكية، من خلال وسيطه المالي في بنك مورجان ستانلي.

صحيح أن هذه الصفقة لم تتم في النهاية، لكن السعي إليها كشف سعي مسؤولين لتحويل معلومات سرية حصرية إلى أموال، وهو ما دفع السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت كريس ميرفي لاتهام "الأشخاص المحيطين بترامب بأنهم يتربحون من الحرب والموت".

سكرينشوت لرهانات على التطورات الميدانية في إيران على موقع بولي ماركت

وبعدما هدد ترامب بتدمير محطات الطاقة والنفط والبنى التحتية الإيرانية، استعدت الأسواق بالهبوط في سوق الأسهم والارتفاع في سوق النفط، حدث ما لم يتوقعه أحد؛ نشر ترامب على تروث سوشيال الساعة 07:05 يوم الاثنين 23 مارس، عن مُهلة لمدة 5 أيام، لافتًا إلى مفاوضات مع الجانب الإيراني، غير أن السيناتور ميرفي لاحظ عمليات بيع وشراء مزدوجة قبل نشر التدوينة بدقائق.

قبل 15 دقيقة من تدوينة ترامب، اشترى شخصٌ أو عدة أشخاص أسهُمًا في مؤشر S&P 500 بقيمة 1.5 مليار دولار، تكرر الأمر في عدة أسواق دولية منها DAX الألماني وEuro Stoxx 50 الأوروبي.

في تلك الـ15 دقيقة نفسها، بيعت عقود مستقبلية على خام برنت بما قيمته 580 مليون دولار، أي ما يُعادل 6200 عقد خلال خمس دقائق، وهي زيادة ملحوظة دون أي سبب مُبرر، حيث يتم المتاجرة بنحو 700 عقدًا فقط في اليوم، لذا كان ما حدث صادمًا للجميع.

أرباح الحرب

تكررت المضاربات الداخلية في البورصة مرة أخرى يوم الجمعة 17 أبريل/نيسان، فحسب ما أوردت وكالة رويترز، قُبيل إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز صار مفتوحًا، بيع ما مجموعه 7990 عقدًا على خام برنت بما يعادل 760 مليون دولار. 

هل تتخذ قرارات الحرب والسلم بما يخدم محفظة ترامب الاستثمارية؟

لكن الكشف الأكثر خطورةً جاء في 14 مايو/أيار 2026، حين نشر مكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية وثيقة من 113 صفحة تُثبت أن حسابًا باسم ترامب نفّذ 3,642 صفقة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، بحجم يتراوح بين 220 مليونًا و750 مليون دولار، بمعدل 60 صفقة يوميًا.

الأكثر إثارة أن الحساب في اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب وقف التصعيد مع إيران وانهارت فيه أسعار النفط 11%، كثف من شراء أسهم شركات البترول كإكسون موبيل وشيفرون، إلى جانب شركات الدفاع كلوكهيد مارتن وجنرال دايناميكس. هذه الشركات لا تربح من السلام، بل تربح من الحرب. أي أن ترامب كان يقول لشعبه "الحرب توشك على الانتهاء"، بينما يضع أمواله الخاصة على الطرف النقيض تمامًا، رهانًا على أن الحرب ستطول.

هذا لا يطرح فقط سؤالًا من أين جاءت المعلومة، بل سؤالًا أشد خطورة: هل قرارات الحرب والسلم نفسها تتشكّل، ولو جزئيًا، بما يخدم محفظته الاستثمارية؟

لن يتكرر ما حدث مرة أخرى

لا يرى الاقتصادي الأمريكي أدام مايكل، الباحث في معهد Libertarian Cato، أن "المشكلة الأساسية في التلاعب بالبورصة، وإنما في الفساد العام، حين تستغل إدارة فاسدة تدخل الدولة العميق في مختلف الأسواق والتأثير عليها".

على سبيل المثال، منح ترامب عفوه الرئاسي لما يزيد عن 70 شخصًا يواجه أغلبهم تُهمًا بالاحتيال أو التهرب الضريبي، إلا أنهم من المانحين والحلفاء الذين اعتمد عليهم للوصول إلى هذا المنصب، أو دفعوا نظير خدمات قدمها لهم. ومنتصف عام 2025، ألغت إدارة الأمريكية العديد من الدعاوى القانونية التي وُجهت إلى 166 شركة، قدمّت 30 منها دعمًا وتبرعًا إلى ترامب نفسه وإلى حملته الانتخابية.

ويبدو أنه قرر  في إدارته الجديدة أن يمنع تكرار ما حدث بنهاية فترته الماضية عن طريق تفكيك الهيئات القانونية التي قد تُشكل خطرًا على دائرته المُقربه وحلفائه. في سبيل ذلك خفض عدد المحامين والقانونيين العاملين في  قسم النزاهة العامة/Public Integrity Section في وزارة العدل، الذي تأسس بعد فضيحة وترجيت في فترة الرئيس نيكسون، من 36 إلى عضوين فقط، منعا لمتابعة أي قضايا جديدة.

أما هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية/SEC، التي من المُفترض أن تُشرف على نزاهة الممارسات التجارية والمالية، فقد استقالت رئيستها هذا العام بعد منعها من مُلاحقة أي قضايا تخُص عائلة ترامب أو الدائرة المحيطة به، وبدلًا منها أسس قسم جديد لمكافحة الاحتيال والجرائم المالية، على أن يعمل ضد الديمقراطيين فقط، وتحت رئاسة نائب الرئيس جي دي فانس.

حتى لجنة تجارة السِلع والمُستقبليات CFTC، التي طُلب من رئيسها مايك سيلج أن يُحقق في العمليات المشبوهة في سوق الرهانات، تعاني من نقص في الموظفين والتمويل، وامتنع ترامب عن تعيين أعضاء جدد لإدارتها، ما ترك رئيسها الحالي وحده في مجلس من المفترض أن يضم خمسة أعضاء.

هكذا تدور عمليات التربح غير المشروعة في البورصة وسوق الرهانات بنمط مُتكرر؛ مصدر واحد يمتلك معلومة لا يُمكن للأغلبية الوصول إليها، بينما لا توجد هيئة تحقيق يُمكنها كشف هذه الانتهاكات ومُحاسبة المتورطين فيها، والفضل يعود لترامب.