العنف الذي يبقى.. تاريخ الاغتصاب بوصفه أداة حرب
ثمة أسلحة أشد فتكًا، وأقسى أثرًا، لا تُصنع في المصانع، ولا تُشترى في أسواق السلاح، إنما تُمارَس بالجسد على الجسد، وتستهدف ما هو أعمق من اللحم والعظم؛ إذ تنال من الهوية والكرامة والذاكرة الجماعية.
على رأس هذه الأسلحة يبرز الاغتصابُ سلاحًا قديمًا قدم الحروب ذاتها، طالما استُخدم على امتداد الجغرافيا وتوالي الحقب، وإن تفاوتت أشكاله ودرجات الاعتراف به. فما الذي يجعل من الجسد الأنثوي ساحة للحرب؟ وكيف أصبح الاغتصاب جريمة؟ وما الذي ينقص منظومة العدالة الدولية حين يتعلق الأمر بالضحايا؟
جريمة حرب
مثّلت حقبة ما بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي في تسعينيات القرن الماضي وما تبعتها من صراعات، اختبارًا حقوقيًا وأخلاقيًا، إذ وثقت التقارير الأممية اغتصاب ما يتراوح بين عشرين ألفًا وخمسين ألف امرأة مسلمة في البوسنة والهرسك فيما عرف بـمعسكرات الاغتصاب التي أقامتها قوات الصرب. لم يكن الأمر مجرد عنف حربي بل استراتيجية لإجبار النساء على الحمل من الأعداء بهدف تغيير التركيبة العرقية للمنطقة، وهو ما وصفه قانونيون لاحقًا بـالإبادة الجنسية.
اعتبر الاغتصاب الممنهج في زمن الحرب جريمة ضد الإنسانية
في عام 1993، أقام مجلس الأمن المحكمة الجنائية الدولية لدولة يوغوسلافيا السابقة للتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي ارتُكبت في حروب تفككها. وعلى مدى السنوات التالية، استمعت المحكمة إلى مئات الناجين والناجيات، من بينهم نساء احتُجزن في فيشجراد وتعرضن للاغتصاب والاستعباد الجنسي، لتكشف شهاداتهن أن ما جرى ليس انفلاتًا فرديًّا، إنما سياسة ممنهجة استُخدمت سلاح حرب، لذا أصدرت المحكمة حكمها التاريخي باعتبار الاغتصاب الممنهج في زمن الحرب جريمة ضد الإنسانية، ما أرسى أساسًا قانونيًّا لم يكن قائمًا من قبل.
وفي 1994، شهدت رواندا إبادةً جماعيةً استُخدم خلالها الاغتصاب سلاحًا منهجيًا ضد نساء التوتسي، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما بين 200 إلى 500 ألف امرأة تعرضن للاغتصاب خلال نحو مائة يوم. لتصدر المحكمة الجنائية الدولية لرواندا حكمها التاريخي في قضية جان بول أكاييسو عام 1998، معتبرةً الاغتصاب والعنف الجنسي فعلًا من أفعال الإبادة الجماعية إذا ارتُكبا بقصد تدمير جماعة محمية، في سابقة مفصلية في القانون الجنائي الدولي.
سوريا نموذجًا
هذا الإرث القانوني المتراكم والأحكام الدولية لم يوقفا استخدام الاغتصاب سلاح حرب، ففي سوريا المشتعلة منذ عام 2011، وثقت لجنة التحقيق الأممية المستقلة ومنظمة هيومن رايتس ووتش شهادات مئات النساء اللواتي احتُجزن في مراكز الاعتقال وتعرضن للاغتصاب والتعذيب الجنسي.
في بعض مراكز الاحتجاز الحكومية، استخدم الاغتصاب أداةَ ابتزاز لإجبار أسر المعتقلات على الإفصاح عن ذويهم أو التخلي عن نشاطهم. كما وثقت المنظمات الحقوقية ذاتها جرائم اغتصاب ارتكبتها أطراف مسلحة متعددة.
ما يجمع هذه الحالات السورية بما سبقها من نماذج البوسنة والهرسك ونساء التوتسي، هو أن الاغتصاب كان في أغلب الحالات مرافقًا لعمليات التهجير القسري؛ فالنساء اللواتي تعرضن لمثل هذه الممارسات كثيرًا ما كانت أُسرهن تستسلم لمغادرة منازلها وقراها. ولا يبقى التهجير نتيجة للقصف وحده، بل يصبح في حالات كثيرة الهدف من العنف الجنسي.
هذا ما يفسر وعي من يُدير الاغتصاب الممنهج بما يفعله، ويكشف الجوهر السياسي لاستخدام الجنس أداة ورسالة موجهة إلى الرجال الذين "فشلوا في حماية نسائهم"، وإلى الجماعة التي تُصاب في ما تراه مقدسًا، وإلى المجتمع الذي يُكسر تماسكه حين تُكسر أجساد نسائه.
سلاح الأمس في حروب اليوم
لا يبدو الوضع الراهن في السودان الذي يشهد منذ أبريل/نيسان 2023 واحدة من أشد الأزمات الإنسانية وطأة في القرن الحادي والعشرين، منفصلًا عن تاريخ دارفور نفسها؛ إذ يعاد إنتاج المنهج ذاته الذي استُخدم مطلع الألفية الثالثة حين أدرج المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الاغتصاب ضمن اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة إلى عمر البشير.
وثقت هيومن رايتس ومنظمة العفو الدولية انتهاكات جنسية وصور إذلال بحق معتقلات فلسطينيات
بالمنطق ذاته، وثقت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية موجات من الاغتصاب الجماعي ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور والخرطوم والجزيرة وسواها، إذ يُشكل العنف ضد النساء المقدمة التي تمهد لإخلاء الأرض من سكانها وتحول التهجير القسري أداة تطهير ديموغرافي.
بالفعل رصدت تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حالات عنف جنسي تتركز في مناطق التهجير ذاتها، مما يكشف أن التهجير ليس فقط أثرًا للعنف الجنسي بل يُعاد إنتاجه في حلقة متواصلة بحيث لا تنتهي الحرب حين تنتهي المعارك، فثمة حرب أخرى تشتعل بعدها بصمت، لا تُسجل في نشرات الأخبار ولا تستقطب اهتمام المراسلين، لكنها تخترق حياة النساء في كل أصقاع الأرض التي مسها الدمار.
في فلسطين، يأخذ الأمر أبعادًا مختلفة من حيث توثيق العنف الجنسي المباشر، لكن ما تكشفه التقارير لا يقل خطورة، فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية انتهاكات جنسية وصور إذلال جنسي بحق معتقلات فلسطينيات في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وأشارت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة إلى تقارير عن اعتداءات جنسية تجري في أماكن الاحتجاز، مطالبةً بتحقيق مستقل، بالذات مع إقرار المقرر الخاص المعني بحالات التعذيب بأن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.
تدنيس المقدس
تبقى الإشكالية الجوهرية التي تعترض توثيق هذه الجرائم عبر تاريخها الطويل وفي حاضرها الراهن على السواء هي صمت الناجيات، ففي مجتمعات يُلقى فيها العار على الضحية لا على الجاني، تصمت كثيراتٌ من النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي، لأن الكشف في أحيان كثيرة يعني خسارة مضاعفة؛ خسارة الاعتراف بكونهن ضحايا، وخسارة مكانتهن الاجتماعية في الوقت ذاته.
هذا الصمت ليس ضعفًا بل معادلة فرضتها منظومةٌ يدفع فيها المعتدى عليه ثمن الاعتداء، وهو ما يخدم السلطة ويعفيها من المحاسبة، ويمنح الآخرين الضوء للاستمرار في مثل هذه الممارسات في مأمن من العقاب.
تبدو الإجابة على سؤال لماذا لم تتوقف مثل هذه الممارسات منذ البوسنة وحتى غزة الراهنة؟ سهلةً وبسيطةً مهما تعقدت تبعاتها: ببساطة لأن العنف الجنسي يُحقق ما لا يُحققه القصف؛ يُدمر الرابط بين الإنسان وأرضه عبر تدنيس ما تعده مجتمعاته مقدسًا. كما أنه يُجبر مجتمعاتٍ بأسرها على الفرار بدافع الخوف لا فقط بدافع الدمار المادي، ويُخلف لدى الأجيال التالية ندوبًا نفسية وأسرية تعمل على تفتيت الذاكرة الجمعية.
إن ما يصنعه هذا التاريخ المتراكم في الوعي الجمعي يتجاوز الضرر المباشر الواقع على الضحايا يُرسخ ببطء فكرة أن الجسد الأنثوي ذو طبيعة رمزية قبل أن يكون ذا طبيعة إنسانية، وأن العنف الواقع عليه قابل دائمًا لأن يُستأنف في خدمة هدف أعلى.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
