تصميم: أحمد بلال- المنصة
يعيش ضحايا الاعتداء الجنسي تبعات الاعتداء عليهم طوال حياتهم

لماذا لا تُبلغ النساء عن المغتصب؟

منشور الاثنين 6 تموز/يوليو 2026

يُصنِّف القانونُ الاغتصابَ -وإن لم يُسمِّه- جريمةً عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد. لكن رغم ذلك، تقلُّ البلاغات المقدّمة بمعدلات ملحوظة، تثير تساؤلات عن دوافع الضحايا للكتمان، ومخاوفهن من الانخراط في عملية إبلاغ كثيرًا ما تكون أكثر رعبًا من الجرم نفسه.

لا يبدو إحجام عن الإبلاغ لغزًا سهلًا؛ كونه نتيجةَ شبكة معقدة ومتداخلة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والقانونية والجندرية، يعالجها علم نفس الأعصاب/neuropsychology. فالاغتصاب ليس اعتداءً جسديًّا مؤلمًا فقط، بل هو حدث صادم يؤثر على الجهاز العصبي للضحية، ويترك آثارًا عميقة على المخ تظهر من خلال تجمد الدماغ/tonic immobility.

يُفسِّر علم الأعصاب عدم مقاومة ضحية الاغتصاب بتجمّد الاستجابة/freeze response نتيجة شعورها بالخطر الشديد وتهديد الحياة، مع توقّف الجهاز العصبى السمبثاوي عن إرسال إشارات الحركة. تحدث هذه الاستجابة البيولوجية التلقائية عندما يدرك المخ أن المقاومة قد تزيد من الخطر، فلا يعمل تحت التهديد بطريقة سردية منظمة بل مدفوعًا بغريزة البقاء. وتستمر هذه الحالة بعد الحادث لوقت قد يطول أو يقصر كلٌّ حسب حالتها.

هذا ما تعبر عنه واحدة من الحالات التي تعرضت للاغتصاب "وقعت فى حيرة ولخبطة لسنين كتيرة، ساعات أبقى مش فاهمة اللى حصل، وأحيانًا مش متأكدة حصل ولا لأ، مش عارفة حصل لي أنا ولا حد حكالي، ولا كنت بحلم بس أنا عارفة إني خايفة أغلب الوقت وكأنى عاملة عاملة".

تقع ضحية الاغتصاب فريسة لمشاعر وأفكار الشك والحيرة والخوف من الصدمة وعدم التصديق لفترات طويلة. كثيرات ممن تعرضن لهذا النوع من الاعتداءات يصبن بالخدر أو الانفصال عن الواقع، ويكافحن لاستيعاب ما حدث مع عدم القدرة على إدراك حقيقة ما جرى، والتشكك فيه إلى حد ألا تعي الضحية هل وقعت هذه الأحداث بالفعل أم لا.

كما يتملكهن خوفٌ عميقٌ على سلامتهن الشخصية، وغالبًا ما يصاحبه قلق من عودة الجاني أو انتقامه، وهو ما يُعرِّفه علم النفس بالصدمة العصبية.

الانفصال آليةَ دفاع

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

في أحيان عدة، تعيش الضحية حالةً من الانفصال عن الذات الواعية/dissociation. وتظهر شهادات كثيرات من ضحايا اغتصاب مدى شعورهن بأن ما حدث لم يكن يحدث لهن، بل ثمة ذات أخرى تعيش هذه التجربة المؤلمة، وأحيانًا يصفن هذه الخبرة بالحلم أو الكابوس المزعج الذي حاولن الاستيقاظ منه لكن فشلن فى النهاية.

تحدث حيلة الانفصال الدفاعي بطريقة لا شعورية، ولها وظيفة نفسية مهمة في أثناء الحدث الصدمي، وهي حماية الضحية من الانهيار. لكن أحيانًا ما تنتج عنه مضاعفات أخرى مثل عدم القدرة على تذكر التفاصيل، أو السرد غير المترابط، وعدم ثقة الضحية في ذاكرتها، ما يزيد مخاوفها من البوح، لأنها ببساطة تخشى ألا يصدقها أحد.

من الحيل الدفاعية التي تلجأ إليها بعض الضحايا أيضًا النسيان للتعامل مع الألم النفسي المرتبط بالخبرة الصادمة. لكن الأمر هنا أكثر تعقيدًا من مجرد اختيار واعٍ للنسيان، إذ تصاحبه حيلةٌ دفاعيةٌ أكثر قوة وفاعلية وهي الكبت/repression الذي تحاول الضحية من خلاله إبعاد الخبرة المؤلمة عن الوعي بشكل لا شعوري، بحيث تصبح الذكرى ضبابية ويصعب تذكرها.

الخزي والعار والذنب

رغم أن المسؤولية الفعلية تقع على المعتدي؛ تحاول الضحية عبر التفكير المنطقي استعادة إحساسها بالسيطرة على الموقف مرة أخرى، من خلال جلد الذات والإحساس بالخزي والعار والذنب، وكأنها شريك في هذا الفعل، وتساورها أفكار مثل: ربما كان خطأي، احتمال أكون السبب فيما حدث، ربما كان علي أن أقاوم أكثر.

هذا ليس العبء الوحيد الذي تعاني منه الضحية، فالمجتمع لم يدّخر جهدًا في إضافة المزيد لدرجة تدفع للإحجام عن الإبلاغ طلب المساعدة. فبدلًا من التركيز على المعتدي، يتحول التحقيق الاجتماعي فورًا إلى لوم الضحية، ونصب محاكمة أخلاقية لها، ومحاصرتها بالأسئلة الاستنكارية التي تحمل في طياتها تشكيكًا وعدم تصديق مثل: لماذا كنتِ بمفردك؟ لماذا تأخرتِ؟ ماذا كنتِ ترتدين؟ لماذا لم تصرخي؟

هذا الحصار يزيد من شك المرأة في نفسها، ويدفعها أكثر نحو التراجع عن الإبلاغ أو طلب المساعدة، كأن لسان حالها يقول ويكرر "اسكتي لن يصدقك أحد".

في المجتمعات الأبوية الذكورية التقليدية ثمة ارتباط شرطي صريح وواضح بين شرف العائلة وجسد الأنثى

نتيجةً للتربية والمفاهيم الاجتماعية والثقافية المنتشرة؛ تتجذر في عقل المرأة مفاهيم عن صورتها النفسية بأنها عورةٌ وعبءٌ، ما يقف عقبةً في طريق مطالبتها بحقها ومعاقبة المعتدي، إضافة إلى التشكيك الدائم في نواياها عمومًا، وتجاه الرجل خصوصًا، فهي المسؤولة دائمًا عن إثارة شهواته وغرائزه الجنسية كأنه شخص مسلوب الإرادة.

ثمة ارتباط شرطي أيضًا بين شرف العائلة وجسد الأنثى، الذي لا يعامل في المجتمعات الأبوية الذكورية التقليدية بوصفه ملكًا لها، بل مشروع اجتماعي يخضع للرقابة والتحكم فيه وفق أهواء وقواعد المجتمع. تتعلم الفتاة منذ نعومة أظفارها أن عليها حماية "شرفها" لأنه يمثل شرف العائلة، ما يشعرها بالخوف الدائم من الفضيحة، وتسيطر عليها مشاعر الدونية والذنب. فتمتثل لرسائل المجتمع "انسي الموضوع، ما تفضحيش نفسك، فكري فى مستقبلك".

الاغتصاب أداة سيطرة

تشير العديد من الدراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن دوافع الاغتصاب ليست إشباع الرغبة الجنسية فقط، لكن بالسلطة والسيطرة والرغبة في إذلال وإخضاع المرأة وممارسة القوة عليها، بالأخص حال تحدّيها الأدوار الاجتماعية التقليدية، كأن تتكون لديها رغبة في الاستقلال الاقتصادي أو المطالبة بالميراث، أو ممارسة نشاط سياسي أو التمسك بالعمل، خاصةً في مهن غير معتادة اجتماعيًّا، إذ يعتبر التهديد بالعنف الجنسي آلية تاريخية لإخضاع النساء، ويصبح الصمت نتيجةً مباشرةً لعدم توازن القوة بين الرجال والنساء داخل المجتمع. 

العنف ضد المرأة

قد تتشابك الأمور وتتعقد أكثر وأكثر ويثقل العبء على الضحية فى إمكانية الإبلاغ عندما يكون المعتدي من دوائر الدعم والأمان الأساسية في حياتها، مثل الأب، الزوج، الأخ، الجد، الخال، العم، رجل دين وغيرهم. 

هنا تعاني الضحية صراعًا نفسيًّا عميقًا ومُركَّبًا بين الارتباط والتعلق العاطفي من جهة، والأذى النفسي والجسدي من جهة أخرى، مفاده "هو يؤذيني لكني أحبه وأحتاج إليه وأثق به". هذا التناقض لا يعوق فقط القدرة على الإبلاغ بل الرغبة فيه.

قد يطول هذ الصراع لفترات زمنية طويلة ومعه يطول البحث عن تلبية الاحتياجات النفسية الأساسية من احتياج للأمان والثقة والقبول والحب. بل أحيانًا ما تستمر الضحية في علاقتها مع المعتدي رغم كل ما ذُكر، لأن فكرة "أن العالم غير آمن تمامًا تكون مرعبة نفسيًّا".

نتيجةً لمثل هذه الصدمات الجنسية، تعيش الضحايا بين الإنكار، والتفكك، الخوف، وعدم فهم ما حدث؛ أحيانًا بسبب صغر أعمارهن وقت الاعتداء، والاعتماد على المعتدي عاطفيًّا وماديًا، وأحيانًا للعجز عن تسمية ما حدث وتعريفه بأنه اغتصاب، إلا مع نضوج الوعي لاحقًا وهو ربما ما يتطلب سنوات.

الخوف من الذهاب إلى "القسم"

حتى عندما تستجمع المرأة قواها النفسية والاجتماعية، وتبحث عن استرداد حقها المهدر، سواء بالإفصاح أو الإبلاغ عن المعتدى واللجوء لمؤسسات الدولة المسؤولة عن تحقيق العدالة، تقابلها معوقات أكثر صلابة من سابقتها، فالصورة الذهنية للأنثى داخل أقسام الشرطة هي أنها مصدر المشكلة، إضافة إلى بطء استجابة المنظومة القضائية وأحكامها لمثل هذه القضايا.

تواجَه المبلغات بإجراءات مرهقة ومهينة وأسئلة متكررة تفترض مسبقًا كذب الضحية، والطلب منها إعادة سرد الحادثة بتفاصيلها عشرات المرات، مع عدم مراعاة الحالة النفسية للضحية. بل أحيانًا ما تتعرض لكشف طبي صادم وجارح قد يعيد تنشيط الصدمة، وإذا أظهرت الضحية أي ارتباك أو تردد في شهادتها، فالأحكام المسبقة جاهزة للتشكيك في صدق روايتها. فضلًا عن مواجهتها مع المعتدي، وخشيتها تهديد وملاحقة ذويه. لكل هذه الأسباب يصبح الإبلاغ خطوة عديمة الجدوى، بل قد يشكل خطرًا على حياة الضحية وحياة المحيطين بها.

عدم الإبلاغ لا يعني عدم التأثر، والصمت بعد الاغتصاب ليس دليل ضعف ولا كذب، بل هو غالبًا نتاج تفاعل الصدمة النفسية مع الخوف والعار الاجتماعي

وبينما تشير الأبحاث إلى أن معظم الناجيات لا يُبلِّغن مباشرة، وبعضهن لا يُبلِّغن مطلقًا خوفًا من الوصم وعدم ثقة في الاستجابة المؤسسية، فإن ما يحفز المرأة على الإبلاغ هو مزيج من عوامل نفسية واجتماعية وقانونية، مثل وجود شخص داعم يصدق رواية الضحية ويستمع إليها بإنصات متمعن، أيضًا توفر نظام قانوني منصف ومنظومة لحماية الضحية من انتقام المعتدي، إضافة إلى خطاب اجتماعي داعم لا يلوم الضحية، مع تدشين منظومة صحية تقدم الدعم النفسي من متخصصين حتى تحصل على الاستشفاء التام من الصدمة النفسية الناتجة عن الاغتصاب، مع وجود نماذج من الناجيات يتحدثن بأمان عما مررن به، لنقل الخبرات الحياتية لأخريات وتشجيعهن على البوح ومن ثم على الإبلاغ.

إن عدم إبلاغ الضحية لا يعني بأي شكل من الأشكال عدم تأثرها، كما أن الصمت بعد الاغتصاب ليس دليل ضعف ولا كذب، بل هو غالبًا نتاج تفاعل الصدمة النفسية مع الخوف والعار الاجتماعي مصحوبًا باختلال في القوة مع بنية ثقافية كاملة تجعل الكلام والبوح مكلفًا، قد تدفع فيه المرأة حياتها.

لهذا فإن سؤال "لماذا لم تتكلم؟" ليس دقيقًا، وما ينبغي طرحه فعلًا هو سؤال "ما الذي جعل قدرة النساء على الكلام شبه مستحيلة؟".

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.