تصميم يوسف أيمن- المنصة
تخشى النساء التقدم ببلاغ في الشرطة بعد تعرضهن للتحرش

لما رحت القسم.. من أجل محضر تحرش "ميخرّش الميّه"

منشور الاثنين 1 أبريل 2024 - آخر تحديث الثلاثاء 2 أبريل 2024

في أكتوبر/تشرين الأول 2022، عرفت روان(*) الطريق لقسم شرطة مدينة السلام لأول مرة حين كان عمرها لا يتجاوز 7 سنوات. اصطحبها والدها لعمل محضر بعدما حكت له ابنته محاولة رجل أربعيني "خطفها"، حسب وصفها، بعدما لاحقها على الدَرج المؤدي لشقتهم ثم وقف خلفها وقيّد يديها بيده وروت تفاصيل أخرى، فهم الأب من خلالها أن الواقعة "تحرش"، وليست خطفًا كما ظنت الصغيرة.

أصرت أسرتها على إبلاغ الشرطة، لكن "القِسم كان متخاذلًا" تقول إنجي، والدة الطفلة، لـ المنصة "عملنا المستحيل عشان نعرف اسمه وأوصافه وندور عليه، ولما جوزي لقاه الناس اتلمت عليه ومسكوه، لكن لما عرفوا إنها مش سرقة سابوه واتهجمّوا على جوزي".

تمكن الزوج من أخذ المعتدي إلى القسم بالقوة، لتستمر التعقيدات، توضح إنجي "قعدوا بنتي من 12 الضهر لـ12 بليل، ومعاون المباحث كان بيقنع باباها إنه يضرب المعتدي قلمين ويلم الدور عشان الشوشرة، لكن رفضنا وأصرينا على عمل المحضر!".

في اليوم التالي، كانت روان على موعد جديد مع مشاهد مُقبضة داخل النيابة، تحكي والدة الطفلة "البنت اتذنبت من نيابة صباحية لنيابة مسائية في الحر ووسط المجرمين، ولولا إن والدها عرّفهم إنه شغال في السفارة الأمريكية بالقاهرة يمكن مكانش فيه حاجة تمت".

وصّف المحضر التهمة باعتبارها تحرشًا، رغم أن التوصيف القانوني للواقعة كان من المفترض أن يكون هتك عرض، تقول المحامية الحقوقية عزة سليمان لـ المنصة "كل ملامسة لجسد أنثى تعتبر هتك عرض، سواء لامس جزءًا حساسًا أو غير حساس، فوق الملابس أو مباشرة على الجسد، وفي حالات هتك عرض الأطفال تكون العقوبة مشددة". 

يُمثل تحرير المحضر واحدةً من العقبات التي تواجه المبلغات، إذ تعتبر مدخلًا للتحايل على الواقعة، فتوصيف الواقعة تترتب عليه العقوبة التي ستقع على المتهم، "تَقبل المُبلغات ما يُكتب إما عن قلة وعي" حسب عزة، أو نتيجة الضغط الذي يمارسه القائمون على تنفيذ القانون. 

القانون وحده لا يكفي

تجربة روان ليست حالة فردية، إذ يوثّق تقرير صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، بعنوان انتهاك فوق الانتهاك العقبات التي تصادف الراغبات في تحرير محاضر في القضايا الخاصة بالعنف ضد النساء، وخلاله ترصد المنظمة الحقوقية انتهاكات أفراد الشرطة أنفسهم ضد المبلغات، والتعنت والمماطلة في تحرير محاضر رسمية خاصة في قضايا التحرش والعنف المنزلي، إضافة إلى التباطؤ المتعمّد داخل أقسام الشرطة، والامتناع عن تفريغ الكاميرات في المناطق التي تشهد وقائع التحرش والاعتداءات.

كما أطلق مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي مشروعًا يحمل عنوان نسيج نسوي، يهدف إلى مشاركة الخبرات والمهارات والمعارف والتشبيك بين مجموعات ومبادرات نسوية في مختلف المحافظات المصرية، وأُطلقت في إطاره حملة لما رحت القسم لجمع شهادات المبلغات عبر استمارة استبيان لرصد ما تواجهه النساء من صعوبات أثناء إبلاغهن عن وقائع التحرش في أقسام الشرطة، رغم وجود مواد تشريعية تجرم الاعتداءات والتحرش الجنسي في مصر.

تُفنّد الحملة الضغوط التي تتعرض لها المبلغات، والتي تعيق استمرارهن في إجراءات البلاغ، أو تجبرهن على التنازل، في محاولة لتحفيزهن على الاستمرار، عبر صور ورسومات تنشرها على صفحات المبادرات المشاركة في الحملة.

تلقت الحملة حوالي 642 مشاركة من نساء تعرضن لاعتداءات جنسية وعنف أسري وحوادث ضرب، في الفترة من 14 إلى 21 أغسطس/آب 2023، بعد نشر الاستبيان على السوشيال ميديا.

وفي دراسة بعنوان "التحديات التي تواجه النساء في الإبلاغ عن التحرش الجنسي" نُشرت في الثامن من مارس/آذار 2024، أعدها أحمد بدر وأمل فهمي، تبين أن 94.4% من المشاركات تعرضن للتحرش، من بينهم 83.3% تكرر التحرش بهن لأكثر من مرة، مقابل 16.7% تعرضن للتحرش مرة واحدة فقط.

توزعت أعمار المشاركات في الدراسة ما بين 18- 51 سنة

شملت الدراسة عينة من 23 محافظة، وتنوعت الأعمار ما بين 18 و51 سنة، أكثر من نصفهن تحت الثلاثين.

بلغت نسبة من تقدمن ببلاغات 8.4% فقط، فيما آثرت النسبة الأكبر 91.6% الصمت لعدة أسباب، أبرزها الجهل بإجراءات البلاغ بنسبة 63.3%، أو عدم القدرة على الوصول إلى الدعم القانوني بواقع 21.7%، و17.5% تخوفن من تسريب البيانات والتسبب في فضيحة. وتوزعت الأسباب الأخرى بين تعقيد الإجراءات القانونية، وعدم توفر الوقت، وهروب المعتدي، أو الاكتفاء بضربه وفضحه ثم إطلاق سراحه.

اهرب يا ولد

ميار مكي، مؤسسة مبادرة بر أمان بالإسكندرية لدعم الناجيات من العنف الجنسي والأسري، وهي إحدى المبادرات المشاركة في الحملة، تقول لـ المنصة "أنا كبنت عايشة في مصر ما سلمتش من التحرش". تعرضت ميار لواقعة في يوليو/تموز 2023 بشارع مصطفى كامل بالإسكندرية.

تحكي ميار ذات الـ26 عامًا "صرخت وجريت وراه لحد ما كانت عربية هتخبطني، الناس جابوا الولد لأنهم افتكروه سرق مني حاجة. لكن أول ما قلت إنه اتحرش بيّا قالولي إحنا هنضربه. طلبت إن محدش يمد إيده عليه وناخده القسم، الناس هاجموني أنا إني عايزة أحبس عيل صغير، وهرّبوه".

لم تستسلم ميار، "طلعنا عالقسم عشان نعمل محضر لقيت النور قاطع، فضلنا مستنيين قدام القسم لحد ما النور جه، وظابط المباحث راح المنطقة يعمل معاينة، وبعدين سابنا في القسم وطلع مأمورية تانية. فضلنا متعطلين 6 ساعات عشان أعمل المحضر". ترى ميار أن التباطؤ كان محاولة للضغط عليها للتخلي عن تحرير المحضر.

ولكن أمام إصرارها كان هناك نوع آخر من الضغط، "طول الوقت اللي قضيته في القسم سؤال واحد بيتكرر من الكل، إنتي هتحبسي عيل؟" في محاولة لإشعارها، وهي المجني عليها، بالذنب.

تتنوع الجمل التي تسمعها المُبلغات في الأقسام ما بين "مفيش حاجة اسمها محضر تحرش"، و"هيعمل لك محضر قصاد محضر"، و"معندكيش شهود والمحضر هيتحفظ وتضيعي وقتك، وهتباتي الليلة في القسم لحد ما تتعرضي ع النيابة"، حسب دراسة تدوين.

كتبت ميار ما تعرضت له على صفحتها على فيسبوك، ودفع التفاعل الكبير مع البوست مديرية الأمن للاتصال بها بعد الحادث بـ3 أيام، "قالولي إحنا موجودين في قسم منتزه أول، وجبنا رقمك من المحضر، بنتصل بخصوص الشكوى اللي كتبتيها. مفهمتش يعني إيه أصلًا بس طلع قصدهم البوست. رحت لهم وكان معايا بيانات المتحرش، قالولي ضيفيها في المحضر. سألتهم إيه الخطوة اللي بعد كده؟ قالوا هنتابع معاكي. وحتى الآن مفيش جديد".

أرسلت ميار طلب مساعدة إلى المجلس القومي للمرأة، الذي طلب بدوره صورة من المحضر، "قلتلهم مش معايا صورة"، وهنا انتهى دور المجلس وأحجم عن المساعدة.  

كان المجلس القومي للمرأة أطلق عام 2020 مبادرة السكة أمان التي تستهدف الحد من التحرش الجنسي في الشوارع، كما أنشأ وحدات لمناهضة العنف ضد المرأة في الجامعات المصرية لرفع الوعي وتلقي الشكاوى، إلا أنه أحجم عن مساعدة ميار. 

محضر قصاد محضر

واحدة من طرق الضغط التي تتعرض لها المبلِغات في الأقسام لإثنائهن عن موقفهن هي تهديد أمناء الشرطة لهن بأن الجاني سيتهمهن بضربه، "ويبقى محضر قصاد محضر، وهتباتوا انتم الاتنين في الحجز".

تعمل المحامية الحقوقية هالة دومة على تقوية محضر المبلغات، كيلا ينجح هذا التهديد، تقول لـ المنصة "الأقسام بتعمل محاضر للمتحرش إنه اتضرب، وإحنا بنواجه ده بإننا نخلي محضر الضحية أقوى، فيه كل المعلومات اللازمة للوصول للمتهم وكمان الشهود. وللأسف مفيش طريقة تقدري تمنعي بيها حد إنه يعمل محضر ضدك، لكن بنقول إن محضره هايكون فاضي ومحدش هيسمع له". ورغم أن النيابة قد لا تتخذ قرارًا بحبس المتهم بالضرب، حسب المحامية، "لكن البنات بتخاف" توضح هالة.

لا ترى المحامية الحقوقية أن التعنت يقتصر على أقسام الشرطة "اللي بيحصل للبنات مسؤولية النيابة كمان، لأنها مش بتتعامل بجدية إلا لو الضحية نفسها ضغطت جامد عشان دا يحصل. عندنا محاضر تحرّش مرمية في الأدراج بقالها شهور مبتتحركش، لأن النيابة مش عايزة تحرك القضية، ولا حتى تطلب فيها تحريات مباحث".

قليلات يتقدمن ببلاغات، وأقل من نصف هذه البلاغات تتحول إلى محاضر

أكدت دراسة تدوين السابق ذكرها أن 56.7% فقط من المحاضر التي تقدمت بها الضحايا تحولت إلى النيابة، غير أن أكثر من نصف هذه المحاضر لم تصدر فيها أحكام.

تفسر هالة الضغط "الجامد" بإصرار الضحية على إثبات الوقائع، "لازم تصمم على عمل المحضر وإثبات كل حاجة بالظبط، حصلت إزاي وفين، والمتحرش قال إيه، وكان قدام مين، والساعة كام، والشارع اللي حصل فيه الواقعة"، وهو السبيل الوحيد لمقاومة ضغط الجهات التنفيذية بتعطيل البلاغات. 

الخوف من الحبس

ولكن ذلك ما لم تستطع نور رفعت تحقيقه، فرغم تعرضها لواقعتيّ تحرش، فقد أُجبرت على التنازل في المرتين، وكانت إحداها في مترو أنفاق القاهرة. تقول نور لـ المنصة "كنت راجعة بالليل والساعة قربت على 12، وداخلة أركب عربية السيدات. ولد واقف مع اتنين صحابه، طلعلي فلوس وقاللي بتاخدي كام؟ ولما بدأت أزعق قاللي ما انتي لابسة كات وراجعة متأخر إيه الغريب إني أسألك؟ ومسكنا في بعض وبعدين الأمن جه أخدنا".

في الوقت الذي استعان الشاب بأهله، لم تتمكن نور التي تبلغ من العمر 25 عامًا من الاتصال بأهلها خوفًا من رد فعلهم، "كنت لوحدي ومقدرتش أكلم أبويا لأنه كان هيلومني ويتخانق معايا إني متأخرة، فاتنازلت".

ويعد العرض الجنسي تحرشًا، حسب تعريف القانون، الذي يعرفه بأنه إتیان أفعال، أو أقوال، أو إشارات تكشف عن إیحاءات جنسیة، أو تتضمن الدعوة لممارسة الجنس بأي وسیلة. 

في الواقعة الأخرى صممت نور على أخذ حقها بكل ما أوتيت من قوة. في وضح النهار بشوارع القاهرة تعرضت لمطاردة سيارة يقودها شاب، رغم استقلالها سيارة أخرى مع زميلها. فانقلب الموقف إلى مشاجرة بين الشابين، "نزلت أحُوش قام الشاب التاني ضربني، وصممت إننا منتحركش غير لما نعمل محضر فشتمني. فتحت العربية بتاعته وقعدت فيها عشان أعطله، مشي بيّا مسافة كبيرة وبعدين ضربني جوه العربية وفتح الباب وزقني في الشارع. بعدها دخلت في صدمة".

هذه المرة أصرّت على تقديم بلاغ "حفظت أرقام العربية وفضلت أصرّخ برقمها، بالصدفة عربية مباحث كانت معدية في الشارع أخدوني وسألوني إيه اللي حصل، رحنا القسم وقلت كل حاجة. المعاون سمع مني، لكن لما قلت له إنها محاولة خطف لمكان غير معلوم، قال لي مفيش حاجة اسمها خطف دي مشاجرة عادية، الخطف يبقى لو 4 كتفوكي!".

كما العادة، كان محضر الضرب جاهزًا لتخويف نور حتى تنازلت عن محضرها "خفت أبات في الحجز.. كل أمناء الشرطة وأفراد القسم اتعاملوا معايا إني ست تَلفانة. ومنهم واحد كان بيبص على جسمي تفصيليًا رغم وجود المحامي معايا. وقتها خفت أبات في القسم لأني فكرت هايتعمل فيا إيه؟".

يندرج النظر المتفحص والتحديق أو النظر بشكل غير لائق إلى جسد شخص ما تحت تعريف التحرش. 

تعتقد هالة دومة أن الإسراع في إقرار قانون العنف الموحد ربما يكون السبيل لحماية النساء وحفظ حقوقهن. كانت النائبة نشوى الديب عضوة مجلس النواب، وأكثر من 60 عضوًا، تقدموا للبرلمان بمشروع قانون يضم كافة أشكال العنف ضد المرأة من عنف معنوي ومادي وجنسي، بالإضافة إلى الاغتصاب والتحرش، وجرائم العنف الأسري. كما أدخل مشروع القانون الجديد لأول مرة تعريفًا مهمًا بشأن العنف الرقمي، وهو العنف عبر الإنترنت، وكذلك التنمر الإلكتروني. 

تقدمت نشوى مع زملائها من النواب بالمشروع لأول مرة في الدورة التشريعية 2021، ولكن لا يزال حتى اليوم حبيس الأدراج. 

ربما كان دعم أسرة الطفلة روان وعدم الاستسلام للضغوط المجتمعية وتعقيدات الشرطة سببًا رئيسيًا في الحكم على المتحرش بسبع سنوات من السجن المشدد، وذلك بعد قرابة 10 أشهر في المحاكم. لعل الحكم يحفز باقي النساء للتمسك بحقهن في تقديم البلاغات.


(*) اسم مستعار للحفاظ على خصوصية المصدر