وصفة للتعاسة.. قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين
محاولة لفهم أسباب فشل الحكومة في حل مشاكل المسيحيين
عاد قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ليشغل الرأي العام المسيحي في مصر مجددًا. أسر مفككة وآلاف الحائرين على عتبات الكنائس والمجلس الإكليريكي وفي ساحات المحاكم، يتطلعون لحلول لأزماتهم المركبة وخلاص من جحيم علاقات مؤذية. بدلًا من الحل، قيل لهم إنَّ عليهم "حمل صليبهم" واستكمال علاقت لا يطيقونها رغمًا عنهم، فـ"لا طلاق إلا لعلة الزنا" إن كنت قليل الحظ، و"لا طلاق أصلًا" إن انعدم حظك.
أزمات انتظرت حلولًا جذرية، لكنها تراكمت وتعقدت على مدار عقود، وازداد عداد متضرريها في ظل جحود المؤسسات الدينية وجمود تفكيرها، وتخلّي الدولة عن مسؤوليتها في تنظيم وحماية حقوق مواطنيها في الزواج وتكوين أسرة وصون حقوق أفرادها.
جذور الأزمة
تعود جذور الأزمة لإخضاع مسائل الأحوال الشخصية بالكامل للتفسيرات الدينية، وغياب قانون مدني يحمي وينظم حق المصريين في الزواج وتكوين أسرة يتساوى طرفيها في الحقوق والواجبات، ويحكم بينهما قضاء وقانون يتطور مع متغيرات الزمن والمجتمع.
زاد على ذلك تاريخ معقد من التطور التشريعي بالنسبة للمسيحيين، يعود لبداية الحكم العربي لمصر في القرن السابع الميلادي، والذي قسمها لمناطق جغرافية وعين قاضيًا مسيحيًا للفصل في النزاعات الدينية والمدنية والجنائية لغير المسلمين.
مع مرور الوقت ظهرت المجالس الملّية الخاصة بالطوائف المختلفة، وعكفت على تنظيم نفسها ووضع قواعد عملها بمعزل عن المجتمع ورقابة الدولة، التي لم تكن تعامل المسيحيين كمواطنين كاملي المواطنة، بل "أهل ذمة". ثم انتزع القضاء العثماني مزيدًا من الاختصاصات فيما يتعلق بالنازعات ذات الطابع المدني والتجاري والجنائي، تاركًا فقط مسائل الأحوال الشخصية من اختصاص قضاء المجالس الملّية.
واختصت جهات القضاء الديني بنظر مسائل الأحوال الشخصية في مصر حتى عام 1955؛ فكانت المحاكم الشرعية تختص بالفصل في مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسلمين، بينما كان نفس الاختصاص للمجالس الملّية المختلفة لغير المسلمين والتي وصل عددها لـ 14 مجلسًا.
وكان كل مجلس يختص حصريًا بوضع الشروط والضوابط الحاكمة للملّة أو الطائفة المعني بنظر شؤونها. فعلى سبيل المثال، في 9 مارس/آذار 1938 أقر المجلس الملّي العام لطائفة الأقباط الأرثوذكس لائحة تنظيم شؤون الأحوال الشخصية الأشهر في مصر، والتي ظلت تحكم مسائل أحوالهم الشخصية لعقود.
وفي أعقاب ثورة 1952، وحدت جهات التقاضي لعموم المصريين أمام المحاكم الوطنية، فألغى القانون رقم 462 لسنة 1955 المحاكم الشرعية والمجالس الملية ونقل اختصاصاتها للمحاكم الوطنية، لكن ظلت إشكالية التعدد القانوني باختلاف القواعد المنظمة للأحوال الشخصية لكل دين و ملة وطائفة.
اعتمدت المحاكم الوطنية في نظرها لمسائل الأحوال الشخصية على لائحة المحاكم الشرعية ولأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة بالنسبة للمسلمين؛ وللنطاق العام لشرائع غير المسلمين متحدي الملة والطائفة الذين لهم جهات ملية منظمة قبل صدور القانون.
فعلى سبيل المثال، ظلت لائحة عام 1938 التي أباحت التطليق بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس لـ 9 أسباب، تحكم مسائل الأحوال الشخصية للطائفة أمام المحاكم ومعترفًا بها بالأوساط الكنسية وعموم المسيحيين.
ولكن توقف العمل بهذه اللائحة كنسيًا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1977، مع إعلان البابا شنودة الثالث أن أسباب التطليق الواردة بلائحة 1938 مخالفة لتعاليم الإنجيل، وأن من وضعها هم ''العلمانيون''، قاصرًا التصريح بالزواج الثاني فقط على حالتي التطليق للزنا وتغيير الملة، أو في حال تغيير الديانة، على أن يمنح الطرف المتضرر في حالة الزنا تصريح الزواج ويحرم منه الطرف الآخر، ومعه بدأ الفصل الحالي من الأزمة. في حين أبقت طائفة الروم الأرثوذكس العمل بأسباب التطليق الواردة في لائحة 1938 دون تغيير.
كذلك عزز قانون رقم 1 لسنة 2000 من كارثة خضوع الأحوال الشخصية للمبادئ الدينية التي تقرها القيادات الدينية لغير المسلمين، فنصت المادة الثالثة على صدور " الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملّة الذين كانت لهم جهات قضائية ملّية منظمة حتى 31 ديسمبر سنة 1955 طبقًا لشريعتهم فيما لا يخالف النظام العام".
وفي عام 2008 أصدر المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس برئاسة البابا شنودة الثالث تعديلًا جديدًا للائحة 1938 ليقنن وجهة نظره التي طرحها في عام 1977 ويقصر أسباب الطلاق على علة الزنا حصرًا أو ما يقع في حكمه، وفي حالة تغيير الملة أو المعتقد. وهو الباب الذي سعى لاستخدامه العديد من المسيحيين الأرثوذكس للخلاص من زيجات فاشلة، ولتجنب سيطرة المؤسسة الكنسية بالاحتكام لضوابط الشريعة الإسلامية في حالات الطلاق عند اختلاف الملة أو الطائفة.
ورغم نجاح المشرع المصري في توحيد جهات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، فلا توجد قواعد موحدة واجبة التطبيق على جميع المصريين دون تمييز. الأمر الذي يعتبره بعض الخبراء القانونيين مظهرًا من مظاهر التخلف القانوني؛ حيث تقضي النظم القانونية الحديثة بخضوع جميع المواطنين في المسائل ذات الطبيعة الواحدة لنفس القضاء وتطبق عليهم نفس القوانين.
يقتضي تطبيق شرائع دينية متعددة الرجوع إليها جميعًا. لكن إذا كان ذلك سهلًا مع أحكام الشريعة الإسلامية بفضل تعدد وتنوع الآراء والاجتهادات؛ فإن الوضع مختلف تمامًا في حالة المسيحيين، حيث لا علوم شرعية كمثيلتها عند المسلمين، ولا تاريخًا ثريًا من الدراسات والاجتهادات الفقهية القانونية في هذا الصدد. وقد يكون من المفاجئ معرفة أن تدريس مادة الأحوال الشخصية لغير المسلمين بكليات الحقوق المصرية لأول مرة كان في السنة الدراسية 1956-1957.
بالإضافة إلى ذلك، توجد إشكالية حول القواعد الموضوعية التي كانت تطبقها المجالس الملّية قبل سنة 1955؛ فغالبية القواعد لم تكن مدونة ومعروفة بشكل واضح بين عامة المتقاضين، وهو ما اتضح في المذكرة الإيضاحية لقانون 1955 بوصفها "مبعثرة في مظانها بين متون الكتب السماوية وشروح وتأويلات لبعض المجتهدين من رجال الكهنوت مبعثرة في كتب لاتينية، أو يونانية، أو عبرية، أو سريانية، أو أرمنية، أو قبطية، لا يفهمها غالبية المتقاضين".
تاريخ من المقاومة المريرة
تجرأ بعض المسيحيين بدافع اليأس على تحدي الكنيسة في العقود الأخيرة، بعد معارضة البابا شنودة الثالث للائحة 1938 ووقف العمل بها كنسيًا، ولجأ بعضهم للقضاء مرة أخرى في محاولة لانتزاع تصريح بالزواج الثاني بعدما اصطدموا بحقيقة أن أحكام التطليق التي حصلوا عليها من المحاكم لا تمثل حلولًا فعلية لمشكلاتهم، فيلزم القانون الحصول على تصريح زواج من الكنيسة في حال الرغبة في الزواج الثاني.
تسبب ذلك في أزمة وقعت بين عامي 2008 و2010، حين نجح بعض المسيحين في انتزاع أحكام من المحاكم الإدارية بإلزام الكنيسة الأرثوذكسية ومجلسها الملي بمنح تصاريح للزواج الثاني، باعتبارها الجهة المنوط بها إصدار هذه التصاريح. انتهت الأزمة بتدخل المحكمة الدستورية العليا والحكم بعدم إلزام الكنيسة بتنفيذ حكم المحكمة الإدارية وتجنب الصدام مع البابا شنودة الثالث الذي كان سيواجه عواقب قانونية لرفضه التنفيذ.
ورغم من ذلك، استمر لجوء المسيحيين للقضاء لحل مشاكلهم، كما استمرت الكنيسة في معارضة هذه الأحكام التي سببت لها صداعًا دائمًا بشكل مستمر أمام المحاكم، حتى بعد رحيل البابا شنودة.
في 2011، أحدثت ثورة يناير صدعًا عميقًا في جدار اليأس الذي عززه الحكم المباركي، وتسرب بصيص من الأمل في التغيير رغم قلق المسيحيين المتزايد من صعود التيارات الإسلامية والعنف الطائفي خلال الفترة الانتقالية. كفرت قطاعات واسعة من المسيحيين بالصمت الذي لم ينتج عنه إلا سلب مزيد من الحقوق، وبزغت أشكال جديدة من التنظيم لتكسر حاجز الصمت وتطالب بحقوقهم.
سرعان ما خفت وميض غالبية أشكال الحراك الاجتماعي المسيحي مع هيمنة حالة الانغلاق السياسي بعد 2013
كنت شاهدًا على مولد العديد منها، بل وشاركت في تأسيس بعضها، كاتحاد شباب ماسبيرو والتحالف المصري للأقليات (الذي اتسعت مظلته لتخاطب هموم ومشكلات مجتمعات الأقليات المصرية بتنوعها). تصاعدت أصواتنا المطالبة بالدولة المدنية، التي تحتكم إلى الدستور وقانون يساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. وبإلغاء المادة الثانية من الدستور لتحقيق المساواة الكاملة بين المصريين، مما شجع قطاعات من المسيحيين للمطالبة بحقوقهم المدنية، بما في ذلك تنظيم أحوالهم الشخصية.
وحاول عدد من أصحاب مشكلات الأحوال الشخصية انتهاز المناخ الاجتماعي والسياسي بعد الثورة لتنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوق مواطنتهم كـ "أقباط 38"، وحركة "الحق في الحياة" و"منكوبي الأحوال الشخصية" وغيرها من المجموعات التي طالبت بحلول في إطار قانوني مدني. لكن سرعان ما خفت وميض غالبية أشكال الحراك الاجتماعي المسيحي مع هيمنة حالة الانغلاق السياسي بعد 2013، وبوادر العصر الجديد للعلاقة بين الكنيسة والدولة، وعاد الخناق ليضيق حول أعناقهم في ظل تجاهل الدولة لدورها الأساسي في حماية وتنظيم الحقوق المدنية لمواطنيها.
تأتي المؤسسات بما لا يشتهي المواطنون
تقربت السلطة من المؤسسة الكنسية وغازلت عموم المسيحيين، لكنها مثل سابقتها اختزلت المسيحيين في كونهم رعايا لكنائسهم، أعضاء في طوائفهم، وليسوا مواطنين لهم حقوق تلتزم الدولة بصونها. واستغلت بعض الكنائس، خاصة الأرثوذكسية، مشاركتها في تعديل دستور 2014 لاستحداث المادة الثالثة من الدستور الحالي لإحكام سيطرتها على أتباعها وتجنب فرص الصدامات مع الدولة كتلك التي واجهها البابا شنودة في عصر مبارك.
تُرجمت المادة الثالثة عمليًا في صدور أول قانون لبناء الكنائس عام 2016 ومشروع القانون المطروح حاليًا بخصوص الأحوال الشخصية للمسيحيين، بهندسة كنسية كاملة وتحييد كلي لأي نقاش مجتمعي حولهما، أو إشراك لأصحاب المصلحة الأصليين؛ المواطنين المسيحيين المخاطبين بأحكام هذه القانونين بشكل غير مسبوق.
لم يُطرح المشروع الحالي لأي نقاش مجتمعي جدي، ولم يشترك المتضررون أو المهتمون في نقاش تبعات نصوصه
كانت رغبة الحكومة المصرية آنذاك توحيد القواعد القانونية التي تنظم مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين على اختلاف طوائفهم، وهو ما انتقد غيابه العديد من الخبراء القانونيين في السابق. ولكن أصبح جليًا لمن يقرأ مواد مشروع القانون الذي طرحته وزارة العدالة الانتقالية في ذلك الحين غلبة الرؤية الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية على نصوصه وتفاصيله، وكنا كجماعة الباحثين والمهتمين والمعنيين بهذا القانون بموقف أفضل من اللحظة الراهنة، فحظينا بـ "امتياز" قراءة نصوصها، وفتح نقاش وجدل حول مدلولاته، بل وناقشنا الكنائس في تفاصيله.
أذكر خلال لقاءاتي مع مسؤولين من الطوائف الأخرى؛ أن مسؤولًا دينيًا رفيع المستوى بالكنيسة الكاثوليكية، طلب مني إيقاف التسجيل أثناء اللقاء، وبعد نقاش قصير، أحضر كتابًا ضخمًا ووضع يده عليه وأخبرني أن هذه هي تعاليم كنيسته، وأنه لا يستطيع مخالفتها، ولا بد من تضمين بنودها داخل المشروع المعروض حتى يتم قبوله، ولا يمكن القبول بقواعد "الآخرين".
في غياب النقاش المجتمعي
ويبدو أن النقاش الدائر لأكثر من عقد من الزمن، والذي حال دون صدور تشريع يخاطب مشاكل المسيحيين المصريين حتى الآن لم يكن لبحث ما هو أفضل لحل مشاكلهم، ولا كان معنيًا بالحد من الضرر الواقع عليهم، بل كان جدلًا بين الكنائس حول حدود هندسة النصوص القانونية لتتوافق مع رؤاهم المختلفة والقاصرة والمحصورة في شبق السيطرة على المسيحيين وسد المنافذ التي حاولوا من خلالها الإفلات من جحيم زواج فاشل، أو شريك مؤذي.
لم يُطرح المشروع الحالي لأي نقاش مجتمعي جدي، ولم يشترك المتضررون أو المهتمون من أفراد ومجموعات ومنظمات المجتمع المدني في نقاش تبعات نصوصه، فطُبخت تفاصيله في مطابخ الآباء الأساقفة ومستشاريهم وصكت نصوصه في دهاليز البيروقراطية الحكومية، دون نقاش أو جدل مع أصحاب المصلحة الأصليين.
تعاملت معه الحكومة والكنائس على أنه سرٌّ قوميٌّ، مقدسٌ، عصيٌّ على دنس نقاش العلمانيين غير مسموح لنا نحن المخاطبين بأحكامه الاطلاع عليه ونقاشه، واكتفوا بتقطير بعض التصريحات الصحفية لمن نال نعمة من الصحفيين في أعين رجالات الكنيسة أو الدولة، وسط تخارج مخزي للحكومة من المشهد، وتخليها التام عن مسؤوليتها الجوهرية في تنظيم وحماية حقوق مواطنيها بما يحقق مصلحتهم الفضلى.
اختارت الحكومة المصرية تحقيق المصلحة الفضلى للمؤسسات الكنيسة وتعزيز سلطتها على حساب حريات وحقوق مواطنيها.
قد يأتي مشروع القانون الجديد بحل لمعضلة تعدد القواعد المنظمة للأحوال الشخصية للمسيحيين أمام جهات التقاضي، ويسهل من مهام المحاكم في الفصل في المنازعات المختلفة من خلال الرجوع لأداة تشريعية واحدة والاحتكام لقواعدها. وقد يحل أيضًا معضلة الكنائس التي لا ترغب في مواجهة مستقبلية مع القضاء عند صدور أحكام تختلف مع رؤيتها المتشددة في مسائل الزواج والطلاق تحديدًا.
لكن بكل تأكيد لن يقدم المشروع حلًا لمشاكل المواطنين المسيحيين أنفسهم، بل في اعتقادي سيخلق مشاكل جديدة، سأفرد لها مساحة في كتابات قادمة. والخلاصة أن السلطة والكنائس وجدوا حلول لمشكلاتهم، وتركوا مشاكلنا، اختاروا لنا التعاسة! ويبدوا أننا على موعد مع فصل جديد من حمل صلبان نضالنا من أجل الحياة والكرامة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
