مشروع قانون الأسرة للمسيحيين.. انفراجة مُفترضة وأسئلة معلقة
في أروقة البرلمان، يتنقّل مشروع قانون الأسرة للمسيحيين، بعد موافقة مجلس الوزراء عليه يوم 22 أبريل/نيسان الماضي تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب.
أُعِدَّ المشروع بعد 35 اجتماعًا للجنة قانونية تختص بدراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، برئاسة ممثل عن وزارة العدل، وعضوية ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية، وممثل عن الطوائف المسيحية. لم تُطرح بنود المشروع علنًا إلا بعد أن أقرَّته الحكومة باثني عشر يومًا، رغم أن وزارة العدل أطلقت بشأنه "حوارًا مجتمعيًا موسَّعًا" ضمَّ "أبناء الطوائف المخاطبة بأحكامه؛ بهدف التعرف على آرائهم ووجهات نظرهم في جميع ما تضمنه من أحكام، وأسفرت جلسات الحوار عن التوافق بين جميع الحضور على غالبية أحكام المشروع" حسب ما أكد بيان رئاسة الوزراء.
وبينما انتقد عدد من الحقوقيين على السوشيال ميديا إقصائهم من جلسات الحوار التي ناقشت مشروعَ قانونٍ سريًّا لم تعلن للمصريين المخاطبين به بمواده؛ احتفى الإعلام الرسمي بالإعلان عن إحالته للبرلمان، باعتباره خطوة طال انتظارها ستسهم في حل أزمات آلاف من المتضررين من غياب قانون لتنظيم الأحوال الشخصية.
جذور ورواسب
في حوار أجرته جريدة وطني مع البابا تواضروس الثاني في عددها الأخير، قال "أنا مستريح تمامًا لقانون الأحوال الشخصية الجديد لأنه سيضع حلًا لكثير من المشكلات التي عانت منها أُسر المسيحية، والظروف الأن صارت مواتية تمامًا لصدور القانون" مشيرًا إلى أن الكنيسة تسعى للحفاظ على تماسك الأسرة واستمرارها.
وبالفعل، تتعدد القضايا المعلقة في انتظار قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسيحيين؛ وإن كان الطلاقُ على رأسها، باعتباره القضية الأكثر تأزمًا وتعقيدًا في انتظار القانون الجديد، الذي ينبغي عليه التعامل مع أزمة تعود جذورها سنوات للوراء.
فمع اتساع المجال السياسي والاجتماعي مع ثورة يناير، تشكلت روابط مناهضة للتعسف الذي وقع على أبناء الكنيسة. وفي هذا السياق، نظام عشرات المسيحيين من طالبي الطلاق والحق في الزواج الثاني، اعتصامًا حاشدًا أمام المجلس الإكليريكي، مطالبين بعودة العمل بلائحة 1938 التى تسمح بتسعة أسباب للطلاق. وقتها أطلق أمن الكاتدرائية كلاب حراسة المقر البابوي لتفريق المعتصمين قبل وصول الشرطة، واعتبر الأنبا بولا هذه الاعتصامات من "الإفرازات السلبية لثورة 25 يناير وتشويه لانجازاتها".
وفي أحد الاجتماعات الأسبوعية للبابا تواضروس عام 2015، قاطع العظة أكثر من 25 من متضرري الأحوال الشخصية مطالبين البابا بحل أزمتهم بشأن الطلاق والزواج الثاني، ما أثار غضب البابا فألغى عظته، واُحتجز 4 منهم على خلفية الأحداث.
بعدها بسنتين؛ نظمت رابطة الحق في الحياة حفلًا جماعيًا للمسيحيين بغرض الحصول على حق الطلاق المدني وتعريف الرأي العام بالمعضلة القانونية التى يعيشها المسيحيون، والناتجة عن حصر حق الطلاق في الكنيسة، بعيدًا عن القانون المدنيدون النظر للقانون المدني.
كل الطوائف شاركت
يرى منصف سليمان أن مشروع القانون يستهدف تقنين القواعد المنظمة للزواج والطلاق، مؤكدًا على أن كل الطوائف المعترف بها في مصر شاركت في وضعه والنقاش حوله؛ مثل الأقباط الأرثوذكس، والإنجيليين، والكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والسريان.
ويضيف لـ المنصة "ينظم المشروع أركان الزواج وأحوال بطلانه وانحلاله، إلى جانب قضايا حضانة الأطفال ورعايتهم والرؤية".
أما الدكتور جميل حليم المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية فيضيف لـ المنصة أن "الموافقة كانت بالإجماع، وكان لأجهزة الدولة دور في ضبط الصياغات القانونية".
من جانبه، يشيد الدكتور فريدي البياضي عضو المجلس الإنجيلي العام وعضو مجلس النواب، بأن المشروع لا يُذيب خصوصية كل طائفة داخل نص موحد جامد، بل يضع إطارًا تشريعيًا عامًا مع مراعاة الخصوصيات العقائدية والتنظيمية لكل كنيسة.
ويضيف لـ المنصة "هذه نقطة مهمة بالنسبة للكنيسة الإنجيلية، كما أن من مميزات القانون تنظيمه الدقيق لمسألة الميراث والتي تقوم على مبدأ المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى".
وفي وجهة نظر البياضي، سيحل القانون مشكلات كثيرة لأنه ينقل أوضاعًا ظلت لفترة طويلة معلقة أو غير منضبطة تشريعيًا إلى إطار قانوني واضح. وعلى الرغم من ذلك، فإن القانون لا يلغي المشكلات الاجتماعية والإنسانية بطبيعة الحال، لكنه يقدم أداة قانونية أكثر عدلًا وانضباطًا للتعامل معها.
حلول جذرية؟
لكنَّ بنود مشروع القانون الذي يُفترض عن يتعامل مع هذا الوضع؛ مؤيّدةً بمواقف الكنائس الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية، لا يبدو أنها ستُقدِّم حلًا لمن انتظروها طويلًا.
"أسباب الطلاق تقتصر على علة الزنا، سواء الحكمي أو الفعلي، أو تغيير الدين"، حسب منصف سليمان، المستشار القانوني للكنيسة الأرثوذكسية، الذي يستدرك في حديثه إلى المنصة "في المقابل، يتضمن المشروع بابًا لبطلان الزواج في حالات الغش، مثل إخفاء بيانات جوهرية أو أمراض مؤثرة، على أن يُعتد بذلك خلال ستة أشهر من تاريخ العلم".
ويضيف سليمان "يميز المشروع بين الطلاق وانحلال الزواج، الذي يشمل حالات مثل الجنون أو الإلحاد أو الهجر لفترات محددة، مع إتاحة إثبات هذه الحالات بمختلف وسائل الإثبات، قولًا أو فعلًا".
وقد نظم مشروع القانون في الباب الخامس الأسباب المبطلة للزواج وانتهاؤه وانحلاله، بالنسبة للأقباط والسريان والروم والأرمن من الأرثوذكس ومعهم الإنجيليين. ففي المادة 38 يكون الزواج باطلًا إذا ثبتت عدم صحة رضاء أحد طرفي الزواج، أو عدم إتمام المراسم الدينية علنًا بحضور شاهدين مسيحيين على الأقل، أو عدم بلوغ السن القانوني.
وتنص المادة 43 على انتهاء الزواج الديني الصحيح بأحد أمرين؛ إما موت أحد الزوجين حقيقة أو حكمًا، أو التطليق. وبالنسبة للكنيستين القبطية الأرثوذكسية والإنجيلية، فيجوز في المادة 44 طلب التطليق لأسباب الزنا، خلال موعد 6 أشهر من تاريخ علم الطالب بالواقعة.
ينحل الزواج مدنيًا في حال افتراق الزوجين ثلاث سنوات متصلة مع استحالة استمرار الحياة الزوجية
بالإضافة إلى ترك الدين المسيحي، والمثلية، ومعاشرة أحدُ الزوجين الآخرَ بغير الطريق الطبيعي للمعاشرة الزوجية كأسباب للطلاق، يضاف الزنا وفي حكمه كل عمل يدل عليه، مثل هروب الزوج/ة مع أحد الأشخاص من غير المحارم والمبيت معه، أو تحريض أحد الزوجين على ارتكاب الزنا أو الفجور.
فيما تنص المادة 48 على "ينحل الزواج مدنيًا في حال افتراق الزوجين ثلاث سنوات متصلة مع استحالة استمرار الحياة الزوجية، وبالنسبة لطائفة الأقباط الأرثوذكس يجوز طلب انحلال الزواج مدنيًا إذا أتى أحد الزوجين فعلًا يهدد حياة الآخر".
الزواج الكاثوليكي ما زال كاثوليكيًا
أما الكنيسة الكاثوليكية، فما زالت في القانون الجديد تحظر الطلاق أبدًا، وتسمح فقط بالانفصال الجسدي وبالتالي لا تتيح الزواج الثاني بأي صورة.
ويوضح المستشار جميل حليم، المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية لـ المنصة، أن "المادة 19 في مشروع القانون أكدت أنه لا يجوز الطلاق، ولا الانحلال المدني للزواج في الكنيسة الكاثوليكية، فيما نصت المادة 21 أن تغيير أحد الزوجين لطائفته أثناء قيام الزوجية ليس له أي أثر في أي نزاع قضائي وبالتالي تطبق شريعة الطائفة التي عقد عليها الزواج، وألزم القانون المحكمة بطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة قبل إصدار الحكم على أن تردّ الكنيسة في المدة المحددة لذلك".
يمنح مشروع القانون بضعة سنتيمترات إضافية من إجل إنهاء الزيجات في المسيحية، إلا أنه يُبقي على انفراد الكنائس بالتحكم في إصدار تصاريح الزواج الثاني، وفقًا للقواعد الدينية الخاصة بكل طائفة. وهو ما أكده البابا تواضروس الثاني في حواره الأخير "يظل للكنيسة دورها في إعطاء تصريح بالزواج لأحد الزوجين أو كليهما أو عدم التصريح لكليهما وفقًا لما تراه ووفقًا لظروف كل حالة بما يتفق مع التعاليم المسيحية". وهي معضلة حقيقية بالنسبة للمطلقين مدنيًا بأحكام قضائية، وغير قادرين على استخراج تصريح بالزواج مرة أخرى.
ويمنع مشروع القانون الجديد زواج من طُلق لعلة الزنا من الزواج مرة أخرى في مادته 32، مع من غيّر دينه أو انضمَّ إلى غير الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون.
الزواج المدني.. الغائب الحاضر
تتجدد المطالبات بضرورة إقرار قانون للزواج المدني في مصر، انطلاقًا من اعتباره حقًا يتيح للمواطنين إطارًا قانونيًا مستقلًا عن المؤسسات الدينية لتنظيم علاقاتهم الأسرية، ويرى مؤيدو هذا الطرح أن وجود مسار مدني للزواج قد يسهم في حل أزمات قائمة، خاصة بين من تعذر عليهم إتمام الزواج أو الزواج مرة أخرى داخل الإطار الكنسي.
يقول المستشار منصف سليمان "المسودة الأولى لمشروع القانون الحالي شملت بابًا كاملًا للزواج المدني قبل أن يعترض البابا شنودة عليه لأنه لا يصح وجود باب للزواج المدني في قانون أحوال شخصية للمسيحيين يتم فيه الزواج بعقد ديني، فحُذف"، بدأ الحديث عن مشروع لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين عام 2011.
يؤمن سليمان أن الكنيسة الأرثوذكسية لن ترضى ولن توافق أبدًا على وجود قانون مستقل للزواج المدني للمسيحيين في مصر طبقًا لإيمانها وطبقًا للمادة الثالثة في الدستور. واتفق معه المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية.
فيما تبدي الكنيسة الإنجيلية انفتاحًا كبيرًا، يعبّر عنه الدكتور فريد البياضي الذي يرى في غياب الزواج المدني سببًا في إبقاء بعض المشكلات عالقة، "لأن المؤسسة الدينية وحدها صاحبة الحق في إتمام الزواج، بينما قد لا تعطي تصريحًا به بعد الطلاق".
يصف البياضي الوضع بقوله "وضع إشكالي؛ المحكمة تستطيع أن تحكم بالطلاق، لكنها لا تستطيع أن تحكم بالزواج. وبالتالي يبقى بعض المواطنين معلقين بين حكم مدني بإنهاء العلاقة، وبين غياب مسار قانوني مدني يتيح لهم بدء حياة جديدة".
ويعتقد النائب البرلماني أنه إذا كانت لدى الحكومة إرادة حقيقية لوضع تشريعات مدنية عادلة، فلا ينبغي أن تجعل رأي المؤسسات الدينية هو الحاكم في هذا النوع من التشريعات؛ "يظل من حق المؤسسة الدينية الكامل أن تعلن موقفها وما تراه وفقًا لعقيدتها، لكن دون أن يُفرض هذا الموقف على المواطن، ودون إجبار أو إلزام في ما يختاره في الإطار المدني الذي تنظمه الدولة".
يتفق معه القس رفعت فكري راعي الكنيسة الإنجيلية بروض الفرج وأحد المشاركين في المناقشات حول مشروع القانون "الزواج المدني زواج صحيح تمامًا بالنسبة للمسيحية حيث لم يدخل الزواج الديني الكنيسة إلا في القرن الحادي عشر، وفي رأيه أن وجود تشريع للزواج المدني سيكون حلًا أفضل لمشكلات كثيرة يعاني منها المسيحيون في مصر".
وبين مشروع يَعِد بحل جزء من أزمات الأحوال الشخصية للمسيحيين، وأسئلة لا تزال مفتوحة حول حدود الطلاق والزواج الثاني ومستقبل الزواج المدني، ينتقل الملف الآن إلى اللجنة البرلمانية المختصة بعد إحالة المشروع إليها لمناقشة مواده تمهيدًا لإصداره، على وقع نقاشات قد تعيد النظر في بعض البنود قبل خروجه بصيغته النهائية.

