تصميم: المنصة

عُزلةٌ صيفًا مُواطَنةٌ شتاءً.. كيف حضر الدين وغابت الدولة عن إجازة الصغار؟

منشور الأحد 31 آب/أغسطس 2025

لم تتح لأنس، ذي الـ12 سنة، وأخويه الصغرين حمزة ومحمود 9 سنوات، فرصةٌ حقيقيةٌ للانفتاح على من يختلفون عنهم دينيًا. فالأخوة الذين يتلقون تعليمًا أزهريًا يحصرهم وسط أقران مماثلين دينيًا طوال شهور الدراسة، يقضون إجازتهم الصيفية بين المسجد ومعسكر يختار والداهما أفراده بعنايةٍ بحيث "يبقوا نفس تربيتنا ونعرف أهلهم"، حسب قول والدته شيماء صالح لـ المنصة.

قبل ثلاث سنوات استجابت شيماء، 35 عامًا، وهي ربة منزل وأم لتوأمين في عمر الحضانة بجانب الأشقاء الثلاثة، إلى دعوة زوجها ورفاقه لتنظيم مقابلات بين أطفالهم المتقاربين في العمر "عشان يبقوا أصحاب".

بمرور الوقت تحولت المقابلات إلى ما تسميه شيماء "معسكر يتجمع فيه الأولاد مرتين أسبوعيًا؛ داخل مسجد ومعاهم حد كبير يشرح لهم تفسير آية أو سبب نزول سورة أو يعلمهم سلوكيات، أو يتجمعوا يلعبوا ماتش بلاي ستيشن أو يأجروا ملعب كرة، أو يروحوا رحلة للقناطر"، وتبيّن "كان الولاد في الأول بيباتوا يوم مع بعض، ولكن البيات اتلغي واكتفوا بالمقابلات".

"إحنا أسر ثقافتنا وتربيتنا شبه بعض بدل ما نسيب أطفالنا يتصاحبوا على أطفال مش عارفينهم، نخلي عيالنا أصدقاء ونبقى واثقين في الصحبة وفي التربية"، توضح الأم كيف ظهرت فكرة المعسكر الذي لم يملأ وحده فضاء الإجازة، لهذا يكثفون من دروس تحفيظ القرآن، "الولاد بيحفظوا قرآن للطفل في مسجد قريب بـ70 جنيه، وفي نفس الوقت بجيب لهم معلمة البيت، تراجع لهم اللي حفظوه في منهج المدرسة".

آخر يُفضّلُ الانعزال

أنشطة للأطفال تهدف للتعلم ذاتيًا

ليس لدى أطفال شيماء أي مساحة أخرى بخلاف المسجد والمعسكر، ولا تتوافر لهم إمكانية الاشتراك في نادٍ اجتماعي. المساحة الوحيدة التي توفر لهم فرصة الاختلاط بآخرين من خلفيات دينية مختلفة هو تمرين السباحة. أما إيريني متري الطبيبة المسيحية وأم التوأم في عمر الـ14، فتكتفي بقرار واعٍ بما تقدمه الكنيسة لابنها وبنتها طوال شهور الصيف.

تتردد إيريني مع أسرتها التي تعيش في الإسكندرية على الكنيسة طوال العام، وفي الصيف تزداد الوتيرة مع انطلاق مهرجان الكرازة المرقسية، الذي يعقد سنويًا ويتضمن منافسات بين كنائس الجمهورية في 12 فرعًا، منها مسابقة المحفوظات والبحوث واللغة القبطية، ومسابقات أدبية وثقافية ورياضية وإلكترونية.

تُعبّر إيريني ذات الـ44 عامًا لـ المنصة عن شعورها بالامتنان تجاه هذه الوفرة في الأنشطة التي يتيحها المهرجان ما يخفف من العبء الذي تتحمله الأمهات ومسؤولية ملء أوقات فراغ صغارهم في الصيف، فالمهرجان يعني أن الأطفال "يصحوا بدري وبيستغلوا وقت الفراغ، ويبنوا علاقات اجتماعية جديدة وصداقات وخبرات حلوة".

وتلفت إلى أن طفليها يشاركان في النسخة الحالية من المهرجان "في المرحلة الإعدادية بالمسابقات الدراسية واللغة القبطية، وابنى بيشارك في الشطرنج كمان، وبنتي بتشارك في كرة اليد والرسم والمسرح".

يقضي طفلا إيريني صيفهما وسط أقرانهما في الكنيسة كما يقضي أطفال شيماء إجازتهم مع صحبة مسلمة لحفظ القرآن

بخلاف دورها كأم، تشعر إيريني بالانتماء للمهرجان، "دخلت مسابقة رسم وكتابة أبحاث وأنا في ثانوي، أخذت مركز أول إسكندرية أبحاث، ولكن مكسبتش في الرسم، وبعد كده اشتركت وأنا في الجامعة"، لذا تمتد مشاركتها حتى اليوم بالمهرجان لكن كأحد المنظمين "أنا مسؤولة عن المرحلة الثانوية في الكنيسة. دوري تطوعي لأن الكتاب المقدس علمنا 'مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا'".

تنفي أم الطفلين حاجتهما لأي أنشطة خارج المهرجان، "نادرًا لو احتجت نشاط خارجي، باستثناء كرة السلة بتمنى لو تتوفر عشان ابني يشارك فيها".

هكذا يقضي طفلا إيريني صيفهما وسط أقرانهما في الكنيسة، كما يقضي أطفال شيماء إجازتهم مع صحبة مسلمة بحكم أنشطة تحفيظ القرآن والدروس الدينية، وهو ما يطرح أسئلة بالأخص حول كيف سيكون اللقاء مع بداية العام الدراسي المرتقب في 20 سبتمبر/أيلول المقبل بين رفقاء المقاعد الدراسية؟ وكيف سيتقبلون منهج المواطنة وتقبل الاختلاف الذي تدمجه وزارة التربية والتعليم منذ عام 2020 في المناهج الدراسية؟

من المسؤول؟

من مسابقة كرة القدم بالمرحلة الثانوية في إيبارشية أطفيح، يوليو 2025

"خوف من الآخر وانعزالية"، يوصّف إسحق إبرهيم مسؤول برنامج المساواة ومنع التمييز بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية الحالة التي سيعيشها الأطفال فور عودتهم من إجازاتهم الصيفية، لكنه لا يُحمل المسؤولية للمساجد ولا الكنائس ولا للأسر التي توجه أطفالها إلى الأنشطة الصيفية في المؤسسات الدينية، مؤكدًا أن اللوم على بيوت الثقافة ومراكز الشباب وغياب دورها كمؤسسات مدنية توفر المساحات الآمنة والأنشطة.

ويؤكد على أن توجه الأسر على اختلاف دينها إلى المؤسسة الدينية في الأنشطة الصيفية يعكس احتياجًا حقيقيًا بادرت هذه المؤسسات بتلبيته، مشيرًا إلى أن الوضع "يزيد لدى الأسر المسيحية عن مسألة الاحتياج إلى البحث عن مساحة آمنة خالية من التنمر أو التمييز".

ويؤرخ بحث الأسر المسيحية عن هذه المساحة بـ"فترة السبعينات والثمانينات عندما حدث المد الإسلامي واختفت المساحات العامة للشباب والأطفال فبدأوا يتجمعون داخل المؤسسة الدينية".

تدريجيًا توسعت الكنيسة في هذا الدور "لأشكال إحنا شايفنها زي نشاط طوال السنة بيزيد في الصيف مثل مدارس الآحاد وأنشطة أخرى زي الرحلات والأنشطة الكروية"، مؤكدًت أنه بقدر ما وفر هذا للشباب والأطفال المسيحيين مساحة أمان خالية من التنمر أو التمييز فإنها "تسببت في عزلتهم".

الاستمرارية والمساحة الآمنة يضمان جذب الأسر إلى الأنشطة خارج المؤسسات الدينية 

ويرصد إبراهيم على الجانب الآخر نقل "المساجد في السنين الأخيرة تجربةً مشابهةً للكنائس؛ فمثلًا بقوا يعملوا دروس دينية بانتظام للأطفال، مقدرًا بأن "تجربة المساجد لسه بتحبي في بدايتها، ومش باين مساحتها أد ايه".

وتطلق وزارة الأوقاف منذ 2022 برنامجًا صيفيًا للأطفال في المساجد كان أحد أهدافه المعلنة وقتها محاربة الإرهاب وحماية الأطفال من الفكر المتطرف.

يستمر البرنامج في نسخته الحالية التي انطلقت منذ 5 مايو/أيار حتى 30 سبتمبر/أيلول المقبل في 22 ألف مسجد على مستوى الجمهورية، عصر يومي الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، ويتضمن دروسًا دينية، وحلقات لتحفيظ وتدقيق معاني القرآن، وشرحًا للأحاديث النبوية، إضافة إلى الربط بين العلوم والآيات القرآنية، حسب أسامة رسلان، المتحدث باسم وزارة الأوقاف، في مداخلة تليفزيونية.

يشدد مسؤول برنامج المساواة ومنع التمييز بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية على أنه "لا يمكن أن نقول للمؤسسات الدينية اعملي أو متعمليش، ولكن لو عادت بيوت الثقافة ومراكز الشباب والأنشطة الصيفية بالمدارس والقطاعات المعنية بالطفولة، إلى الواجهة ستجذب إليها الأسر"، ضاربًا مثلًا "لو قرية فيها مؤسسة مدنية بتوفر أنشطة، هيقل الضغط على المساجد والكنائس، آه هيفضل فيه أسر تروح للمؤسسات الدينية لكن مش كله".

ولضمان جذب الأسر إلى الأنشطة خارج المؤسسات الدينية، يشترط إبراهيم الاستمرارية في الأنشطة "بحيث متكونش مرة وخلاص"، فضلًا عن "توفير المساحات الآمنة عشان الأسر المسيحية ما تخافش"، مشددًا على أنه لا يرى استحالةً في خروج الأسر المسيحية من إطار الكنيسة "سهل ده يحدث، أكيد هياخد وقت، وأكيد في مساحة مترسخة محتاجة وقت عشان يكون في شفاء منها، لكن مثلًا لو نوادي الشباب وفرت دورات رياضية للأطفال وفيها مساحة أمان أكيد الأسر هتروح، خاصة إن الكورة بقت لها مستقبل مش مجرد نشاط ترفيهي".

عزلة مفروضة

أطفال يلعبون كرة القدم في مركز شباب شبرا، 2025

رغم ما قد يوحي به الأمر من أن لشيماء مطلقَ الحرية في تنظيم إجازة أطفالها كما ترى، وأنها المسؤولة عن حصر الأنشطة على المساجد وجلسات تحفيظ القرآن، فإن حديثها يعكس ما يمكن تسميته بـ"عزلة مفروضة"؛ إذا ما نظرنا إلى ندرة البدائل حولها.

تعبّر شيماء عن حاجة أطفالها لجهات توفر الأنشطة "بأسعار مخفضة"، موضحةً "كان نفسي يكون في كورسات لتحسين الخط أو تعلم الكمبيوتر، المادة دي احنا بنبقى واقعين فيها في الدراسة وما بيكونش في تطبيق كتير عليها".

يفصل بين سكن شيماء بمنطقة شبرا الخيمة، وأقرب مكتبة عامة ومركز ثقافة، 10 دقائق لكل منهما بالمواصلات، إلا أن الأزمة لم تكن في المسافة قدر ما كانت في "التكلفة"، تشرح "الكورس في المكتبة بـ300 و400 جنيه وأنا أي نشاط بعمله دلوقتي بضرب تكلفته في ثلاثة؛ عشان أودي عيالي الثلاثة"، هذا مع الانتباه إلى أن طفليها التوأم سفيان وجويرية في عمر الحضانة "ومش محتاجين أنشطة"، على حد تقديرها.

خارج العزلة

بين هذا وذاك حاولت أسرٌ البحث عن بدائل خارج نطاق المؤسسات الدينية، إلا أن لذلك ضريبة في ظل ندرة الأنشطة وتكلفتها، كما الحال مع أسماء رمضان أم سيف 12 سنة وتميم 9سنوات.

يزيد سكن أسماء (33 سنة) في مدينة 6 أكتوبر من صعوبة توفير أماكن توفر نشاطات "بتشقلب عشان ألقى لهم أنشطة".

التكلفة المالية ليست الوحيدة التي تتحملها أسماء، فهناك تكلفة تدفعها من وقتها، حيث تقطع المسافة من سكنها إلى وسط البلد مرتين أسبوعيًا؛ مرة لمشاركة طفليها في نادي قراءة لليافعين تنظمه دار نشر خاصة، بمقابل 400 جنيه للطفل، ومرة أخرى لحضور طفلها الأكبر كورس برمجة يكلفها 2500 جنيه، "بوديهم واستناهم وأجبهم".

بدورها ترفض أسماء حلمي، الأم لطفلة وحيدة في عمر التاسعة، إرسال طفلتها إلى نشاط بمسجد، مفسرة ذلك بأنها "مش عارفة هيوصلوا لها الدين إزاي"، وعوضًا عن ذلك "بجيب معلمة تحفظها القرآن في البيت، وبنروح مكتبة مصر العامة في الأميرية".

تعتبر أسماء نفسها محظوظة بقربها من المكتبة "ربع ساعة بالتوكتوك"، وتبدي رضاها عن خدماتها "بحجز لبنتي كورسات رسم ويوسي ماث بأسعار تساوى 60% أو 70% من الأسعار برا"، لكنها تعود وتشكك في كفاءة الخدمات في كل مرة تتابع فيه "جروب الماميز" في مدرسة الراهبات التي تتردد عليها طفلتها.

تشرح "كل شوية الأمهات يسألوا مين رايح رحلة الكنيسة، أو مين مشارك في كورس الكنيسة"، وتقدّر "بيدفعوا في كورس الكنيسة تلت المبلغ اللي بدفعه في المكتبة"، معبّرة عن حاجتها لتوفير مثل الأنشطة المتاحة في الكنائس بنفس الأسعار ولكن من قبل مؤسسات مدنية.

رغم تفضيلات أسماء التي تختار لطفلتها أنشطة صيفية بعيدة عن المؤسسة الدينية، فإن طفلتها ستبقى في دائرة العزلة نفها، إذ ستلتقي مطلع العام الدراسي المرتقب برفيقات قضين إجازاتهن داخل الكنيسة.

لا تقلق أسماء حيال ذلك "يمكن عشان إحنا في مدرسة راهبات؛ فيه تركيز وبالذات في بداية الدراسة على تقبل الآخر وإن ما فيش فرق"؛ هذا بالنسبة لطفلة تدرس بمدرسة راهبات تجد من يذيب مساحات الاختلاف بينها وبين رفيقاتها، لكن من سيفعل ذلك مع أطفال شيماء وإيريني؟!