رمزي عز الدين.. عودة المنصب المهجور
بينما كان الدبلوماسي المخضرم رمزي عز الدين منخرطًا في بحث خيارات "إعادة الاصطفاف في النظام العالمي الجديد" أثناء حضوره مؤتمرًا تستضيفه العاصمة الإندونيسية جاكرتا؛ دارت مطابع الهيئة الأميرية لإصدار عدد الجريدة الرسمية المتضمن قرار تعيينه مستشارًا سياسيًا لرئيس الجمهورية، في استعادةٍ لمنصبٍ ظلَّ شاغرًا لأكثر من 12 سنة، ما قد يكون مؤشرًا على تحولٍ، ولو مؤقتٍ، في طريقة تفكير النظام.
اسم عز الدين ليس غريبًا على دوائر الدبلوماسية المصرية، هو ابن جيل شكَّل مراحلَ مهمةً في السياسة الخارجية المصرية. دخل إلى الوزارة نهاية السبعينيات ضمن دفعةٍ شملت أسماءً شغلت لاحقًا قلب القرار الدبلوماسي، منها السفراء نبيل فهمي وسامح شكري ومحمد العرابي، وثلاثتهم صاروا وزراء خارجية.
تميز المستشار السياسي الجديد داخل هذه الدائرة بصفةٍ تلازمه، أجمعت عليها خمسة مصادر دبلوماسية تحدثت إليها المنصة، هي "المهنية والثقة الفكرية". من بين كثيرٍ من المدح، أجمعت المصادر؛ وهم ثلاثة ما زالوا في الخدمة واثنان سابقان، على أن عز الدين "شخص كفء ودبلوماسي محترف"، فيما أضاف البعض إلى صفاته أنه "غير مؤدلج" و"متنور". وقال دبلوماسي حالي عمل معه في الأمم المتحدة، إن لديه قدرة على طرح أفكار وتقديم تقديرات "قابلة للتطبيق العملي"، بينما قال الدبلوماسي السابق الأول بأنه يمتلك مهارة "الموازنة بين الخيارات المعقدة وإعطاء الرأي السديد".
خلافات مع ماهر ودعم من موسى
الوصف الأكثر تكرارًا في الشهادات التي جمعتها المنصة عنه أنه "صاحب رأي ويعتد به"، ورغم ما لهذا من دلالة إيجابية فإنه قد ينظر إليه كـ"مشاكسة" في بيئة بيروقراطية تميل بطبيعتها إلى الحذر، حسب الدبلوماسي السابق الثاني، الذي شغل من قبل منصبًا رفيعًا، وعرف عز الدين عن قرب. وقال بأنه "لا يغير موقفه بسهولة إذا كان مقتنعًا به"، وهي ميزة قد تكون مطلوبة في لحظات إعادة التقييم الاستراتيجي، لكنها قد تثير احتكاكات داخل المؤسسات الرسمية.
يستدعي المصدر الدبلوماسي الحالي الثاني، والذي تقاطع عمله مع عز الدين في بعض الملفات، خلافًا نشب بين عز الدين والسفير المصري في واشنطن حينها أحمد ماهر، خلال عملهما معًا في السفارة المصرية في الولايات المتحدة خلال وزارة عمرو موسى. ورغم ما استُنتج عن هذا الخلاف من تأويلات لاحقة، فإن الدبلوماسي الذي عمل معه في الأمم المتحدة، قلل من أهمية ذلك الخلاف الذي لا يعدو "وظيفيًا بدون دلالات فكرية أو سياسية".
شغل عز الدين المنصب نفسه الذي سبق وشغله أسامة الباز مستشار مبارك
مع ذلك، وحسب الدبلوماسيين الثلاثة الحاليين، لعب عمرو موسى دورًا مهمًا حينها في دعم مسيرته إذ عيّنه سفيرًا لمصر لدى البرازيل في سن الـ43، وهو عمر مبكر نسبيًّا لمثل هذا المنصب. وفيما بعد سوف تربط عز الدين علاقة وطيدة بموسى، وسيكون وزير الخارجية الأسبق نبيل فهمي من أكثر المقربين منه منه إلى اليوم.
ولد الدبلوماسي السبعيني لأبٍ دبلوماسي أيضًا، وتزوّج في مرحلة من حياته ابنة علي تيمور، سفير مصر الأسبق لدى أوغندا، ومدير مراسم رئاسة الجمهورية لفترة طويلة، قبل أن يتزوج لاحقًا من امرأة سورية.
سيرته الذاتية تقول إنه خدم في عواصم كبرى من موسكو إلى واشنطن، كما تولى سفارة مصر في البرازيل والنمسا وألمانيا، وشغل منصب ممثل مصر لدى الأمم المتحدة ولدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتدرج داخل السلك التنفيذي وتولى منصب وكيل أول وزارة الخارجية، المنصب نفسه الذي شغله أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وأحد أهم العقول التي صاغت السياسة الخارجية في تلك المرحلة.
نظام إقليمي جديد
في واحدة من أهم المحطات في مسيرته، شغل عز الدين منصب مساعد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا من 2014 وحتى 2019، وهي مرحلة بالغة التعقيد من الحرب السورية إبان حكم بشار الأسد. بعدها انتقل من إدارة التفاوض حول التسويات بين دول، إلى إدارة انهيارات سياسية داخل دول شبه منهارة، حيث تتداخل قوى إقليمية مثل إيران وتركيا ودول الخليج مع قوى دولية كبرى، في مشهد شديد التعقيد.
الجانب الأكثر أهمية في فهم هذا التعيين لا يتعلق فقط بالسيرة، بل بالفكر السياسي الذي يمكن استخلاصه من شهادات الدبلوماسيين الذي أحاطوا به ومن كتاباته على مدار أكثر من عقد في صحيفة الشروق، ثم لاحقًا في جريدة الشرق الأوسط السعودية، ومجلة المجلة، ليوصّف الدبلوماسي الذي عمل معه في الأمم المتحدة توجهاته بأنه "ليبرالي، لكن دون أن يكون محسوبًا على الولايات المتحدة أو مقيدًا برؤيتها، ويحتفظ بعلاقات جيدة مع الروس ويميل إلى قراءة كل ملف من زاوية المصلحة الوطنية المباشرة".
يطرح عز الدين تصوّرًا لإعادة بناء نظام عربي أكثر تماسكًا تكون فيه مصر رمانة الميزان والسعودية ركنًا موازيًا في أمن الخليج
يقدم عز الدين رؤية متماسكة تقوم على فكرة مركزية مفادها أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى تجاوزت قدرة النظام الإقليمي القديم على الاستقرار أو إدارة الصراعات؛ حيث تشابكت أزمة الصراع العربي الإسرائيلي مع الملف الإيراني بالأزمة السورية والتحولات الداخلية في الدول العربية في شبكة بنيوية واحدة، ما يجعل محاولات حل كل ملف بمعزل عن الآخر مقاربة غير واقعية.
في هذا الإطار، يرى في مقاله "رؤية عربية للأمن الإقليمي... من التبعية إلى الفاعلية الاستراتيجية" المنشور في فبراير/شباط 2026، ضمن سلسلة مقالات نشرها في مجلة المجلة، أن "الاتكال على الضمانات الخارجية لم يعد كافيًا"، مشيرًا إلى تراجع مركزية الولايات المتحدة في النظام الإقليمي، وأن هذا التحول كشف هشاشة البنية العربية نتيجة غياب التنسيق الجماعي، ما سمح لقوى إقليمية مثل إيران وإسرائيل بملء الفراغ الاستراتيجي، وكشف أيضًا حدود النموذج الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي، على نحو يفرض على الدول العربية إعادة التفكير في أسس أمنها.
ويطرح عز الدين تصوّرًا لإعادة بناء نظام عربي أكثر تماسكًا، تكون فيه مصر رمانة الميزان، والسعودية ركنًا موازيًا في أمن الخليج، مع تكامل أوسع مع تركيا لإضافة بعد من العمق الاستراتيجي. وَسط ذلك كله لا يجب التعامل مع إيران بوصفها عدوًا مطلقًا بل قوة إقليمية يجب إدارتها بالحوار، بينما تبقى فلسطين، في هذه الرؤية، مفتاح الشرعية والاستقرار.
اللافت أن هذا الطرح، الذي قدمه عز الدين عام 2013 وأعاد صياغته على فترات حتى الشهر الماضي، يتقاطع مع بعض ملامح السياسة المصرية الخارجية الحالية التي تستكشف مسارات تنسيق إقليمي وأمني أوسع مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد، مدفوعةً بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
رغم توتر العلاقات مع تركيا في الأعوام التي تلت الإطاحة بنظام الإخوان، قدّم عز الدين مقالًا في الشروق في يونيو/حزيران 2013 "قراءة في مستقبل العلاقات المصرية - التركية"، واقترح فيه "على صانع القرار المصري أن يعي التحدي الأساسي في التعامل مع تركيا والمتمثل في اضطلاع مصر بمهمة إقامة نظام عربي متكامل يلبي طموحات دول المنطقة وتطلعاتها ومبادئها، وهو نظام يجب أن يكون متعدد الأبعاد، قلبه هو الوطن العربي، ويقيم علاقات متميزة مع دول الجوار المؤثرة كتركيا".
وبعد الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، شهدت العلاقات بين البلدين توترًا على خلفية دعم أنقرة لجماعة الإخوان المسلمين، ما دعا القاهرة إلى طرد السفير التركي في العام نفسه احتجاجًا على تصريحات لإردوغان طالب فيها بإطلاق سراح مرسي.
لكنَّ البلدين استعادا علاقتهما بعد عشر سنوات بشكل تدريجيي، بدأ بتخفيف حدة الهجوم الإعلامي الصادر من تركيا على الحكومة المصرية، عبر وقف بعض البرامج المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين فيها، مرورًا بتبادل التصريحات الإيجابية بين الزعيمين، حتى المفترق الأهم بإعلان البلدين عودة السفراء عام 2023.
على خطى أسامة الباز
وفقًا للدبلوماسي الحالي الذي تقاطع عملهما في بعض الملفات، فإن من بين أبرز الأسئلة التي سيتعين على عز الدين المساهمة في الإجابة عنها "ترتيبات المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب على إيران"، وهي مرحلة يُتوقع أن تحمل تحولات عميقة في موازين القوى. ويذهب المصدر الدبلوماسي الذي عمل مع عز الدين في الأمم المتحدة إلى أنه "ربما يُطلب من المستشار السياسي الجديد طرح أفكار مركبة تتعلق بتنويع علاقات مصر الإقليمية والدولية"، في ظل بيئة دولية تتجه نحو تعددية أكثر تعقيدًا وتقديرات دبلوماسية تشير إلى وجود توترات صامتة في ملفات إقليمية حيوية بين مصر والإمارات على سبيل المثال رغم العلاقات الاستراتيجية المعلنة بينهما.
منذ وصوله إلى السلطة أحاط السيسي نفسه بعدد من المستشارين ليس من بينهم مستشار سياسي
في ظن المصدر الدبلوماسي السابق الأول الذي تحدث إلى المنصة، قد يكون رمزي عز الدين أول شخص من خارج المؤسسات الأمنية تُسند إليه ملفات حيوية بعد أسامة الباز. اللافت أيضًا في الرؤية التي يقدمها، أنه يرى أن الدور المصري في الإقليم مشروط بوجود دولة قوية داخليًا، باعتبار أن السياسة الخارجية هي انعكاس لقوة وكفاءة وفاعلية النظام على المستوى الداخلي، مثلما كتب في مقال له في مايو/أيار 2013 تحت عنوان "السياسة الخارجية المصرية.. أين كانت وأين يجب أن تكون؟".
يوضح في مقال آخر نُشر أيضًا في الشروق، ديسمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، ما يعنيه أكثر بأنه لكي تلعب مصر دورها في الشرق الأوسط، لا بد من وجود جبهة داخلية قوية؛ سياسيًا عبر ترسيخ دولة القانون والموازنة بين الأمن والحريات، واقتصاديًا بتحقيق نمو شامل يدمج الإصلاح الهيكلي بالعدالة الاجتماعية. كما يشدد على أن الدعم الخارجي هو فرصة مؤقتة، ولن يستمر طويلًا دون الاعتماد على الذات وتنشيط الموارد السيادية.
هذا الشرط الذي يضعه عز الدين لدور مصري فاعل خارجيًا؛ الدولة القوية سياسيًا واقتصاديًا بمفهوم ديمقراطي وإصلاح اقتصادي عميق، يبدو أبعد بكثير من الواقع المصري الراهن، ما يطرح سؤالًا عن هامش تأثيره داخل بنية تتبنى تعريفًا مختلفًا للقوة والاستقرار.
عودة المستشار السياسي
المُسمى الذي نُشر في الجريدة الرسمية يقول إن رمزي عز الدين عُين مستشارًا لرئيس الجمهورية "للشؤون السياسية" لسنة واحدة فقط اعتبارًا من 6 أبريل/نيسان. لكن قدراته تظل متركزةً في السياسة الخارجية، دون ما يشير إلى امتداد مماثل في الملفات الداخلية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور المتوقع وحدوده الفعلية.
في كل الأحوال، يُحيي هذا التعيين وظيفةً سياسيةً كانت حاضرةً بقوة في مراحل سابقة. ففي عهد حسني مبارك على الأقل، لعب الباز، مدير مكتب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، دور المستشار السياسي الأقرب إلى مركز القرار، واضطلع لسنوات بمهام المبعوث الخاص لمبارك، إلى جانب أدوار أقل للمشورة السياسية لشخصيات مثل مصطفى الفقي سكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات.
وفي فترة حكمه القصيرة، شكَّل محمد مرسي فريقًا رئاسيًا موسعًا ضم أربعة مساعدين و17 مستشارًا، في محاولة، ولو شكلية، لخلق حالة من التوافق السياسي. وتضمّن هذا الفريق مساعدة للشؤون السياسية هي باكينام لاحقًا، وفي يوليو 2013، عين الرئيس المؤقت عدلي منصور فريقًا من المستشارين، من بينهم مصطفى حجازي مستشارًا سياسيًا.
لكن هذه الوظيفة تراجعت حتى اختفت تمامًا، فمنذ وصوله إلى السلطة، اعتمد الرئيس السيسي على نموذج يقوم على التخصص وأحاط نفسه بعدد ليس بقليل من المستشارين، ربما أحيانًا على سبيل التكريم، في مجالات متعددة منها الأمن القومي ومكافحة الارهاب والاقتصاد والصحة والمشروعات القومية والحوكمة والتخطيط الاستراتيجي والإعلام، قبل أن يتقلص عددهم لاحقًا في سبتمبر/أيلول 2024، ومن دون وجود مستشار سياسي.
لم تغب الفكرة تمامًا، حيث جرى تداول أسماء لصحفيين بارزين في بدايات حكم السيسي، من بينهم عبد الله السناوي وياسر رزق، باقتراح من محمد حسنين هيكل، إلا أن هذا التوجه لم يلق استحسانًا آنذاك من السلطة. ومنذ ذلك الحين، اعتمد الرئيس في إدارة الملفات الخارجية بشكل كبير على وزراء الخارجية إلى جانب جهاز الاستخبارات العامة الذي لعب دورًا فاعلًا في إدارة ملفات شديدة الحساسية.
مع ذلك إن فهم شخصية عز الدين لا يكفي وحده لتفسير تعيينه أو الدور الذي سوف يلعبه، أو للإجابة عن سؤال لماذا الآن، مع إجماع المصادر على وجود "احتياج"، بل و"ضرورة" لاستعادة هذا المنصب، ويُرجح مصدران، أحدهما الدبلوماسي السابق الأول، والآخر هو الدبلوماسي الحالي الثالث، أن يكون اختياره بترشيح من فايزة أبو النجا مستشارة الرئيس للأمن القومي، وهو ما لم يتسنَّ لـ المنصة التأكد منه.