حساب البيت الأبيض على إكس
ترامب يستقبل جثامين الجنود القتلى في حربه على إيران، 8 مارس 2026

الهدنة الهشة بين أمريكا وإيران.. ماذا ينتظرنا في إسلام آباد؟

منشور الخميس 9 نيسان/أبريل 2026

لم تمض على الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران سوى بضع ساعات حتى تعرضت لاختبار  مدى صلابتها، فمع استهداف إسرائيل للبنان بهجوم غير مسبوق، عاودت إيران إغلاق مضيق هرمز، فهددت الولايات المتحدة بإنهاء الهدنة ما لم تعد طهران فتح المضيق. بعد إعلان وقف إطلاق النار على جميع الجبهات لمدة أسبوعين لإجراء مفاوضات حول نقاط عشرة اشترطتها طهران ووافقت عليها واشنطن، نفذت إسرائيل 100 غارة جوية على بيروت أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من ألف شخص.

الهدنة كإرادة استراتيجية

يعبر وقف إطلاق النار في هذه اللحظة عن إرادة استراتيجية لدى الطرفين. ويشير مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية مايكل وحيد حنّا إلى الأحداث الأخيرة باعتبارها "علامات جنوح" عن الهدنة، و"تحديًا مهمًا لإدارة ترامب"، فإنه يستبعد في حديثه مع المنصة أن تتراجع الأطراف عن الهدنة في الوقت الحالي.

جانب من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بيروت، 8 أبريل 2026

يتفق معه سفير مصر السابق في إسبانيا والدبلوماسي السابق في ألمانيا أيمن زين الدين، مستبعدًا أن تتراجع أمريكا عن وقف إطلاق النار بسبب إغلاق المضيق، أو تتراجع إيران نتيجة الهجوم الإسرائيلي على لبنان.

هذا التصور يدعّمه زين الدين بالإشارة إلى تعليق نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بعد إغلاق المضيق، بأن لبنان لم تكن جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، موضحًا أن هذا التصريح يتناقض مع البنود التي أعلنها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وتأكيده في بوست على إكس، أمس الأربعاء، أن إيران وأمريكا وجميع حلفائهم وافقوا على وقف إطلاق النار على جميع الجبهات بما فيها لبنان.

يستدرك السفير بأن فانس، رغم تصريحه الأخير، وصف هذا التناقض بـ"سوء الفهم المشروع"، دون رد فعل على غلق مضيق هرمز قبل اجتماع التفاوض يوم السبت، ما يشير إلى التعقل من جانب الطرفين.

والسؤال الآن، وفق زين الدين، هو هل ستتوقف إسرائيل عن مساعيها لإفساد الهدنة، لافتًا إلى أنه لا يستبعد أن تكون الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل عدم قبولها تكرار الهجوم على لبنان، وطلبت من إيران عدم الرد،  مرجحًا أن تكون مسارات التفاوض في طريقها لاجتماع يوم السبت.

مستقبل المفاوضات

ووفقًا لسفير مصر السابق في إسبانيا، فالهدنة الآن تواجه مسارين محتملين: إما أن تكون هناك خطوة نحو وقف دائم لإطلاق النار، أو فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع قبل استئناف القتال.

سحابة دخان تتصاعد بعد قصف على طهران، 2 مارس 2026

ويشير الخبير الاستراتيجي والمستشار الأكاديمي للمركز المصرى للفكر والدراسات محمد مجاهد الزيات إلى أن مصير الهدنة يعتمد على ما يمكن تحقيقه في المفاوضات، في ظل تباعد مواقف الأطراف.

ويخلص مايكل وحيد حنا  إلى أن فرص الوصول إلى اتفاق نهائي ليست واضحة، خاصةً مع فشل محاولات التفاوض السابقة، ووجود فجوة عميقة في الثقة. ويرى أن أحد الدروس الأساسية لهذه المواجهة هو أن الخيارات العسكرية، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز، قد لا تكون قابلة للتنفيذ كما افترضت الإدارة الأمريكية، ما يضع حدودًا جديدةً لاستخدام القوة في المنطقة.

ويرى الزيات في موافقة ترامب على المقترح الباكستاني أمرًا متوقعًا رغم تهديداته وتحديده ساعة زمنية لـ"تدمير حضارة بأكملها"، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي اصطدم بصمود إيراني وتحركات استراتيجية حدّت من قدرته على تحقيق أهدافه، ما دفعه إلى البحث عن مخرج يسمح له بإعلان مكسب سياسي، عبر إعادة فتح مضيق هرمز.

على الجانب الآخر، يشير الزيات إلى أن إيران سعت هي الأخرى نحو وقف الحرب ولو مؤقتًا، لإعلان انتصارها وإثبات أنها وجهت ضربات قوية لأمريكا ومصالحها في المنطقة، ويكفيها الصمود في مواجهة القوة الأمريكية.

يستبعد زين الدين أن تكون الضغوط الدولية وراء قرار الرئيس الأمريكي، فترامب لا يهتم كثيرًا بحسابات الحلفاء، ويرى أن "الضغوط الفعلية جاءت من الداخل الأمريكي، حيث استنزفت الحرب رصيد ترامب السياسي، وهددت فرص حزبه في انتخابات التجديد النصفي".

حسبة المكسب والخسارة

يمكن اعتبار نتيجة الحرب حتى الآن "خسارة على جميع الأطراف"، وفق حنا، الذي يرى أن إيران حققت بعض المكاسب الاستراتيجية، مشددًا بالمقابل على أن إسرائيل"تبدو مستاءة من تفعيل الهدنة بدون تحقيق سردية انتصار قوية".

يلفت مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية إلى أن تل أبيب قد تعتبر "إلحاق بعض الضرر بإيران مكسبًا، فهذا من ضمن أهداف إسرائيل الاستراتيجية" بغض النظر عن نتائج هذا الضرر على المنطقة أو اقتصاد العالم، ليظل أبرز انتصارات إسرائيل في هذه الحرب هو توريط الولايات المتحدة في الحرب "وهو هدف سعى إليه نتنياهو لعقود".

غير أن خسائر إسرائيل تفوق مكاسبها؛ ويعددها حنا لـ المنصة بأن "سمعة إسرائيل أمام الرأي العام الأمريكي تعرضت لضربة قوية..  هناك تصور متنام بأن إسرائيل ورّطت الولايات المتحدة في هذه الحرب، وهو ما قد يؤثر على دعمها السياسي مستقبلًا"، كذلك يشير إلى أن تطلعات إسرائيل للتطبيع مع دول مثل السعودية "يبدو أنها انتهت".

أما إيران، فحققت مكاسب مرتبطة بالصمود، وفرضت تكلفة على خصومها، بالإضافة إلى التحكم في مضيق هرمز، رغم خسائر الاقتصاد والبنية التحتية التي تكبدتها. ويرى زين الدين أن أحد أبرز نتائج الحرب "حرق" ورقة التهديد العسكري الأمريكي، التي كانت تمثل عنصر ردع رئيسي في المنطقة، إلى حد كبير، فحين وُضعت هذه القوة موضع اختبار، جاءت نتائجها أقل من المتوقع، ما انعكس على صورة الردع الأمريكي.

يتفق حنا مع هذا التقييم، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، لم تحقق أهدافها، وظهرت بصورة دولة يصعب التنبؤ بسلوكها أو الاعتماد عليها. كما أنها تواجه الآن ضغوطًا اقتصادية وسياسية داخلية نتيجة الحرب، ما يضاعف تكلفتها الاستراتيجية.

وتظل دول الخليج هي الأكثر تضررًا، إذ يشير زين الدين إلى أن تعرض منشآتها النفطية والاقتصادية لخسائر هائلة، يظهر الهشاشة التي يقوم عليها نموذجها الاقتصادي الذي بني على مدى سنوات من الرخاء المالي والأمان، استنادًا إلى الحماية الأمريكية والتوازنات الإقليمية.

التباس في بنك الأهداف

إيرانيون يتجمعون حدادًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران، 1 مارس 2026

يرى زين الدين أن أهداف الولايات المتحدة من الحرب غير واضحة "ربما حتى للولايات المتحدة نفسها، حتى يبدو أن هدف الحرب كان شن الحرب لذاتها، ما يجعل الصورة تبدو ملتبسة على نحو كبير".

ويتفق حنا، لكنه يشير إلى هدفين كانا واضحين إلى حدِ ما، وهما "إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي"؛ على مستوى القدرات العسكرية يشير إلى أن الولايات المتحدة تمكنت من إلحاق خسائر كبيرة بإيران، لكنها لم تقض على قدرتها القتالية، إذ استمرت طهران في إطلاق الصواريخ والمسيرات حتى الأيام الأخيرة من الحرب، مع إمكانية إعادة بناء قدراتها لاحقًا. كما يرى في الملف النووي أن إيران لا تزال تحتفظ بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب دون رقابة واضحة، ولم تقدم تنازلات جوهرية حتى الآن.

ويقيم الأستاذ الزائر بحلف الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل اللواء دكتور سيد غنيم، الحرب بأن الولايات المتحدة حققت تفوقًا عسكريًا واضحًا بقصف ما قدره بـ"80% من أهدافها العسكرية"، لكنها لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية بالكامل. في المقابل، تمكنت إيران من تحقيق تفوق استراتيجي عبر تهديد مضيق هرمز.

ورغم التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي الهائل على إيران، فإن إيران، كما يوضح غنيم لـ المنصة، كانت لها اليد العليا استراتيجيًا في الحرب بتهديد مضيق هرمز وإمكانية انتقال التهديد لمضيق باب المندب، بما يهدد النفط والتجارة العالميين. وهذا ما يراه حنا نكسة أمريكية كبيرة؛ "أزمة مضيق هرمز تشكل اليوم واحدةً من أهم أدوات الضغط الإيرانية في الحرب، وهي أزمة لم تكن موجودة قبل الحرب".

يوضح حنا أن هذه النتائج مجتمعة تجعل سردية تحقيق الولايات المتحدة لأي أهداف في الحرب سردية ضعيفة، "على العكس، يبدو أنها فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية ونجحت في خلق تحديات جديدة".

قد يُنظر لفشل محاولة كسر إيران كـ"نوع من الانتصار"، لكنه لا يرقى في نظر سفير مصر السابق في أسبانيا إلى انتصار كامل، بينما يرى حنا أن قبول ترامب بخطة النقاط العشر كأساس للتفاوض يمثل "مكسبًا رمزيًا" لإيران، معتبرًا هذا القبول مفاجأة غير متوقعة من جانب ترامب "بالذات أن هذه الصيغة تبتعد كثيرًا عن موقف الولايات المتحدة في بداية الحرب"، فهي لا تتناول ملفات مثل الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية والحلفاء الإقليميين.

يرى زين الدين أن قبول ترامب بهذه الصيغة "يعكس محدودية الخيارات أمام الإدارة الأمريكية" بعد حملة عسكرية لم تحقق أهدافها بالكامل فذهبت تبحث عن مخرج سياسي. ويبقى خيار التصعيد الأمريكي مطروحًا حال لم تصل المفاوضات إلى ما يطمع فيه ترامب، خاصة مع تهديده بـ"تصعيد كبير في القتال إذا لم تمتثل إيران"، ورفضه سحب القوات الأمريكية في الشرق الأوسط حتى التوصل إلى اتفاق تشير التقارير إلى صعوبته نظرًا لتشدد الطرفين في تنفيذ مطالبه.