تصميم: يوسف أيمن- المنصة
تتحكم ممالك وإمارات الخليج في مصائر المنطقة

السامسونج يصل الخليج.. احتكار "قصة الحرب" حتى على السوشيال ميديا

منشور السبت 14 آذار/مارس 2026

"قالولنا في الشغل نقول لأهالينا إننا بخير، وطلبوا مننا حسابات فيسبوك بتاعتنا علشان يتأكدوا إن محدش نشر أو هينشر حاجة ضد البلد". يحكي محمود(*)، العامل المصري المقيم في أبوظبي، عن التعليمات التي تلقاها هو وزملاؤه مع اندلاع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ورد الأخيرة باستهداف مصالح الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية في دول الخليج والأردن والعراق، إلى جانب المدن الإسرائيلية. 

يتشارك محمود شقةً مع 20 عاملًا مصريًا، يخبرون بعضهم في المساء عن تعليمات مشابهة تلقّاها معظمهم من أرباب عملهم، تضمّنت التشديد على خطورة إبداء أيَّ تعاطفٍ مع إيران، أو تأييدٍ لردودها التي تصيب دول الخليج.

ورغم "إحباط" الدول الخليجية من تجاهل صانع القرار الأمريكي "لتحذيراتهم" من خطورة الرد الإيراني، وإصراره على المضي إلى الحرب وإفشال مساعي الوساطة العمانية للوصول إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي؛ أحجمت العواصم العربية عن إبداء أي انتقاد علني للعدوان على إيران، وأجمعت على إدانة ردّ طهران.

وبالتوازي مع الصمت العربي؛ تمنع السلطات الخليجية نشر الصور أو مقاطع الفيديو التي توثق خسائر القصف، وتنشط في ملاحقة من يعبّر عن تعاطفه مع إيران أو ينتقد المواقف الخليجية الرسمية بعواقب تصل إلى السجن والغرامات الكبيرة، والترحيل بالنسبة للأجانب. 

واليوم أمرت النيابة العامة في الإمارات بالقبض على 10 متهمين من جنسيات مختلفة بينهم مصري، لنشرهم عبر السوشيال ميديا مقاطع مصورة ومحتوى وصفته بـ "المضلل".

في بيانها، ذكرت النيابة الإماراتية أن المتهمين نشروا مقاطع حقيقية لتصدي الدفاعات الجوية للهجمات، وأخرى مصطنعة باستخدام الذكاء الاصطناعي "توحي بوقوع انفجارات أو استهدافات داخل الدولة خلافًا للحقيقة، إضافة إلى مقاطع منسوبة لأحداث خارج الدولة". وهو ما اعتبرته النيابة تضليلًا للرأي العام وإثارة للقلق بين أفراد المجتمع، مع حبس المتهمين احتياطيًا، وأشارت إلى أن العقوبة قد تصل إلى حبس لا يقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 100 ألف درهم.

مُرسل من جهاز سامسونج

وفيما يشبه حملات "رسائل السامسونج"، التي اشتهرت في مصر لصنع سردية موحدة ورأي عام موحد عبر هيمنة السلطات على الصحافة والإعلام وتوزيع بيانات موحدة يجبر الجميع على إذاعتها. شارك عدد من الإنفلونسرز المقيمين في دبي في ترند واسع الانتشار على السوشيال ميديا يشيد بحكام الإمارات ودورهم في الحفاظ على الأمن. وحقق مئات الآلاف من المشاهدات، وذلك ضمن حملات السياسة الإماراتية لتبنّي روايتها الرسمية عن نجاحها وكفاءتها في حفظ الأمن والوحدة الوطنية.

ونقلت سكاي نيوز عربية، في تقرير لها بعنوان "شكرا للإمارات.. مشاهير ومؤثرون ممتنون للإجراءات الفعالة"، عددًا من التويتات ومقاطع الفيديو، التي شاركها إنفلونسرز، من بينهم البريطانية لويزا زيسمان، التي قالت في فيديو "تبذل الحكومة جهدًا جبارًا للحفاظ على هذا الوضع. ورغم قلقي، أشعر أننا في أيد أمينة..".

وكتبت الإنفلونسر اللبنانية كارن وازن "أنا ممتنة للغاية لدولة الإمارات العربية المتحدة على كيفية تعاملها مع سلامة وصحة سكانها".

وجاء في تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية مطلع الشهر الجاري أن إنفلونسرز أجانب مقيمين في دبي تعرّضوا لضغوط مكثفة لحذف مقاطع صوتية وبوستات تعلق على وقوع هجمات صاروخية إيرانية. كما حذف رجل الأعمال الإماراتي البارز خلف الحبتور بوست كان نشره على فيسبوك ينتقد فيه دعوة السيناتور الأمريكي لينزي جراهام لانخراط دول الخليج في الحرب، قائلًا "لن ندخل حربًا لخدمة مصالح الآخرين".

 وأنفقت دول الخليج مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية، لاستقطاب إنفلونسرز السوشيال ميديا من أجل الترويج للسياحة والاستثمارات، مع منحهم تأشيرات وامتيازات وإعفاءات ضريبية، ويتجلى دورهم الدعائي في موسم الرياض المتجدد كل عام، أو كأس العالم في قطر 2022.

أما الإمارات التي تُقدِّم نفسها واحة الأعمال والاستثمار في المنطقة؛ فسبق أن جذبت 50 ألف إنفلونسر من مختلف دول العالم بتأشيرة Creators HQ، في قمة واحدة أسمتها "1 Billion Followers"، وخصصت صندوقًا بـ150 مليون درهم لدعمهم.

بعد الحرب وُضِع هؤلاء الإنفلونسرز تحت رقابة السلطات، التي هددت بسجن المخالفين وتوقيع غرامات قد تصل إلى 77 ألف دولار لنشر "معلومات ضارة بالوحدة"، مما دفع إحدى هؤلاء إلى حذف فيديو شظايا صاروخ خارج شقتها، قائلة "السلطات تُسيطر على الرواية".

ويستند هذا الإجراء بشكل رئيسي إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، الذي يُعاقب على نشر مواد "تُعرّض الأمن للخطر" أو تُذيع الشائعات، بعقوبات تصل إلى السجن وغرامات تبلغ مليون درهم، فضلًا عن الحرمان من استخدام السوشيال ميديا.

التهمة: تمجيد الأعمال الإيرانية

أمريكا تطلق صواريخ من البحرين باتجاه إيران، 4 مارس 2026

لم تقتصر محاولات السيطرة على سردية الحرب وأثرها على دول الخليج على الإنفلونسرز والشخصيات العامة. فشهادة محمود عمَّا واجهه في عمله تتفق مع روايات ثلاثة مصريين آخرين مقيمين في الخليج، تحدثوا لـ المنصة عن مناخ من الهيمنة التامة على الفضاء العام والسوشيال ميديا يعزز حتى الرقابة الذاتية على ما يُنشر.

يعمل خالد(*) مُدرّسًا في دبي، ويعيش هناك مع عائلته منذ خمس سنوات. يحكي لـ المنصة أن المناخ العام يدفع الناس إلى الرقابة الذاتية دون تعليمات مباشرة؛ "الواحد من غير ما حد يقوله بيمشي جنب الحيط".

يلحظ خالد منذ اندلاع الحرب كثافة التحذيرات من تصوير أو تداول أي تفاصيل تتعلق بالحرب؛ "لا تُصوِّر ولا تتداول ولا تشارك معلومات، هذه رسالة تأتيك طوال الوقت على الموبايلات وفي الشغل وفي خطبة صلاة الجمعة وبعد الصلاة".

ينوه المدرس المصري إلى أن المزاج العام في دول الخليج يميل إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة هي من استفزت إيران لتوريط الخليج، لكن النقاش العلني حول هذه المواقف شبه معدوم؛ "لو حد أعلن تأييد لإيران أو رؤية مختلفة عن اللي الدولة بتقوله مش هتلاقيه... والناس أصلًا بتتجنب الكلام".

في قطر، تُرجمت هذه الرقابة إلى ضبط نحو 313 شخصًا من جنسيات مختلفة إثر تصويرهم وتداولهم فيديوهات اعتبرتها السلطات معلومات مضللة وشائعات من شأنها إثارة الرأي العام، بالمخالفة للتعليمات الصادرة. 

وتبلغ نسبة الأجانب في دول الخليج مجتمعة نحو 51% من السكان، ولكنها تزداد في الإمارات وقطر، حيث تصل إلى 88.5% و85.7% على الترتيب، وهي الأعلى عالميًا. 

وفي البحرين لم يتوقف تتبع آراء معارضي الحرب في الخليج عند حملات الملاحقة أو الضبط، فقد أحيل عدد من المتهمين إلى محاكمة عاجلة بسبب "الترويج وتمجيد الأعمال الإيرانية العدائية"، بعد بلاغ من إدارة الجرائم الإلكترونية بشأن حسابات بثت مقاطع للهجمات الإيرانية على منشآت عسكرية وممتلكات، مع تعبير أصحابها عن فرحتهم وتشجيعهم على استمرارها.

"اللي يتكلم يتشد"

لا يختلف المشهد في السعودية كثيرًا؛ "الإعلام هنا مكتّم.. مفيش حد يقدر يتكلم. اللي يتكلم بيتشد في لحظة. الداخلية مسيطرة وممنوع تصوير أي حاجة أو الإدلاء بتصريحات"، يختصر لطفي(*)، المقيم في الطائف منذ 5 سنوات، الوضع هناك.

ونفذّت السعودية سلسلة اعتقالات طالت عددًا من النشطاء والمدونين وبعض الشخصيات المعروفة بانتقادها السياسات الحكومية، في إطار ما وصفته المصادر التي تحدثنا إليها بـ "إجراءات احترازية" تهدف إلى منع أي تحركات أو تعبير علني عن الرأي قد يُفسَّر على أنه احتجاج أو معارضة للسياسات الرسمية.

وامتدت التحذيرات السعودية من البيانات الأمنية إلى المنابر الدينية؛ "في خطب الجمعة في الجوامع حذروا الناس وقالوا ممنوع التصوير، واللي يتمسك بيصور هيُعتقل"، يقول لطفي لـ المنصة.

تنظر السعودية إلى توثيق إصابة المسيرات الإيرانية أهدافًا داخل البلاد باعتباره خدمةً مجانيةً للخصم، حسب لطفي، الذي يتطرق أيضًا لحصار الآراء المعارضة للحرب، ويؤكد على أن "الحذر هو القاعدة.. السعوديون متحفظون والقوانين حساسة، والجميع يفضل تجنب الخوض في أي نقاش سياسي علني".

انقسام مكتوم في الكويت

جندي سلاح المشاة الأمريكي أثناء إطلاق صاروخ ستينجر، 5 مارس 2024

في الكويت، يلحظ سمير(*) وهو أكاديمي مصري يعمل أستاذًا جامعيًا هناك منذ 10 سنوات، أن المزاج العام يميل بوضوح إلى اعتبار إيران خصمًا "شايفين إيران عدو.. معظم الناس شايفة إنها ماكانش ينفع تهاجم الكويت".

لكن هذا لا يعكس الصورة كاملة؛ إذ هناك من يتبنى مواقف أكثر تعاطفًا مع إيران؛ بسبب مناهضة الوجود الأمريكي أو لاعتبارات مذهبية؛ "فيه ناس شايفة إن احتضان القواعد الأمريكية بيدي شرعية لاستهداف الخليج. وفيه ناس مؤيدة لإيران لأنهم شيعة أصلًا. لكن الخوف مسيطر على الجميع، خصوصًا العمالة الوافدة، لأن أي مشكلة هتؤدي للترحيل"، يقول الأكاديمي المصري لـ المنصة.

ويشير إلى أثر اغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي على شيعة الكويت، أخذًا في الاعتبار ممكانته الروحية "الناس دي زعلانين ومكتومين.. الدولة مش سامحة بالتعبير عن تأييد إيران، ومنعوا التصوير علشان مفيش فيديوهات تتسرب، ومنعوا التجمعات.. لدرجة أنهم لغوا صلاة القيام من وقت الحرب. واتقبض فعلًا على ناس".

وتتباين نسب الشيعة في الخليج؛ ففي حين يشكلون الأغلبية في البحرين (بين 65-70%)، فإنهم يمثلون أقليات متفاوتة في السعودية (15-25%)، والكويت (10-15%)، والإمارات (5-10%)، وعُمان (3-7%).

وعلى هامش مآلات التصعيد العسكري بالمقاتلات والصواريخ والمُسيّرات؛ تستمر سلطات دول الخليج في معركتها الموازية لتعميم روايتها على المواطنين والسكان ليستمّروا في ترديدها. ففي ظل ترسانة القوانين الصارمة، والضغوط التي نجحت في إسكات المؤثرين والشخصيات العامة، والتلويح بورقة الترحيل أو السجن، يظلّ "المشي جنب الحيط" خيارًا مُفضّلًا لملايين المغتربين وهُم على حافّة الحرب، سعيًا خلف الرزق والنجاة. 


(*) أسماء مستعارة بناء على طلب المصادر.