رسالة من المدعوين في أحزان الحكومة.. المنسيين في أفراحها
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران وصلت شظاياها إلى دول الخليج.
انتشر الدمار في شوارع إيران، دمَّرت الصواريخ أحياءً كاملةً في إسرائيل، فقدت الولايات المتحدة بعض طائراتها وجنودها، تضررت دول الخليج في نفطها وأمانها، وغرقت شوارع مصر في الظلام وانخفض الجنيه أمام الدولار وارتفعت أسعار الوقود والغذاء والمواصلات.
لم تكن مصر طرفًا في الحرب، لكن منذ متى ينتظر الاقتصاد المصري حربًا ليعاني؟
اتخذت الحكومة إجراءات مشددة، ناشدت المواطنين تحمُّل الظرف الاستثنائي وأن يكونوا على قدْر الحدث.
تظهر كلمة "المواطن" بشكل موسمي كلما حلّت مصيبة عليه أن يتحملها، وقتها يصبح مواطنًا صالحًا عليه مساعدة وطنه حتى انتهاء الظرف، ليفقد بعدها هذا اللقب ويعود إنسانًا عاديًا.
في الأدبيات السياسية، يعرّف عالم الاجتماع تي إتش مارشال المواطنة بأنها "وضع يمنح الأفراد حقوقًا متساوية داخل المجتمع، مقابل التزامهم بواجبات"، وتُوصّفها جامعة هارفارد بأنها "علاقة متبادلة بين الفرد والدولة: حماية وحقوق في مقابل التزام وواجب".
في مصر أنت مواطن عليك واجبات؛ أن تدافع عن وطنك وتتحمله وتقف بجانبه في الأزمات وتدفع ضرائبك، وكارتة الصحراوي والدائري الأوسطي، وتتبرع فوق ذلك لمعاهد الأورام وتوصيل المياه النظيفة إلى القرى. لكن أن تطلب في المقابل حقوقًا مثل أن تلعب دورًا أو تملك صوتًا ورأيًا وتحاسب الحكومة وتختار ممثليك؟ أنت كثير الهزار اذهب إلى السجن حالًا.
الحلقة الأضعف
الدول القوية اقتصاديًا لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها أو أرقامها الكلية، بل بقدرتها على حماية مواطنيها من التقلبات.
ليست مصر بمعزل عن العالم بالطبع، لكن المطلوب ألا يكون المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا. وأن يكون هناك نظام قادر على امتصاص جزء من الصدمة، بدلًا من تمريرها بالكامل إلى الناس.
لا بد من الشعور بأن الدولة تدخر للمواطن في الأوقات الجيدة، حتى تحميه في الأوقات الصعبة.
وطالما تنعكس كل أزمة عالمية فورًا على الداخل، فلماذا لا تعود الفترات الجيدة عليه بنفس السرعة، إنْ عادت أصلًا؟ في الغالب لا يشعر أحد بتحسن أوضاعه عندما تنخفض أسعار الطاقة عالميًا وتتحسن المؤشرات الاقتصادية، وتتدفق الاستثمارات والسيولة الدولارية.
لا برلمان يحاسب ولا إعلام يراقب ولا مواطن يعترض وبناء عليه لا ينجو الفاشل من المحاسبة فقط بل تُجدد الثقة فيه
في مرات كثيرة، أعدت الحكومة الموازنة العامة للدولة على أساس سعر معين لبرميل النفط وانخفض هذا السعر دون أن تُعدّل الموازنة، أو تخبرنا الحكومة أصلًا، لكن يكفي أن يزيد سعر البرميل عدة دولارات لتزيد أسعار كل شيء في اليوم التالي.
نحن أمام أزمة حقيقية طالت العالم كله وأثرت على الجميع بدرجات متفاوتة، لكن التأثير الأكبر على الاقتصادات الهشة، فمن المسؤول عن جعل اقتصادنا هشًا؟
لجأت الدولة طوال العقد الأخير إلى المسكنات ومحاليل الجفاف في تسيير الاقتصاد، بالغت في الاعتماد إلى الديون والمساعدات وبيع الأصول بدلًا من الاستثمار في الإنتاج وزيادة نسب الاكتفاء الذاتي، والنتيجة أن حادث سير في النرويج قادر على زعزعة الأسواق في مصر.
لم يحدث ذلك في يوم وليلة، بل عبر سنوات من الرهانات الخاطئة التي حذر منها خبراء الاقتصاد وطالبوا مرارًا بمراجعتها، فاقتصادٌ لا يبني احتياطات حقيقية، ولا يستثمر في الإنتاج، ولا يوزّع عوائد النمو بشكل محسوس، سيظل عرضة لأي صدمة خارجية.
لكن لا برلمان يحاسب، ولا إعلام يراقب، ولا مواطن يعترض، وبناء عليه لا ينجو الفاشل من المحاسبة فقط، بل تُجدد الثقة فيه دوريًا.
القاهرة مظلمة وطهران مضاءة
يغلقون كل شيء ويطفئون أضواء الشوارع في التاسعة مساء، بينما شوارع طهران مضاءة تحت القصف، سيقولون لك إن إيران دولة نفطية، أرسل لهم تصريح رئيس الوزراء قبل 5 سنوات بأن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بحلول عام 2023 وأن مصر لن تكون مضطرة لاستيراد الغاز بعد هذا العام، ثم اسألهم: هل فعلًا فقدنا جزءًا كبيرًا من إنتاجية حقل ظهر بسبب خلل في الصيانة والتشغيل؟
تستورد مصر حاليًا 30% من استهلاكها من الغاز، كانت الفاتورة قبل الحرب حوالي 6 مليارات دولار سنويًا، وبعدها أصبحت في حدود 8 مليارات دولار سنويًا، ما يعني أن تكلفة الاستيراد الشهرية زادت حوالي 167 مليون دولار شهريًا، فاسألهم هل هذا الرقم يستحق أن تغرق مصر في الظلام ويفقد الملايين وظائفهم مصدر دخلهم؟
سيقولون لك إن الأزمة ليست في التكلفة لكن في انقطاع إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، فاسألهم ومن وضع رقابنا بين يديها؟
نفهم أن الأزمة أقوى من الجميع، جميع الدول والأشخاص، وفي هذه الظروف يجب ألا تُترك قرارات تؤثر في حياة ملايين البشر في يد مجموعة أشخاص أو طيف سياسي واحد.
في مصر خبراء اقتصاد أثبتت الأيام أنهم كانوا يستشرفون المستقبل وأنه لو استمع أحد لآرائهم وقتها ربما أصبحنا في وضع أفضل، هل فكّر رئيس الوزراء أن يجتمع بهم ويشاورهم في الأمر؟ ومن يضمن أن القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة لن تكون كالقرارات التي اتخذتها سابقًا وأوصلتنا إلى هنا؟
تتكرر القصة؟ لأننا لم نحل المشكلة من جذورها. كل مرة نتعامل مع الأزمة كحدث طارئ، بينما الحقيقة أنها جزء من واقع عالمي دائم.
الحروب لن تتوقف، الأزمات لن تختفي، الأسواق ستظل متقلبة. السؤال ليس كيف نتجنب التأثر؟ بل كيف نقلل حدته؟ وهذا يحتاج إلى ما هو أبعد من إجراءات مؤقتة، يحتاج إلى اقتصاد إنتاجي أكثر من كونه استهلاكيًّا، وإلى تنويع حقيقي في مصادر العملة الصعبة، وسياسات أكثر استقرارًا ووضوحًا، وربما إعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.