تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
قبل عام 1970، ازدهرت أفلام الريف، بل كانت إبداعية وفارقة في صناعة السينما

الدلتاويون الأفاضل| من فيلم جديد إلى دستة أفلام قديمة

منشور الخميس 4 حزيران/يونيو 2026

مع عرض فيلم السادة الأفاضل للمخرج كريم الشناوي أواخر العام الماضي؛ كان لدى الكثيرين مِنَّا مواقف ليتخذونها منه، بين الفخر بفضحه قُبح الريف المصري، أو رفض تشويهه هذا الريف بأشخاصه وأماكنه. لكن وبصرف النظر عن أهمية الجدل والنقاش؛ فأعتقد أننا دُرنا بما فيه الكفاية في هذه الحلقة المفرغة، ورُبما حان الوقت الآن لننتقل من السؤال عمَّا فعله بنا الفيلم لسؤال أكثر بدائية، وهو كيف كُنَّا قبل أن يفعل فعلته.

تهمني هذه الفكرة بشكل خاص لأنني، كما حجازي جلال أبو الفضل/محمد شاهين، دلتاويةٌ تُحدِّثكم من القاهرة الكُبرى. لذلك شعرت وأنا أشاهده يعترف لوالده الميت -نوعًا ما- بالخجل منه ومن أفراد عائلته وتصرفاتهم -وإن لم يمنعه ذلك من الاعتماد على معوناتهم المادية- شعرت أن باستطاعتي فهمه.

وازدادت ثقتي بأنني أفهم حقًا هذه الشخصيات، مع وصولي للمشهد الذي يجمع جوهري/طه دسوقي، قائد ومخطط عملية سرقة مكتب البوسطة، بالحاج خيري/أشرف عبد الباقي الذي جعل أخاه الميت -مرة أخرى: نوعًا ما- يبصم على ممتلكاته، ثم احتداد النقاش للّحظة التي يقول فيها جوهري "أنا مش شبهكم، أنا عايز أسافر"، تزداد ثقتي بأنني أفهم حقًا تلك الشخصيات.

وكلما زاد اقتناعي بأنني أفهمهم؛ وجدت نفسي أريد التحدث عن أمور عديدة تتعلق بتمثيلهم على الشاشة.

حقيقة مُحرجة جدًا

هل تصدقني لو أخبرتك أننا أنتجنا آخر فيلم مصري ريفي/Egyptian countryside movie تدور أحداثه في الدلتا، قبل أكثر من 55 سنة؟ لا؟ لنثبت ذلك إذًا.

لو اعتبرنا أن الفيلم الريفي هو الفيلم الذي تتكون غالبية شخصياته من ريفيين يعيشون ويتفاعلون بلهجتهم الريفية في فضاءٍ ريفيٍّ حيث تبدأ الأحداث وتنتهي هناك؛ سنجد أن هذا النمط انتهى تقريبًا عام 1970، بأفلام الأرض ليوسف شاهين (1970) وشيء من الخوف لحسين كمال (1969) ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق صالح (1969). وهذا الفيلم الأخير رغم أن شخصياته الرئيسية ليست ريفية في معظمها؛ كان مُخلصًا للريف أكثر من معظم الأفلام التي ستصدر بعده، وسنقف عند معنى هذا لاحقًا في هذه السلسلة.

قبل 1970، كانت صناعة أفلام الريف ليست مزدهرة فحسب، بل إبداعية وفارقة في الصناعة. نتحدث عن الفترة التي أنتجت أفلامًا مثل الزوجة الثانية لصلاح أبو سيف (1967) ودعاء الكروان (1959) وحسن ونعيمة (1959) والحرام (1965) لهنري بركات، وابن النيل ليوسف شاهين (1951)، وقبلها جميعًا الفيلم الرائد "زينب" بنسختيه الصامتة (1930) والناطقة (1952)، وكلتاهما للمخرج محمد كريم.

أعمالٌ مختلفة في ثيماتها وتكلفتها وحتى نظرتها إلى القرويين، لكنها جميعًا "تدور في الريف" وهو ما سنكفُّ عن فعله لاحقًا، لأننا سنشهد مع حلول السبعينيات تغيّرًا ملحوظًا في شخصياتنا وعوالمنا الريفية المُصوَّرة، وهذه مشكلة لها جذور قديمة، تتجاوز عام 1970 بدلالاته عن تغيّر الأنظمة. 

الريف: تاريخ من كونه "مشكلة" 

في عام 1904، أُضيفت الأفلام السينمائية إلى قانون الرقابة على المطبوعات الذي صدر عام 1881. وفي 8 مايو/أيار 1911، ذكرت صحيفة La Réforme/الإصلاح المصرية الناطقة بالفرنسية، أن محافظة القاهرة قررت التدخل لوقف عرض الأفلام التي تتسم بقدر مفرط من الواقعية، وأمرت أقسام الشرطة بمراقبة ما يُعرض في دور السينماتوغراف، وإبلاغ المحافظة فورًا إذا كان أي فيلم يتعارض مع الآداب العامة أو النظام العام.

نظريًا، ظلَّ معمولًا بهذه القوانين واللوائح حتى أتى العام 1952 بثورته وتغييراته الشاملة. لكن في عام 1947، صدرت مجموعة من "التعليمات" للسينمائيين. لم تكن قوانين صريحة، لكنها كانت كافية لحرمان أي عمل يخالفها من الوصول للجمهور، من بين هذه التعليمات حظر تصوير العمال واحتجاجاتهم، والأحياء الشعبية في المدينة، وبالطبع؛ الريفيين ومنازلهم، وفق ما وثّقته الكاتبة أمل عريان فؤاد في كتابها سلطة السينما.. سلطة الرقابة.

فاتن حمامة تؤدي دور عاملة التراحيل عزيزة في فيلم الحرام، عن رواية يوسف إدريس وإخراج هنري بركات (1965)

عُلِّل ذلك وقتها بـ"تدني مستوى" تلك المنازل. وبصرف النظر عن فجاجة الطرح، فإنه لم يكن غريبًا أو غيرَ مفهومٍ في سياقه.

نعم، كانت أوضاع منازل الريفيين بائسةً لأنهم عاشوا متقشّفين في ظلِّ الإقطاع. وبدلًا من التعامل مع سوء أوضاعهم، مُنعوا ببساطة من الحديث عن هذا السوء. 

حاول سينمائيو المرحلة بالفعل إيجاد طرقٍ لعرض ريفٍ لا يستفز الرقيب، ولكن لا يمكن إغفال أن محاولاتهم، على أهميتها، عكست أزماتٍ فكريةً وفجّرت جدالاتٍ حادةً ربما لم نصل لإجابات لها حتى اليوم. 

ففي محاولة لتجنب توجيه أصابع الاتهام للنظام الذي يستغل الفلاح ويستهتر به -الإقطاع في هذه الحالة- وَجَّهَت أفلامٌ مثل ليلى بنت الريف لتوجو مزراحي (1941) والأفوكاتو مديحة ليوسف وهبي (1950) لومها إلى الريفيين الذين خرجوا إلى المدينة وتأثروا بأفكارها.

ديناميكية (الريفي - المديني ابن الريف) التي سنرى لاحقًا كيف ستستمر في التطور والتعقيد، قُدِّمت في صورتها الأولى كمحاولة لرد اعتبار الريف عن طريق لوم المنشقين عنه. لكننا أيضًا نرى أن ذلك اللوم انطلق غالبًا من استحقاق غير مقنع؛ ففي الفيلمين تبدأ الأزمة من رفض شخصية مدينية (فتحي/يوسف وهبي في "ليلى بنت الريف" ومديحة/مديحة يسري في "الأفوكاتو مديحة") الارتباطَ بشخصية ريفية استجابة لقرار الأهل. هذا الرفض الذي كان ممكنًا تفسيره بأسباب منطقية كثيرة، اقتصر تصويره في العملين على أنه "تعالٍ"، وعلى هذا تُبنى بقية الأحداث.

العملان كذلك مُشرَّبان بمرجعية جندرية تقليدية تكيل الأمور بمكيالين. فبينما تعاملت ليلى/ليلى مراد مع رفض فتحي لها بالتحول إلى فتاة مدينية تجيد الحديث بالفرنسية؛ كان على مديحة أن تقبل بابن عمها كما هو، بل إن رَفْضَها عرَّضها في لحظةٍ ما للتهديد بالقتل. 

عمل آخر هو "زينب" بنسخته الناطقة يعكس ارتباك المرحلة، فالفيلم مُتّهم حتى يومنا الحالي برمنسة الريف الفقير والإقطاع؛ حيث تظهر حقول قطنٍ منظمةٌ ومنازل وحيوانات نظيفةٌ. لكن بالنظر إلى الصورة الأشمل في ظل القواعد التي كان معمولًا بها وقتها، قد نستنتج أن محمد كريم قدم هذه الصورة المخففة في محاولة للتحايل على شروط الرقابة (والمنتجين والموزعين وحتى الجمهور) والنجاة من الهجوم الذي واجهه يوسف شاهين عندما اعتُبر فيلمه "ابن النيل" مُسيئًا لسمعة مصر.

عهد جديد وعهد أجدد

عزت العلايلي ومحمود المليجي في أحد مشاهد فيلم الأرض ليوسف شاهين. 1969

باندلاع ثورة 23 يوليو 1952 وبفضل قانون الإصلاح الزراعي الذي سيُمكِّن هؤلاء الفلاحين من زراعة أرضهم تغير كل شيء.

فما إن اِعتُرف بوجود الإنسان الريفي واقعيًا حتى أصبح لصورته مكانٌ على الشاشة. هذه الفترة هي التي نعود إليها عندما نتذكر معظم الأعمال الريفية الأكثر جدارة، واشتباكها مع الريف وأزماته بالنقد والتحليل دون النظر إلى ناسه باعتبارهم نوعًا إنسانيًّا مختلفًا.

كما لعبت المؤسسة العامة للسينما بعد إنشائها عام 1962 دورًا محوريًا في مساعدة السينمائيين على إعلان وجود هذا الريف. لا يمكن إنكار أن تلك المساعدة اقترنت بالتركيز على شجب عهد الإقطاع والترويج للعهد الجديد، ولا يمكن تجاهل ما واجهه الصناع من مآزق رقابية أخرى إذا طال نقدهم النظام القائم كما حدث مع فيلم "شيء من الخوف".

لكن رغم ذلك؛ أسست تلك المرحلة شكل الريف السينمائي كما نعرفه اليوم. ففيها ولأول مرة رأينا الريفيَّ بطلًا، ليس بمعنى أنه يضرب ويكسِّر، بل أن يُوجد، يتكلم، يَظلم ويُظلم ويواجه الأحداث بدلًا من أن ينساق خلفها، ذكرًا كان أو أنثى. 

لكن مع نهاية عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات سنشهد مرحلةً جديدةً تمامًا، يُعاد فيها ضبط العلاقات الزراعية وفق تعديلات على قانون الإصلاح الزراعي عام 1975، أعادت تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بإضعاف بعض القيود التي كانت تحمي المستأجرين الصغار، وأضعفت موقف صغار الفلاحين في النزاعات المرتبطة بالأرض.

تزامنت هذه التعديلات التي ساهمت عمليًا في تراجع جدوى الزراعة الصغيرة، مع الانفتاح الاقتصادي الذي ركّز على قطاع التجارة المنتعش في المدن لا سيما العاصمة في بلدٍ يتّسم بالمركزية. أصبح الريف يلفظ أبناءه ويدفعهم تدريجيًا نحو العمل غير الزراعي في المدن، بحثًا عن دخل أكثر استقرارًا.

لم تكن المؤسسة العامة للسينما بعيدة عن هذه التحولات، ففي عام 1971 صدر قرار تصفيتها لتصبح هيئة تجمع السينما والمسرح والموسيقى. سيؤدي ذلك في النهاية إلى توقعها عن الإنتاج السينمائي، بعد أن ساهمت حتى لحظاتها الأخيرة، في تمويل المشروعات التي ستصبح أهم الكلاسيكيات التي نحتفي بها اليوم؛ "الأرض" و"شيء من الخوف" و"يوميات نائب في الأرياف"، وحتى المومياء: يوم أن تُحصى السنين لشادي عبد السلام (1969)، وجميعها صدرت في السنة الأخيرة من عهد عبد الناصر.

هنا، نظر الفلاح لبيئته فرآها تعود لهامشيتها الأولى، لكنه ليس تهميشًا مرتبطًا بالإقطاع هذه المرة، بل بنظام اجتماعي واقتصادي جديد تمامًا، أجبره على الزحف نحو المدينة بفكرة ضبابية عن المستقبل، وبطبيعة الحال انعكس ذلك التشوش على صورته السينمائية التي لم تعد كما كانت. فقد انتهى إكلينيكيًا العصر الذي كان بإمكانه فيه أن يكون بطل قصته على الشاشة. 

ستستمر السينما المصرية طبعًا في تناول الريف المصري، لكنها لن تحكي قصصًا "من الريف" بل ستكون في معظمها "عن الريف". فما الذي حدث؟ وما علاقة كل ذلك بكريم الشناوي وسادته الأفاضل؟

للحديث بقية..