سينما الثمانينيات المتمردة| مدينة المواطن والمخبر والحرامي
كانت مسارات المخرجين الخمسة الذين ارتبطت أسماؤهم بسينما الثمانينيات متجاورة أكثر منها متطابقة، فقد جاء كلُّ واحدٍ منهم إلى السينما من خلفية مختلفة، وطوَّر لغته الخاصة. لكنهم رغم ذلك التقوا في لحظة تاريخية واحدة، تناولتها في المقال السابق لهذه السلسلة، أعادت تعريف موقع المخرج داخل الصناعة.
وإذا كان ما جمع هؤلاء هو الإحساس بضرورة تجديد السينما؛ فإن ما ميز بينهم هو كيفية تنفيذ هذا التجديد؛ إذ يمكن تتبُّع تجاربهم عبر طيف يمتد من الواقعية الاجتماعية المباشرة إلى التأمل الفلسفي والاشتغال الرمزي.
واقعية ووجودية وفانتازيا
قدم محمد خان شكلًا جديدًا من الواقعية، أكثر هدوءًا وتأملًا. بدأ رحلته من خارج مصر، بعد دراسة السينما في لندن والعمل في عدد من الأفلام البريطانية، قبل أن يعود إلى القاهرة حاملًا اهتمامًا واضحًا بالمدينة وحياة الطبقة الوسطى.
مع فيلمه الأول ضربة شمس (1980) ظهر عالمه الخاص الذي سيستمر في أفلام لاحقة مثل الحريف وزوجة رجل مهم (1988) وفارس المدينة (1992). وأحيانًا في شكل متمرد على المدينة كما في خرج ولم يعد (1985) ومشوار عمر (1986).
في هذا العالم تصبح المدينة بطلًا خفيًا، وتتحول تفاصيلها اليومية الصغيرة إلى مدخل لفهم التحولات الاجتماعية الكبرى، بحيث تبدو أفلامه أقرب إلى تأمل هادئ في حياة الناس داخل مدينة تتغير بسرعة.
بينما يمكن النظر إلى عاطف الطيب، بوصفه المخرج الأكثر اشتباكًا مع الواقع الاجتماعي في صورته الصلبة والمباشرة. فقد جاء من الخلفية الأكاديمية للمعهد العالي للسينما، وعمل لسنوات مساعدًا قبل أن يقدّم فيلمه الأول الغيرة القاتلة (1982). لكن حضوره الحقيقي تبلور سريعًا مع سواق الأوتوبيس (1982)، الذي تحوّل إلى علامة على سينما مشغولة بالعدالة الاجتماعية والصدام مع السلطة.
في أفلامه اللاحقة مثل البريء (1986) والحب فوق هضبة الهرم (1986) وضد الحكومة (1992)، يظهر الفرد غالبًا في مواجهة منظومة أكبر منه، سواء كانت سلطة سياسية أو فسادًا اجتماعيًا واسعًا، وهو ما منح سينماه نبرة غاضبة ومباشرة.
وفي منطقة وسطى بين الواقعية الصارمة والتجريب الأسلوبي، تقف تجربة خيري بشارة القادم إلى السينما عبر الفيلم الوثائقي. هذا التكوين انعكس في اهتمامه بالمكان والناس العاديين، لكنه لم يظل أسير الواقعية، بل مزجها بنبرة شاعرية وأحيانًا بلمسات من العبث.
في أفلام مثل الطوق والإسورة (1986)، ويوم حلو يوم مر (1986) وكابوريا (1990)، نرى اهتمامًا بالهامش الاجتماعي وبالشخصيات التي تعيش خارج مركز المدينة أو السلطة، مع حرية أكبر في المزج بين الأساليب مقارنة ببعض أبناء جيله.
ومع رأفت الميهي ننتقل خطوة أبعد نحو الفانتازيا والسخرية السوداء. فقد جاء إلى الإخراج من بوابة الكتابة، بوصفه أحد أبرز كتاب السيناريو، وهو ما انعكس على بنية أفلامه التي تميل إلى اللعب السردي والمبالغة المقصودة.
في أعمال مثل الأفوكاتو (1984) وسمك لبن تمر هندي (1988)، لا تكون الواقعية هدفًا في حد ذاتها، إنما وسيلة لتفكيك تناقضات المجتمع عبر الخيال والسخرية، ما منح سينماه طابعًا مختلفًا داخل سياق جيله.
وعند الطرف الأكثر تأملًا في هذا الطيف، تقف تجربة داود عبد السيد، التي تميل إلى الاشتغال على الأسئلة الفلسفية والوجودية بقدر اهتمامها بالواقع الاجتماعي.
بدأ عبد السيد مسيرته في السينما التسجيلية، وعمل مساعدًا قبل أن يُخرج فيلم الصعاليك (1985)، لكن ملامح مشروعه تبلورت بوضوح في البحث عن سيد مرزوق (1991)، ثم في أفلام لاحقة مثل الكيت كات (1991) وأرض الخوف (2000).
في هذه الأعمال تتداخل الحكاية الواقعية مع بعد رمزي، وتتحول الشخصية إلى كائن في رحلة بحث عن معنى أو خلاص، لا مجرد بطل لصراع اجتماعي مباشر.
إيقاعات المشهد
رغم هذه التباينات يمكننا القول إن هذه الموجة كانت قاهرية بالأساس؛ باعتبار العاصمة رمزًا للمدينة عندهم، كونها الأكثر تعبيرًا عن التحولات التي أرادوا الاشتباك معها، كما أن من يعيشون هذه التحولات يمرون عبرها. فظل التركيز عليها واضحًا في أماكن التصوير أو الشخصيات التي تعيش فيها، أو القادمة من خارجها لتلتصق بها وتتشكل داخلها، وحتى المتمردة عليها من أبنائها كما في خرج ولم يعد (1985) ومشوار عمر (1986).
ولهذا، حتى مع وجود استثناءات مثل الصعيد في الطوق والإسورة (1986) أو جزء من الهروب (1991) أو الإسكندرية في رسائل البحر (2010) والبحر بيضحك ليه (1995)، تظل القاهرة هي المحور الأساسي الذي تدور حوله هذه التجارب، والمرآة الأوضح للتحولات التي انشغلت بها سينما هذا الجيل.
ولا يظهر هذا التفاوت بين هؤلاء المخرجين فقط على مستوى الأسلوب والرؤية، لكن يمتد أيضًا إلى إيقاع الإنتاج نفسه. فقد بلغ رصيد محمد خان نحو 23 فيلمًا روائيًا، وهو ما يجعله من أكثرهم إنتاجًا، وأتاح له تتبّع تحولات المدينة المصرية عبر عقود مختلفة. أما عاطف الطيب فقد قدّم نحو 21 فيلمًا خلال مسيرة قصيرة أنهتها وفاته المبكرة، وهو رقم يكشف عن كثافة إنتاجه وحضوره القوي في الثمانينيات وبداية التسعينيات.
في المقابل، يبدو إنتاج خيري بشارة أقل غزارة، إذ قدّم نحو 12 فيلمًا، لكنها تركت بصمة واضحة في أعمال أصبحت علامات في السينما المصرية. وهو الرقم نفسه تقريبًا الذي قدّمه رأفت الميهي، الذي اتسمت أفلامه بطابع ساخر وفانتازي مميز. أما داود عبد السيد فيمثل النموذج الأكثر تمهلًا؛ إذ أنجز نحو 9 أفلام فقط، لكنه عُرف بعناية كبيرة بالبناء الدرامي والفكري، ما جعل أفلامه الأقل عددًا هي الأكثر تماسكًا.
ظهور عابر
وإذا كان هؤلاء يمثلون، بدرجات متفاوتة، قلب ما يُعرف بموجة الثمانينات، فإن تجربة مدحت السباعي تكشف في الوقت نفسه حدود هذا التصنيف.
فقد ظهر في الفترة نفسها تقريبًا، وقدّم نحو 19 فيلمًا، وهو ما يعكس إيقاعًا إنتاجيًا مرتفعًا، لكنه لم يُدرج عادة ضمن الأسماء الأساسية المرتبطة بهذه الموجة.
يعود ذلك جزئيًا إلى عمله داخل إطار السينما التجارية، حيث فرضت متطلبات السوق إيقاعًا سريعًا وقيودًا على التجريب. ومع ذلك، فإن النظر بتأنٍ إلى بعض أفلامه يكشف عن تقاطعات لافتة مع تجارب أبناء جيله؛ ففي خلطبيطة (1994) تظهر روح ساخرة وفانتازيا تقترب أحيانًا من عالم رأفت الميهي، بينما يحمل قيدت ضد مجهول (1981) حسًا اجتماعيًا واقعيًا يذكّر بالمناخ الذي اشتغل عليه خيري بشارة، ويكشف الفقراء لا يدخلون الجنة (1984) عن نبرة اجتماعية حادة يمكن أن تستدعي روح سينما عاطف الطيب.
من هذه الزاوية يبدو أن السباعي كان يقف على تخوم هذا الجيل دون أن يُحسب عليه بالكامل؛ إذ وضعته اختياراته الإنتاجية في منطقة السينما التجارية، بينما تشير بعض أعماله إلى حساسية قريبة من الأسئلة التي شغلت زملاءه.
إن ما جمع هؤلاء المخرجين لم يكن أسلوبًا واحدًا بقدر ما كان إحساسًا مشتركًا بضرورة تجديد السينما المصرية وإعادة الاعتبار لدور المخرج صاحب الرؤية. ورغم الاختلاف الواضح بين هؤلاء المخرجين في الأسلوب والرؤية، فإن بينهم خيطًا مشتركًا ظل حاضرًا في أعمالهم، أشبه بما يجمع ثلاثة نماذج بشرية مختلفة كما في فيلم داود عبد السيد مواطن ومخبر وحرامي (2001). فقد جاء كل منهم من طريق مختلف، واحتفظ بلغته الخاصة، لكن أعمالهم التقت في لحظة تاريخية واحدة جعلت من الثمانينيات عقدًا استثنائيًا في تاريخ السينما المصرية.


