تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
المخرجون الخمسة الأبرز في عقد الثمانينيات: العاطف الطيب وخيري بشارة وداوود عبد السيد ومحمد خان ورأفت الميهي

سينما الثمانينيات المتمردة| ضربة شمس في مجتمع مضطرب

منشور الخميس 2 نيسان/أبريل 2026

في أواخر الستينيات وخلال السبعينيات؛ كانت مصر على موعدٍ مع تحولات سياسية واجتماعية عميقة، على وقع ما فتحته هزيمة 1967 من مراجعات واسعة للمشروع السياسي والاجتماعي الذي تبلور في عهد جمال عبد الناصر، انعكست بالضرورة على السينما.

في تلك اللحظة؛ ظهرت نزعات سينمائية أكثر نقدًا وتأملًا، وحاول بعض المخرجين الاقتراب من الأسئلة التي فرضتها الهزيمة على المجتمع والدولة؛ لكنَّ هذه المراجعات لم تكتمل في سياق الستينيات نفسه، لتُطلَّ سنوات السبعينيات ومصر تدخل في مسار سياسي واجتماعي مختلف.

فمع تولي أنور السادات الحكم، بدأت الدولة تدريجيًا إعادة تشكيل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بعد حرب أكتوبر وما صاحبها من شعور باستعادة الكرامة الوطنية؛ لتتبنَّى سياسة الانفتاح الاقتصادي بما يتيح إعادة رسم خريطة الطبقات الاجتماعية ويفتح المجال لتحولات واسعة في أنماط الاستهلاك والقيم الاجتماعية.

تزامن ذلك مع تغيرات في المجال السياسي، من بينها إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة، وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، إلى جانب صعود ملحوظ للتيارات الدينية في المجال العام. صاحبت كلَّ ذلك موجةُ أفلام ناقدة لديكتاتورية الفترة الناصرية عرفت بـ "أفلام الكرنكة" نسبة إلى فيلم الكرنك (1975) الذي يُشار له بوصفه بدايةَ هذه الموجة، ولنا بشأنه حديثٌ آخر في موضع آخر.

مجتمع "السوبر ماركت"

أفيش فيلم سوبر ماركت، بطولة نجلاء فتحي وممدوح عبد العليم، وإخراج محمد خان، من إنتاج 1990

هذه التحولات مجتمعةً خلقت واقعًا اجتماعيًا جديدًا اتسم بتوتر واضح بين القيم التي تبلورت بعد 1952 باعتبارها محصلة قيم الوطنية المصرية منذ 1919، والتغيّرات السريعة التي شهدها المجتمع في السبعينيات، ليصبح المجتمع "سوبر ماركت، كل شيء فيه بضاعة لها سعر، حتى الإنسان"، كما يصفه رمزي/ممدوح عبد العليم في فيلم محمد خان الذي حمل الاسم نفسه عام 1990.

لهذه التحولات أيضًا أسئلتها الخاصة التي أضيفت على أجندة الحوار المجتمعي إلى جوار، أو بالتوازي مع، أسئلة هزيمة يونيو التي لم يُجبها نصر أكتوبر من وجهة نظر البعض.

كل هذا انعكس على صناعة السينما، فالدور الذي لعبته الدولة في الإنتاج السينمائي في الستينيات، وأتاح مساحةً لأفلامٍ ذات طابع اجتماعي وفكري واضح، عبر المؤسسة العامة للسينما، سرعان ما تراجع في السبعينيات، وترك المجال بدرجة أكبر لقوى السوق. في هذا المناخ ظهرت ما ستُسمَّى لاحقًا أفلام المقاولات التي تُنتج بسرعة وبميزانيات محدودة، وتستهدف جمهور الفيديو في الخليج أكثر من دور العرض في مصر.

ورغم قدرتها على اجتذاب الجمهور؛ لم تتبلور أفلام هذه المرحلة، محدودة القيمة فنيًا وفكريًا، في مشروع سينمائي متماسك. لكنها في المقابل شكَّلت مساحة تدريب لنجوم ومخرجين مساعدين سيظهر أثرهم لاحقًا، وهم يؤسسون في مطلع الثمانينيات تيارًا مختلفًا أعاد الاعتبار لفكرة "المخرج صاحب المشروع"، وفتح الباب أمام رؤية جمالية وفكرية أكثر جدية.

الفراغ من جانب، والتوترات الاجتماعية والثقافية التي تحدثنا عنها بعد عملية السلام وقادت لمظاهرات 1977، أو ما يُعرف بـ انتفاضة الخبز، فتحت المجال تدريجيًا لظهور جيل جديد من المخرجين جاء من خلفيات مختلفة؛ بعضهم درس السينما في المعهد العالي للسينما، وبعضهم أتى من العمل الوثائقي ومن تجارب خارج مصر.

لكن جميع هؤلاء التقوا عند رغبة مشتركة في إعادة الاعتبار لدور المخرج صاحب الرؤية، وفي محاولة قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها المجتمع المصري منذ السبعينيات. بدأت هذه المحاولات تتبلور في أفلام حملت ملامح جديدة في الموضوع والأسلوب لتشكّل ما سيصبح لاحقًا أحد أهم الأجيال في تاريخ السينما المصرية الحديثة.

إذا نظرنا إلى التاريخ الممتد من أواخر عشرينيات القرن الماضي حتى نهاية السبعينيات، أي نحو 50 عامًا، سنجد أسماءً كبيرة تظهر تباعًا مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف، إلى جانب مخرجين مهمين في مجالاتهم مثل كمال الشيخ وفطين عبد الوهاب. في المقابل، أفرز عقد الثمانينيات وحده عددًا من المخرجين ذوي الثقل الفني في وقتٍ متقارب، سرعان ما لحق به جيلٌ تالٍ يضم يسري نصر الله وشريف عرفة ورضوان الكاشف وغيرهم. هذه الكثافة في زمن قصير جعلته لحظةً استثنائيةً قياسًا بما سبقها.

شلة "سواق الأتوبيس"

مثّل هؤلاء المخرجون ما وُصف بـ"الواقعية الجديدة" في السينما المصرية، غير أن هذا الوصف لا يبدو دقيقًا تمامً، كونهم أقرب إلى الموجة الجديدة/Nouvelle Vague التي بدأت في فرنسا أواخر الخمسينيات مع مخرجين مثل جان-لوك جودار وفرانسوا تروفو وكلود شابرول، منهم إلى تيار الواقعية الجديدة الذي ظهر في الخمسينيات أيضًا ولكن في إيطاليا. 

استُخدِمت "الموجة الجديدة" لوصف جيل جديد من المخرجين الشباب الذين كسروا قواعد السينما التقليدية، وقدموا أفلامًا بميزانيات محدودة، وصوّروا في الشوارع والأماكن الحقيقية، واعتمدوا على لغة سينمائية أكثر حريةً وتجريبًا. فالجوهر هنا ليس مجرد اقتراح موضوعات واقعية، إنما إعادة تعريف دور المخرج بوصفه صاحب رؤية شخصية داخل الفيلم.

تبدو تجربة مخرجي الثمانينيات في مصر أقرب إلى هذه الروح منها إلى الواقعية الصارمة. هم وإن لم يشكلوا مدرسةً أسلوبيةً واحدةً؛ جمعهم الإحساس بضرورة تجديد اللغة السينمائية، والعمل خارج القوالب التجارية السائدة. صحيحٌ أن بدايات محمد خان وعاطف الطيب حملت قدرًا واضحًا من الواقعية الاجتماعية، سواء في تصوير المدينة أو في متابعة تفاصيل حياة الطبقات الشعبية؛ لكنَّ الاتجاهات داخل الجيل نفسه كانت أكثر تنوعًا.

لقطة من فيلم موعد على العشاء، من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي وحسين فهمي، وإخراج محمد خان، إنتاج 1981

اتجه خيري بشارة مثلًا مبكرًا نحو العبث والسخرية السوداء، ومضى رأفت الميهي بعيدًا في الفانتازيا الساخرة، بينما قدّم داود عبد السيد عوالم فلسفيةً ورمزيةً يصعب اختزالها في توصيف الواقعية.

هذا التنوع جعل تجربة الجيل أقرب إلى فضاء مفتوح من التجارب المتجاورة منها إلى تيار واحد محدد المعالم. يمكن استعارة فكرة "الزيارة" لوصف العلاقة بين أساليبهم؛ فكل مخرج كان يملك عالمه الخاص وقواعده الجمالية، لكنه أحيانًا يزور عوالم الآخرين فيقترب مؤقتًا من لغتهم أو موضوعاتهم قبل أن يعود إلى منطلقه الأساسي. قد نجد لحظةً واقعيةً صارمةً عند مخرج يميل عادة إلى الرمزية، أو لمسة فانتازيا عند مخرج ارتبط اسمه بالواقعية الاجتماعية.

هذه الزيارات التي مثلت تعبيرًا عن حيوية اللحظة نفسها، وعن حوار غير معلن بين مشاريع فنية متجاورة، لم تقف على مستوى الأسلوب فقط، إنما تحققت بشكل حرفي داخل الأفلام، فقد اعتاد بعض هؤلاء المخرجين الظهور في أدوار صغيرة أو لقطات عابرة في أفلام بعضهم البعض، نوعًا من التحية المتبادلة داخل جيل واحد.

هكذا أصبحت الزيارة، بمعناها الرمزي والفعلي، جزءًا من روح تلك المرحلة: مخرجون، لكل منهم عالمه الخاص، لكنهم يتقاطعون ويتجاورون ويتبادلون التحية داخل سينما كانت تبحث عن لغة جديدة لنفسها.

في رأيي، لا يعبّر وصف الكثيرين لمخرجي الثمانينيات بأنهم "جيلٌ انكسر في 1967"، عن تجربتهم بصدق، الأقرب أنهم جيل "حسن" سواق الأتوبيس؛ الجيل الذي ظنّ أنه يمضي في طريقٍ واضح بعد 1973، ثم اكتشف أن المسار تغيّر جذريًا.

جيل عاش لحظة العبور بما حملته من أمل واستعادة للكرامة، ثم اصطدم بسياسة الانفتاح الاقتصادي، والسلام مع إسرائيل، وصعود التيار الديني على حساب الأفكار التقدمية المزروعة في وجدانه؛ جيل يمثله مشهد شلة حسن في فيلم عاطف الطيب، وهم يشاهدون القمر عند سفح الأهرام ويجترون ذكريات الجبهة ويتهامسون حول مصائرهم ومصائر زملائهم بعد إنهاء الحرب.

تميّزت أفلام الثمانينيات بالتمرد على سردية الدولة وحسابات السينما التجارية

هذا التحول هو ما صاغ أسئلتهم، خصوصًا وأن عددًا منهم بدأوا في أفلام تسجيلية حول انتصارات أكتوبر التي اعتبروها تجاوزًا لهزيمة 67، لتفاجئهم بعدها أوضاع تطرح مزيدًا من المعضلات، وهو ما انعكس في أفلامهم بوصفه إحساسًا بانحراف المسار، لا مجرد هزيمة عسكرية قديمة.

لذلك أرى أن توصيفهم بجيل انتفاضة 77 أدق من حصرهم في إطار "جيل هزيمة 67"، خاصة وأن ما قدموه يشتبك أكثر مع أسئلة الانفتاح وتحولاته الاجتماعية والخروج من بوتقة أفلام الكرنكة، وليس غريبًا أن أول فيلم يطلق هذه الموجة، ضربة شمس، صدر في العام التالي لهذه الانتفاضة الشعبية.

امتازت سينما الثمانينيات بحس النقد الاجتماعي لدى مخرجيها، وإيمانهم بقضايا أساسية تتعلق بـ"الإنسان هنا الآن"، والأهم من ذلك تفرّد كل منهم بمنهجه الخاص ليس فكريًا فقط، إنما أيضًا على مستوى تكنيك الإخراج؛ الحركة في الشوارع، والنزول للتصوير وسط الناس، في الشارع، الذي بدأ يعود من جديد. ويتكلم سعيد الشيمي، أحد مديري التصوير المصاحبين لهم، عن كيفية أخذ لقطات الـone shot بغتة قبل أن ينتبه الناس لوجود ممثلين.

ربما من هنا التصق بهم وصفُ "الواقعية"، ورغم أن جميعهم نزلوا إلى الشارع ليصوروا، فإن كلًا منهم امتلك كادرات مختلفة، وتكنيكًا مختلفًا، وكانت هناك سينما جديدة وجميلة. 

فارس المدينة

فارس يحرز آخر وأجمل أهدافه. مشهد النهاية من فيلم الحريف (1983)، إخراج محمد خان

يمكن الوقوف أمام تكرار أسماء بعينها لشخصيات رئيسية في أفلام عدد من مخرجي هذا الجيل؛ فارس في أفلام محمد خان، وحسن في أفلام عاطف الطيب، ويوسف في أفلام داود عبد السيد. هذا ليس مجرد صدفة درامية، إنما إشارة إلى ميلهم نحو بناء "شخصية محورية" تتكرر بصيغ مختلفة من فيلم إلى آخر، بحيث تتحول إلى حامل لتجربة المخرج ورؤيته للعالم.

في أفلام محمد خان يظهر فارس غالبًا بوصفه شابًا من الطبقة الوسطى أو الدنيا، يواجه المدينة وتحولاتها، بينما يحمل حسن في سينما عاطف الطيب ملامح الإنسان البسيط الذي يصطدم بالسلطة أو بالظلم الاجتماعي، أما يوسف في عالم داود عبد السيد فيبدو أقرب إلى شخصية متأملة، تبحث عن المعنى وسط عالم مضطرب.

يخلق مثل هذا التكرار نوعًا من الاستمرارية داخل المشروع السينمائي للمخرج، حيث تصبح الشخصية امتدادًا لأسئلة المخرج نفسه عبر أفلام متعددة. لوهلة قد يذكّرنا ذلك باستحضار يوسف شاهين شخصية يحيى، التي مثّلته في رباعية سيرته بوصفها انعكاسًا ذاتيًا له ولتجربته الشخصية. غير أن الفرق هنا أن فارس أو حسن أو يوسف ليسوا أبطال سير ذاتية بالمعنى الضيق، بل أقرب إلى "نماذج إنسانية" تتكرر لتجسيد علاقة الفرد بالمجتمع وتحولاته. 

مثلت الثمانينيات محاولة واعية لإعادة تعريف وظيفة السينما نفسها، وقدم مخرجوها سينما متمردة في اتجاهين في آنٍ واحد: على السلطوية المتمثلة في إنتاج الدولة والتعبير عن رؤيتها وخططها، وعلى قواعد السوق التجارية التي اختزلت الفن في وصفة سريعة للربح. بين هاتين حاولوا فتح مساحة ثالثة لسينما ترى المجتمع كما هو، وتطرح أسئلته من دون تجميل أو مواربة، وهو ما فسر محاولاتهم البحث الدائم عن موارد إنتاجية بديلة للسائد.

في الوقت نفسه قادت هذه السينما تمردًا اجتماعيًا وسياسيًا واضحًا، فقد اقتربت من قضايا الفقر والتهميش والسلطة والعنف الاجتماعي، وطرحت أسئلة صعبة حول العدالة والكرامة والعلاقة بين الدولة والمجتمع. لم تقدّم أجوبة جاهزة بقدر ما كشفت عن الشروخ العميقة التي عاشها المجتمع المصري في تلك اللحظة التاريخية، وجعلت من السينما مساحة للتفكير النقدي في الواقع، وهذا ما سأتناوله بالتفصيل في المقالات التالية لهذه السلسلة.