تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
حرصت الرقابة على منع القبلات في السينما باعتبارها تخالف القيم المجتمعية

السلطة والرقابة والجمهور| أزمة الجنس

منشور الأحد 5 نيسان/أبريل 2026

في عام 1969، خصصت مجلة "الهلال" ندوة بعنوان "الشباب والجنس والفيلم المصري" لمناقشة وتقييم قدرة السينما على طرح الجنس وقضايا الشباب المعاصرة في إطار جاد صريح، ينجح في مخاطبة أزمات الشباب والتعبير بواقعية عن العلاقات العاطفية والجنسية.

عبّرت الندوة عن مناخ المراجعة والانفتاح النسبي الذي ساد بعد هزيمة 1967 في محاولة لاستيعاب حالة السخط الشعبي العارم والتشكيك المتوسع في شعارات السلطة الناصرية وسياساتها على مختلف الأصعدة.

كانت أزمة النظام الاقتصادية والسياسية اشتدت بالفعل قبل النكسة وانعكست في مرآة المؤسسات الثقافية التي ضعفت قدراتها الإنتاجية وتوالدت صراعات موظفيها وأقطابها. وبدأ بعض الأدباء في تصوير حالات اغتراب المثقفين عن خطاب النظام في أعمال رمزية، عبرت عن شعورهم بالفجوة الواسعة بين الشعارات والحقيقة، والتي سرعان ما أفصحت عن نفسها في هزيمة 67، التي كانت فاصلة في كسر غرور الشعارات وهيمنتها، وسمحت لوجوه ثقافية بنقد أكثر جرأة للخطابات المفروضة التي يتبناها النظام.

آداب المشاهدة

طرح ضيوف الندوة من الفنانين والنقاد آراءً متنوعة حول الجنس في الأفلام المصرية، وعجزها عن تناوله بالصراحة والواقعية اللازمة لأسباب رقابية واجتماعية ودينية وفنية. مثلًا، أشارت الفنانة هند رستم إلى أن الأفلام تقدم الجنس "بصورة رديئة جدًا" رغم الدور المهم الذي يفترض بها لعبه في "التربية"، بينما هي تقدّم صورة حدّية للمرأة في صورة ملاك أو شيطان، أبيض أو أسود، دون أن تغوص في عمق العلاقات الجنسية ومشكلاتها.

تعالج أفلامنا الجنس بنوع من الخوف الذي يُشوّه الأسلوب

أما المخرج حسن الإمام فاعتبر أنه يقدم "أفلام إغراء لا أفلام جنس"، إذ يؤدي التشديد الرقابي لخروج "أفلام تهريجية"، ويحول دون خروج أفلام مصرية جادة عن الجنس للنور، فيما يسمح الرقيب لنفسه بعرض أفلام أجنبية تعرض الجنس وتعالج مشاكل الشباب وتحقق إيرادات "ولكنه بالنسبة للفيلم المصري يمنعه.. رغم أن المتفرج واحد"!

كما أشار عدد من الحضور لافتقاد جمهور السينما "آداب المشاهدة" التي تسمح بعرض المشكلات الجنسية بواقعية، إذ تُسمع في دور السينما "أصوات تشمئز لها النفوس" عند عرض مشهد جنسي. في الاتجاه نفسه، ركّز بعض حضور الندوة على علاقة السينما بالمجتمع الذي تنتشر فيه ظاهرة التحرش الجنسي بالتوازي مع "الانفصالية بين الجنسين"، حيث تعالج أفلامنا الجنس "بنوع من الخوف الذي يُشوّه الأسلوب".

المخرج صلاح أبو سيف أشار لحالة الضياع التي تكتنف الشباب "ونحن نراه في الشوارع يقف على النواصي، ويضيع عمره لمجرد أن ينظر إلى سيدة تسير في الشارع بدلًا من أن يقضي وقته في نادٍ رياضي"!

ولكن كاتب السيناريو علي الزرقاني مضى بعيدًا عن اللهجة "التربوية المحافظة" لأبو سيف مُعتبرًا أن السينما تساعد المتفرج على الاختلاس "نُعاني الاختلاس الجنسي نتيجة المجاعة الجنسية، يجب تخفيف التزمت الديني، ويجب أن يفهم الشباب الجنس على حقيقته. المشكلة هل العمل فني أم لا. فالمسألة ليست مشهدًا نخشى على أبنائنا منه. إذا كان المشهد داخلًا في إيقاع الفيلم فلا يمكن اعتباره مُثيرًا. الشخص لا يُهرّج إلا حينما لا يُقنعه المشهد".

أفلام كراهية النساء

عادل إمام وسعاد حسني من فيلم المشبوه إخراج سمير سيف (1981)

ينبغي التمييز بين مشاهد القبلات أو "العُري"، على حد تعبير هند رستم، ومشاهد التعبير عن الجنس، إذ يعد الإطار الذي حكم تقديم العلاقات العاطفية والجنسية في السينما المصرية منذ بدايتها. فلطالما كانت الحرب على مشاهد القبلات والأحضان والملابس الكاشفة للنساء هي الاهتمام الأول للرقباء والنُّقاد المصريين، بينما يتراجع الاهتمام بالأسلوب والصراحة والعمق للمرتبة الثانية، ما وصل بالأفلام لتقديم الجنس بنوع من الفبركة والاصطناع، على حد تعبير المخرج توفيق صالح.

وفي ظني أن المفتاح لفهم هذه التوجهات، سواء من جهة الفنانين أو الرقباء، هو خط أحمر غير مُعلن، يستند للطبيعة البطريركية العميقة للمجتمع المصري، يتفادى التعبير عن الرغبات الجنسية لدى النساء، بوصفها طبيعة وحقًا، ومؤثرًا رئيسيًا في طبيعة العلاقات العاطفية والجنسية. هذا الخط الأحمر، المتخيل، الذي يلتزم به ضمنًا صناع الثقافة ورقباؤها، يجنح بالأعمال الفنية -باستثناءات قليلة جدًّا- نحو التلويح بالجنس، في صورة قبلات ومشاهد سطحية، مع الاحتفاظ بإدانة أخلاقية مستترة ومستمرة للشخصية النسائية (والممثلة) التي تُمارسه.

كره الطبيعة الأنثوية يتضح في كتابات نقدية تسخر من الأفلام التي تُشجّع على تعلّم المغازلة

في سياق تحليلها للأفلام التي اتسمت بالانفتاح على مشاهد القبلات والجنس بعد 1967، وأبرزها فيلم أبي فوق الشجرة (1969)، تشير الباحثة إفضال الساكت للطبيعة الميسوجينية الواضحة في أغلب الأفلام "مثل 'أبي فوق الشجرة'، استسلمت العديد من هذه الأفلام لحالة كُره عميق للنساء، مقدمةً دروسًا في الطهارة الأخلاقية. ورغم أننا قد نشعر بالتعاطف مع الشخصيات النسائية في هذه الأفلام، فإن تجاوزاتهن الجنسية تُصوَّر على أنها لا تغتفر، وغالبًا ما تَحكم عليهن بالموت (اجتماعيًّا ورمزيًّا أو فعليًّا). وفي حالات عديدة، يكتفي المخرجون ببساطة بقتل هذه الشخصيات النسائية. كان المخرجون، وجميعهم من الرجال، ملتزمين بنظرة محافظة لسلوك النساء. توظيفهم للقبلات والجنس، واستعمالهم للإثارة، رغم أنه كان يلمح إلى شيء من التغيير، إلا أنه ينسحب في النهاية لإدانة النساء اللواتي تخطون خارج الحدود المتفق عليها للمرأة المُحترمة. كانت القبلات تجمع بين فكرتين متعارضتين، تطبيع الحب والمتعة الأنثوية للمرأة، ثم استعمالهما لتوكيد المفاهيم الأبوية عن العلاقة بين الجنسين".

تعود تلك الطبيعة الكارهة للغريزة الأنثوية، وتمثيلها السينمائي، لزمن أقدم من نهايات أفلام الستينيات، المنفتحة شكليًّا على القبلات والجنس. إذ تظهر منذ عشرينيات القرن العشرين في انتقادات واضحة تُحذّر من الأثر السيئ للقبلة السينمائية في إفساد النساء والأطفال، وتسخر من الأفلام التي تُشجّع على تعلّم المغازلة وتسيء للتقاليد والقيم المصرية، كما تخلط بين المشاهد السينمائية العاطفية وواقع العلاقات بين الممثلين والممثلات.

في عام 1935، رفع الكاتب توفيق الحكيم، رئيس الرقابة في ذلك الوقت، تقريرًا يدين "القبلات الطويلة" في الأفلام المصرية، مُدعيًّا أنها تُثير "الغرائز الدنيئة" وتتسبب في تدهور القيم. وفي عام 1947 أصدرت وزارة الثقافة قائمة من 71 تعليمة لمراقبة السينما، وانقسمت إلى شقين: الأول خاص بالناحية الاجتماعية والأخلاقية والثاني خاص بالأمن والنظام العام. جرّمت التعليمات مشاهد الأحضان والقبلات التي تتجاوز حدود "الشعور الطبيعي" وتصل لحد الإثارة، واعتُبرت مرجعًا للرقابة تحذف على أساسها ما ترى من مشاهد عاطفية وجنسية مخالفة للتعليمات.

ثنائية مادونا العذراء-العاهرة

تحية كاريوكا- كيف حافظت هذه المرأة المعجزة على إيروتيكية الجسد وسمت بها روحيًا إلى هذا الحد

تُميّز الباحثة فيولا شفيق بين تمثيلات المرأة في السينما المصرية متتبعةً الأنماط الدرامية وطبيعة الشخصيات النسائية عبر مراحل تاريخية أساسية.

وترى أنه في المجمل، ارتكز تمثيل النساء على ثنائية رئيسية تضع أدوار الأمومة والزواج وإدارة المنزل في مقابلة واضحة مع التعليم والعمل خارج المنزل، وتعتبر ضمنيًّا أن أحد الجانبين يُلغي الآخر، أو ينتقص من أنثوية المرأة وكفاءة أدائها لأدوار متنوعة الأوجه في شخصية واحدة.

توضّح شفيق أن معظم الأفلام التي ظهرت قبل 1952 كانت تُظهر أغلبية ساحقة من ربات البيوت غير المتعلمات، في مقابل نسبة بسيطة من النساء اللاتي مثّلن في ذلك الوقت الجانب "النسوي" بعد ثورة 1919، مع ظهور حركات تحرير المرأة المصرية وازدياد أعداد المُتعلمات. إلا أن هذا التمثيل غالبًا ما كان يُركّز على "النقص الأنثوي" الذي يؤثر على الكفاءة التعليمية والمهنية للنساء، ويعرضهّن للتهكم والفشل، مثل حالة فيلم الأستاذة فاطمة (1952).

أما النساء قويّات الشخصية أو الجذّابات جنسيًّا، فيأتين غالبًا من مهن لا تشترط الخلفية التعليمية، وتلتبس قوتهن مع لا أخلاقية تصرفاتهن، والافتقار للالتزام والميل للخيانات العاطفية، مثل حالة فيلم لعبة الست (1946).

وعندما توجهت الدعاية الرسمية بعد 1952 للتركيز على النساء كقوة إنتاجية تضيف لسوق العمل، وفق التوجهات الاشتراكية للدولة، صودرت هموم الشخصيات النسائية وأدوارها لصالح شعارات فوق-ذاتية، مثل القضية والخدمة الوطنية، لتغدو سمة واضحة للأفلام ذات الطابع النسوي، التي ساندت خروج النساء للعمل وانحازت إلى تحرير المرأة، مثل أفلام أنا حُرّة (1959) والباب المفتوح (1963).

جمعت أفلام الستينيات والسبعينيات في صورة أبطالها وبطلاتها بين صيحات الملابس الغربية المعاصرة، والمشاهد العاطفية والقبلات

على ناحية أخرى، كانت الأفلام التي تعكس القلق الذكوري من مساحات الحركة المتزايدة والترقي المهني للنساء مراتي مُدير عام (1966) غالبًا ما تلجأ لاستعارات تؤكد على ثنائية مادونا (العذراء/العاهرة) الشهيرة.

يمكن تتبع هذه الفكرة في أعمال الخمسينيات والستينيات السينمائية، التي جمعت في صورة أبطالها وبطلاتها بين صيحات الملابس الغربية المعاصرة، والمشاهد العاطفية والقبلات التي زادت، مقارنةً بسينما الثلاثينيات والأربعينيات. ولكنها مع هذا الانفتاح الشكلي النسبي كانت مجالًا لتفاوض جديد عن الحدود الاجتماعية للتواصل بين الجنسين. تظهر من خلالها نماذج جديدة لنساء يهربن من علاقات زوجية تعيسة، أو يخالفن رغبات الأسرة أو التقليد الاجتماعي نحو علاقات عشق محرَّمة، ليُلاقين مصيرًا مشؤومًا، ويدفعن ثمنًا اجتماعيًا فادحًا.

مجتمع الثورة

تحية كاريوكا وشكري سرحان من فيلم "شباب امرأة"

تُقدّم معالجات المخرج صلاح أبو سيف لقصص الكاتب إحسان عبد القدوس، التي حظيت بجمهور واسع بين فتيات المرحلة، نموذجًا واضحًا لاستعمال استعارات "التعهير والشيطنة" للتعبير عن توترات الرجال إزاء النموذج القيمي الذي يطرحه خروج النساء واستقلاليتهن، وزيادة مساحات الاختلاط بين الجنسين تحت شعارات "تقدمية".

أعادت تلك الأفلام التأكيد على الخسارة التي تلحق بالفتاة المتحررة أو المرأة القوية المستقلة، أو السعادة "الحقيقية" التي تجدها في الانصياع لقيم المجتمع الأصلية، والانضواء تحت جناح زوج يتمتع بمواصفات الرجولة والاحترام، أو العقوبة والمصير القاسي الذي يلحق بهن في حالات أخرى.

في أفلام مثل شباب امرأة (1956) ولا أنام (1957) والطريق المسدود (1958)، تظهر عدة أشكال للسقوط الأخلاقي النسائي حين تغيب وصاية الرجل أو سيطرته الذكورية، بوصفها معيار الأخلاق السليمة. كذلك بُتر في المعالجة السينمائية، نهاية رواية أنا حُرّة (1959) التي تُبرز شكوك البطلة أمينة حول زواجها من عبّاس، الحبيب الذي اختارت السير في ركاب قضيته ونجاحاته رمزًا لحريتها "الحقيقية"، وعاشت معه حياة مشتركة دون زواج لمدة 8 سنوات، لينتهي الفيلم بالمشهد الشهير الذي يُعقد فيه قران أمينة وعبّاس، المُعتقلَيْن السياسيين في سبيل القضية الوطنية قبل 1952!

تبلور السينما خطابًا عن الحدود المرضي عنها لتحرر المرأة في مجتمع الثورة المنشود، الذي تترقى فيه لمنصب مدير عام، ولكنها تحترم حدودها داخل البيت. وبشكل عام كان العامل الجامع هو تسييد مصلحة الجماعة على مصالح الأفراد، وتغليب الشخصيات لدورهم في خدمة الوطن وأداء أدوارهم الاجتماعية على نزقهم الشخصي، ونزعاتهم للخروج عن الحدود المتوافق عليها، لتصل رسالة وردية عن الوئام بين الطبقات، وهرمِيَّة الرجال والنساء، وتسوية الاختلافات بين المذاهب والأفكار. ويرتبط كل ذلك بحلول توفيقية بلهاء لاحتواء الصراع الاجتماعي ضمن خطاب الأولويات الوطنية والأصول المرعية.

تأثير النكسة

نادرًا ما التفتت أصوات النقد والمراجعة التي ارتفعت بعد 1967 تدعو لمزيد من الحريات السياسية، إلى تلك النزعة المُحافظة والكارهة للنساء بوصفها عَرَضًا وتمثيلًا للبنية البطريركية، التي اختُزلت في المعارضة الرمزية لصورة الديكتاتور/الأب بعد الهزيمة.

فؤاد المهندس

وغالبًا ما عكست الخطابات النقدية لسينما ما بعد 1967 مزيجًا من التحليل الطبقي الذي يتهّم الطبقات البورجوازية بالتورّط الدائم في عملية إلهاء للطبقات الشعبية، عبر توظيف مشاهد المُتعة والجنس، وكذلك الهجوم المتواصل على الأفلام التي تُعالج مشكلات العلاقات العاطفية والانفتاح النسبي في مشاهد القبلات والجنس، بوصفها نتاجًا ومُعبّرًا "رمزيًا" عن الهزيمة.

يشير الكاتب صلاح عيسى في الجزء الثاني من كتابه مثقفون وعسكر، إلى توجيه أصدره جمال عبد الناصر بعد شهرين من النكسة، مع حلول شهر رمضان، بالترفيه عن الشعب الذي يعاني من الاكتئاب النفسي. ويؤرخ من هذا التوجه بدء انتشار ما أسماه "الفن السوقي"، الذي اعتبر مسرحيات فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وأغاني الثلاثي المرح مثل "العتبة جزاز" نموذجًا له.

ويرصُد عيسى تقرير لجنة الدواء في 1970 التي أشارت إلى ارتفاع استهلاك المنبهات والمهدئات والمسكنات والمنشطات الجنسية بنسبة أكثر من 200% بالمقارنة بين سنتي 1967 و1969. كما يشير استنادًا إلى تقارير رسمية لارتفاع نسب الجريمة والدخول للمصحات النفسية بشكل ملحوظ في الأعوام التالية للهزيمة، بالإضافة لموجة الانضمام للطرق الصوفية التي انتشرت بين شباب المرحلة في نفس الفترة.

في الإطار نفسه، يُقدّم عيسى في تحليله لمرحلة السبعينيات وتحولاتها تأصيلًا للفنون المصرية يعود فيه لكباريه بديعة مصابني والعوالم، في معرض هجومه على مسرحية فايز حلاوة يحيا الوفد، مع تلميح نال من تحية كاريوكا (التي كانت زوجة لحلاوة في ذلك الوقت)، باعتبارها "راقصة في غروب شبابها كانت موضة العصر في كباريه بديعة لجنود الحلفاء".

ويؤكد أن المنظور البرجوازي للفنون صنع من نجيب الريحاني فيلسوفًا بينما كان يقدّم شخصية كشكش بيه الريفي المصري موضوعًا لسخريةِ مجتمع الباشوات الأتراك والتجار الأجانب والأرستقراطية المتمصرة.

لذا اعتبر عيسى أن البرجوازية البيروقراطية في الخمسينيات والستينيات حملت نفس المفاهيم في باقتها الذوقية، من مسرح إسماعيل ياسين وحتى مسرح القطاع الخاص بعد 1967.

واشتملت فكرة غسيل المخ الطبقي، على حد تعبيره، على الانشغال بالجنس والانحلال الخلقي الذي صدّرته نخب العسكرتاريا والبرجوازية من خلال مسرح فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي، لتُعيد إنتاج دويتو "القرد والحسناء" أو ثنائي الرجل قبيح الخلقة والمرأة الجميلة، حيث يتصدّر البطولة رجال يفتقدون الوسامة ونساء تتمتعن بالجاذبية الجنسية، بغرض تعويض رجال الطبقات الفقيرة بفكرة الفحولة الجنسية التي تجذب اليهم نساء الطبقات العليا، في مقابل رجال الطبقات العليا المفتقدين للذكورة.

وصاية الفن

بالمثل جاء هجوم الناقد السينمائي سمير فريد على أفلام مثل أبي فوق الشجرة أو حمّام الملاطيلي (1973)، كونها "امتدادًا لأفلام الميلودراما الرخيصة التي عانت منها السينما المصرية من بدايتها حتى الآن"، مُتهمًّا السينما بالعجز عن معالجة مسألة هزيمة 1967 مع الاستمرار في السماح الرقابي بعرض "الأفلام الإمبريالية" بدلًا من الأفلام الجادة. وهي النظرة نفسها التي اعتمدها الناقد سامي السلاموني في هجومه الشرس على فيلم خلّي بالك من زوزو (1972) وصُنّاعه.

تحية كاريوكا وحسين فهمي وسعاد حسني في مشهد من فيلم خلي بالك من زوزو، إخراج حسن الإمام، وإنتاج 1972

كان هذا المسار النقدي يعكس نوعًا من "قصر النظر التاريخي إزاء موضوع المُتعة والرغبة في الستينيات"، كما تصفه الباحثة إفضال الساكت "فالاتجاه السائد في السرديات البحثية عن فترة الستينيات غالبًا ما يمحو 'المُتع' التي ميّزت تلك الحقبة، مكررًا مسارات مجلة 'الطليعة' والتركيز على أفلام 'المقاومة' في تلك الفترة. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا بكثير. فبالرغم من أن ظهور أفلام القطاع العام قوّض بشدة شركات القطاع الخاص، إلا أن أفلام القطاع الخاص تفوقت على أفلام القطاع العام في الإنتاج والنجاح في شباك التذاكر".

أغفلت تلك العدسة قراءة الإنتاج السينمائي ما بعد 1967 في ضوء أثر الثورة الجنسية في العالم كله، والاتجاه المتزايد لتصوير الجنسانية والتمرُّد الجيلي والانفلات الأخلاقي في مواجهة الدوجما السياسية والأبوية الاجتماعية، التي تجد مُعادلها المصري في حالة التصلُّب الأخلاقي المُحافظ في العهد الناصري.

كما أنه من ناحية أخرى كان ينظر للمتلقين كمجموعة من "البُلهاء الثقافيين"، ويؤكد على الدور الوصائي/التوجيهي للفنون، الذي تقوده توجهات السلطة المركزية، وكأن لا فاعلية للمتلقي ولا دورَ له مطلقًا.  

والمفارقة أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يُعلن دائمًا أنه من مُحبي مشاهدة الأفلام الأمريكية خصوصًا أفلام الكاوبوي والأفلام الاستعراضية الخفيفة. كما تُظهر الإحصائيات أنه بين عامي 1962 و1966، استحوذت أفلام القطاع الخاص على حوالي 63% من الإنتاج المحلي، وضمت مخرجين كانوا يضعون الربح نصب أعينهم ويتبنون مقولة أن الجنس يبيع.

وفق رؤية إفضال الساكت، كشفت المراجعات النقدية الغاضبة بعد 1967 عن انزعاج النُقّاد من أن الجمهور لم يحب أو يرغب في مشاهدة الأفلام السياسية المُوجَّهة، وتدفق على دور السينما للترفيه والخروج في مواعيد غرامية والاستمتاع ببساطة "'كما لو كنا في مولد أو أوتوبيس'، يكتب يحيى حقي في 1963 ليصف الحشود في جلسات الأفلام المخصصة للكبار فقط. كان المراهقون يتسللون إليها بانتظام، ونادرًا ما يفرض أصحاب السينما قيودًا. كان الجمهور الصغير يريد الاستمتاع، وكان يشعر بالملل من النهايات التعليمية المتوقعة والبروباجندا السياسية المُنمَّقة. في مقابلتي مع طالبة في أحد شوارع القاهرة، اشتكت من الأفلام المصرية التي تحتوي على نفس القصة. الفتاة تخطئ، ثم تتزوج في النهاية".