تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
قدم مخرجو موجة سينما الثمانينيات أفلامًا مثل فيها نجوم الصف الأول والثاني.

سينما الثمانينيات المتمردة| النجوم أمام الكاميرا وخلفها

منشور الخميس 16 نيسان/أبريل 2026

يستدعي الحديثُ عن الموجة الجديدة في السينما المصرية، والتي ظهرت أواخر السبعينيات وتبلور مشروعها خلال الثمانينيات؛ أسماءَ المخرجين الخمسة الأهم في تلك الحقبة؛ داود عبد السيد ومحمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة ورأفت الميهي. لكن في الواقع كان الأمر نتاجًا لشبكة كاملة من الشركاء.

صحيح أن هؤلاء الخمسة هم من رسموا الملامح الأساسية لتلك الموجة الجديدة؛ لكن هذه الملامح لم تكن لتتبلور لو لم يتفاعل معها ممثلون وكُتَّاب ومديرو تصوير وموسيقيون، شكّلوا معًا نسيجًا إبداعيًا واحدًا يعمل في تناغم.

سيداتي سادتي

نور الشريف ونورا بطلا فيلم ضربة شمس، إخراج محمد خان، إنتاج 1980

على مستوى التمثيل يأتي في المقدمة نور الشريف، الذي يمكن اعتباره شريكًا حقيقيًا في انطلاق هذه السينما، ليس فقط بحضوره كممثل، لكن أيضًا بدوره كمنتج غامر بأمواله وهو يُنتج لمخرجٍ مغمورٍ اسمه محمد خان فيلم ضربة شمس (1980)، الذي مثّل لحظة تأسيس تلك الموجة.

إلى جانب ذلك، ارتبط نور الشريف بتجارب متعددة داخل هذا التيار، سواء مع عاطف الطيب أو في بدايات داود عبد السيد، ما جعله أحد الجسور التي ربطت بين مشاريع مختلفة داخل الجيل نفسه.

إلى جواره حضر محمود عبد العزيز بقوة، خاصة في فانتازيات رأفت الميهي، وفيها أظهر قدرة لافتة على الانتقال بين الأداء الواقعي والفانتازي. لكنه بلغ ذروته مع داود عبد السيد في الكيت كات (1991) وهو يُجسّد الشيخ حسني؛ أحد أكثر أدواره تركيبًا وثراءً.

لكنَّ الوجه الأكثر تعبيرًا عن روح تلك المرحلة كان أحمد زكي؛ بتجسيده الغضب الاجتماعي والسياسي في لحظة كانت فيها السينما تبحث عن لغة جديدة لمخاطبة الواقع. منذ العوامة 70 (1982) مع خيري بشارة، مرورًا بتعاونه الوثيق مع عاطف الطيب في أفلام مثل البريء (1986) وضد الحكومة (1992)، وصولًا إلى مشاركاته مع محمد خان في أحلام هند وكاميليا (1988) وزوجة رجل مهم (1988). وكلها شخصيات متناقضة تعكس تحولات المجتمع، ثم مع داود عبد السيد في أرض الخوف (2000).

على مستوى الصورة كان لمديري التصوير دور حاسم في تجديد اللغة البصرية

في المقابل يظهر ممدوح عبد العليم بوصفه وجهًا أكثر هدوءًا، يعكس شريحة أخرى من المجتمع. يظهر ذلك في سوبر ماركت (1990) لمحمد خان، وكذلك في كتيبة الإعدام (1989). كما شكّل يحيى الفخراني حضورًا مهمًا، رغم أن شهرته الأكبر جاءت لاحقًا عبر التليفزيون. في هذه المرحلة، قدّم نموذجًا لممثل يعتمد على الأداء الداخلي الهادئ، وهو أسلوب كان قريبًا من روح عدد من مخرجي هذا الجيل.

بدأ مع عاطف الطيب في الغيرة القاتلة (1982)، ثم توهّج مع محمد خان في عودة مواطن (1986) وخرج ولم يعد (1985). أما محمود حميدة، فقد جاء لاحقًا، لكنه حمل معه ملامح ممثل تشكّل وعيه داخل هذا المناخ؛ وقدم أداءً أقل ميلًا إلى الاستعراض، وأكثر اعتمادًا على الاقتصاد في التعبير، وهو ما جعله مناسبًا لسينما تبحث عن الصدق والبساطة.

لقطة من فيلم موعد على العشاء، من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي وحسين فهمي، وإخراج محمد خان، إنتاج 1981

على مستوى التمثيل النسائي، لعبت يسرا ومديحة كامل، وقبلهما سعاد حسني، دور الوسيط بين مرحلتين. لكن الأهم كان بروز جيل من الممثلات اللاتي قدّمن أدوارًا أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالواقع، مثل معالي زايد وهالة صدقي وعايدة رياض ولوسي ورغدة، إلى جانب ظهور عبلة كامل وآثار الحكيم في أدوار لافتة.

كما شهدت هذه المرحلة إعادة تقديم لعدد من الممثلات مثل ميرفت أمين وماجدة الخطيب ونجلاء فتحي، في أدوار أكثر عمقًا وثقلًا مما اعتدن على تقديمه  في الفترات السابقة.

لم تعد المرأة مجرد عنصر رومانسي داخل الحكاية، بل أصبحت شخصية لها صراعها الاجتماعي والإنساني، وهو ما بدا واضحًا في أفلام محمد خان وخيري بشارة ورأفت الميهي.

إلى جانب هؤلاء، ظهر جيل أصغر من الممثلين الذين تشكّلت بداياتهم داخل هذا المناخ، مثل شريف منير وأحمد عبد العزيز ونهى العمروسي.

قدّم هؤلاء أداءً أقرب إلى الواقعية والبساطة، في انسجام مع التوجه العام لهذه السينما، قبل أن تدفعهم تحولات السوق لاحقًا إلى مسارات مختلفة، بعضها أكثر تذبذبًا، خاصة مع تراجع موجة المخرج صاحب المشروع في نهاية الثمانينيات.

قدرات غير عادية

على مستوى الصورة، كان لمديري التصوير دور حاسم في تجديد اللغة البصرية. أسماء مثل محسن نصر وسعيد شيمي وطارق التلمساني ورمسيس مرزوق ومحسن أحمد طالما شاركوا في صياغة الرؤية أكثر من كونهم مجرد تقنيين.

فعندما خرجت الكاميرا من الاستوديو إلى الأحياء الشعبية والورش والمقاهي، والتقطت تفاصيل الحياة اليومية كما هي، ظهرت معاه مدارس مختلفة في التصوير؛ ركزت واحدة على التفاصيل الدقيقة، وأخرى على بناء صورة بصرية مركبة، لكن الجميع أسهم في إعادة الحياة إلى الكادر، بحيث أصبحت المدينة نفسها بطلًا للأحداث.

أما على مستوى الكتابة، فشكَّل كتاب سيناريو موهوبون العمود الفقري لهذه التجربة. في مقدمتهم بشير الديك، الذي ارتبط بعاطف الطيب وكتب نصوصًا مُشبَّعة بالغضب الاجتماعي والوعي السياسي، كما لعب وحيد حامد دورًا مهمًا في صياغة خطاب نقدي يجمع بين الجاذبية الجماهيرية والطرح الجاد.

وفي عالم محمد خان، برزت أسماء مثل عاصم توفيق ومصطفى محرم، أسهمت في بناء عالم المدينة وشخصياتها الهامشية. أما داود عبد السيد ورأفت الميهي، ففضّلا كتابة أفلامهما بنفسيهما، وهو ما منح أعمالهما تماسكًا فكريًا واضحًا، سواء في الاتجاه الفلسفي أو الفانتازي الساخر.

ولم تكن الموسيقى أقل أهمية في تشكيل هذه التجربة؛ فقد تحوّلت من عنصر مكمّل إلى مكوّن درامي فاعل. وفي هذا السياق برز عدد من الموسيقيين مثل كمال بكير، الذي قدّم نحو 11 عملًا مع مخرجين مختلفين، أكثرها مع محمد خان، وكان أحد أبرز من ساهموا في إعادة تعريف دور الموسيقى التصويرية داخل الفيلم، سواء من حيث ارتباطها بإيقاع المدينة أو بملامح الشخصيات وتوتراتها الداخلية.

كما ظهرت تعاونات مهمة مثل محمد هلال مع رأفت الميهي، ورياض الهمشري مع خيري بشارة ومدحت السباعي، في سياق أقرب إلى منافسة غير معلنة حول كيفية صياغة موسيقى تناسب عالم الفانتازيا.

ومن التجارب اللافتة أيضًا تعاون عاطف الطيب مع عمار الشريعي، حيث لم تعد الموسيقى مجرد خلفية، لكنها أصبحت جزءًا من البناء الدرامي نفسه، كما في البريء حيث تعبر الأغاني عن الأحداث، أو كتيبة الإعدام حين تتحول الأغاني إلى جزء من النسيج السردي، تتغير الموسيقى بين أغنيتي المقدمة والخاتمة وفق تطور الأحداث.

عادل إمام من فيلم الأفوكاتو، إخراج رأفت الميهي، إنتاج 1983

أما التعاون الأعمق فكان بين داود عبد السيد وراجح داود، فقد منح الموسيقى بُعدًا فلسفيًا، كما في الكيت كات وأرض الخوف، حيث أصبحت الموسيقى جزءًا من التفكير في العالم الذي يقدمه الفيلم، لا مجرد مرافقة له.

ولا يمكن إغفال حضور هاني شنودة في بدايات هذا الجيل، سواء مع محمد خان في الحريف (1984) أو مع رأفت الميهي في الأفوكاتو (1983)، حيث ترك بصمة واضحة، أو ظهور بليغ حمدي في لقطات كما في الزمار لعاطف الطيب، رغم أن هذه التجارب لم تُستثمر على نطاق أوسع.

يوم حلو ويوم مر

ومن المهم النظر إلى التمرد بوصفه مسارات مختلفة داخل هذا الجيل، لا حالة واحدة؛ فتمرد عاطف الطيب ورأفت الميهي جاء مبكرًا وحاسمًا، إذ بدأ كل منهما من لحظة تأسيس واضحة خلق فيها عالمه وأسلوبه عبر هذا التمرد الأولي، ثم واصل البناء عليه لاحقًا. في المقابل، كان محمد خان وخيري بشارة أقرب إلى حالة تمرد وتجريب دائمين، لم يستقرا على صيغة واحدة، بل ظلا يعيدان اختبار أدواتهما وأشكالهما من فيلم إلى آخر.

استخدام ماركات تجارية كجزء من الصورة السينمائية كان حيلة للتغلب على المعوقات الإنتاجية

أما داود عبد السيد فكان مساره مختلفًا؛ فبعد فشل البحث عن سيد مرزوق (1991) جماهيريًا، اتجه إلى محاولة خلق صيغة تجمع بين الجماهيري والمعتاد من ناحية، وتمرير رؤيته الخاصة من ناحية أخرى، وهو ما تحقق بوضوح في الكيت كات وأرض الخوف ومواطن ومخبر وحرامي (2001)، حيث نجح في تحقيق هذه الخلطة بين القبول الجماهيري والطرح الخاص، قبل أن يعود لاحقًا لمحولات تطوير هذه الصيغة.

وينعكس هذا الاختلاف في مسارات التمرد مباشرة على مسارات الإنتاج وحدوده؛ إذ لم يكن هناك نموذج إنتاجي مستقر يمكن أن يحتوي هذه التجارب المختلفة، بل محاولات متعددة لكل مخرج حسب موقعه داخل السوق وقدرته على التحرك داخله. فقد واجه محمد خان صعوبات واضحة في الإنتاج، ودخل في محاولات مع شركات وبنوك وتجارب تمويل مختلفة أبرزها كان تجربة فيلم فارس المدينة (1992).

بينما ظل داود عبد السيد الأقل إنتاجًا لأن صعوبات التمويل كانت أكبر، وهو ما انعكس مباشرة على عدد أفلامه، في حين أتاح هذا الوضع لعاطف الطيب قدرًا من الاستمرارية داخل نفس الإطار العام.

وفي هذا السياق ظهرت محاولات أخرى لتوسيع هامش الحركة، مثل إدخال الإعلانات داخل الأفلام بوضع ماركات تجارية في الصورة، وهي تجربة لجأ إليها محمد خان وخيري بشارة في بعض أعمالهما. لكن، في النهاية، ظل هذا كله يتحرك داخل حدود نفس السوق التي تمردوا عليها فنيًا، لكنها ظلت قادرة على فرض شروطها إنتاجيًا إلى حد بعيد، بحيث بدا أن التمرد في الشكل والرؤية لا يجد دائمًا ما يوازيه على مستوى شروط الإنتاج.

لهذا، وبالنظر إلى ما قدمه هذا الجيل من تجارب، يمكن القول إنهم لم يصنعوا مرحلة مهمة في تاريخ السينما المصرية فحسب، لكن أسسوا لحظة فنية وفكرية استثنائية أعادت للسينما معناها بوصفها فنًا حيًا مرتبطًا بالمجتمع وأسئلته.

وربما لهذا السبب يظل هذا الجيل، بكل اختلافاته وتجارب أفراده، واحدًا من أكثر الأجيال استحقاقًا للتقدير والامتنان، لأنه فتح الطريق لسينما أكثر صدقًا وجرأة وحرية، وجيلًا أكثر تعلقًا بهذا الفن ومعانيه. شكرًا للذين رحلوا وشكرا للباقي: خيري بشارة.