IMDB
نيللي كريم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وأمير المصري وأسامة عبد الله وأحمد الأزعر وخالد مختار، أبطال فيلم القصص، من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، إنتاج 2025

فيلم القصص.. السياسة والحب في ذكريات أسرة مصرية

منشور الأربعاء 8 تموز/يوليو 2026

ترك بوستر فيلم القِصص انطباعًا جعلني مترددةً في مشاهدته، خصوصًا مع وجود ممثلين سبق أن شاهدت لهم أعمالًا ولم أقتنع بكفاءتهم التمثيلية؛ لكن اسم المخرج أبو بكر شوقي وحده ما دفعني لأبقي الفيلم ضمن قائمة الأعمال التي أنوي مشاهدتها؛ إذ يمتلك المخرج مشروعًا سينمائيًا بملامح واضحة لا تتكرر كثيرًا في السينما العربية.

يتصدر الإنسان المهمش أولويات شوقي الإخراجية، منذ أول فيلم روائي له يوم الدين (2018)، الذي يروي رحلة رجلٍ تعافى من الجذام وطفل نوبي يتيم يجوبان مصر بحثًا عن العائلة والانتماء، وثاني أفلامه هجّان (2023)، الذي يتتبع مسيرة صبي يتيم يخوض عالم سباقات الإبل سعيًا لإثبات ذاته في مواجهة منظومة تُقدس القبلية والقوة.

يستخدم شوقي الرحلة في أعماله كمرآة تكشف تشققات المجتمع وأسئلة الهوية والانتماء والكرامة، وبحكم خلفيته في الأفلام الوثائقية، ينحاز إلى رصد الواقع كما هو.

أسرة صغيرة تشبهنا

في تجربته الثالثة للأفلام الروائية الطويلة "القصص"، من بطولة نيللي كريم وأمير المصري وأحمد كمال، يترجم المخرج الشاب عمليًا فلسفة المخرج والمنظّر السينمائي الروسي أندريه تاركوفسكي التي أوضحها في كتابه النحت في الزمن؛ "وجهة نظري ذاتية بالطبع، ولا بد أن تكون كذلك في الفن. الفنان في عمله يفكك الواقع داخل منشور بصيرته وإدراكه، ويستخدم تقنية خاصة به، ليظهر جوانب مختلفة عن الواقع".

يعتمد شوقي، كسابق أعماله، على الاقتباس من الواقع والتجارب الذاتية "الموضوع كله بدأ في 2019 كنت عاوز أعمل فيلم عن والدي ووالدتي اتقابلوا إزاي. والدتي من النمسا ووالدي من مصر.. الفيلم طبعًا عبر السنين كبر وبقى فانتازيا أكتر. جزء كبير منه هنلاقي إن فيه حقائق كانت موجودة وحاجات مرتبطة بجدي وجدتي وأعمامي والقصص اللي كانوا بيحكوها وكل الحاجات اللي كانت بتحصل وقتها في الفترة دي"، كما قال في لقاء تليفزيوني مع الإعلامية منى الشاذلي.

يحكي الفيلم قصة أسرة مصرية متوسطة تعيش في حي العمرانية، تبدأ رحلتها عام 1967 وتمتد حتى عام 1984، حيث تتقاطع حياتها اليومية مع الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، مثل النكسة وحرب أكتوبر واغتيال السادات.

هذه الأسرة تشبه أجدادنا وآباءنا الذين عاشوا لسنوات يحاولون النجاة

تلاحق الكاميرا الأب راغب/أحمد كمال، وزوجته فيروز/ نيللي كريم، وأبناءهما الثلاثة، بينما يمثل حلم الابن أحمد/أمير المصري في احتراف العزف على البيانو وقصة حبه لفتاة نمساوية أحد المحاور الرئيسة للأحداث.

ومن خلال خمس محطات زمنية، يرصد الفيلم تأثير الحروب والقرارات السياسية وارتفاع الأسعار والانفتاح الاقتصادي على تفاصيل الحياة العائلية، كما يوظف كرة القدم، من خلال تشجيع الأسرة لنادي الزمالك، والموسيقى والأغاني ونشرات الأخبار، لرسم ملامح كل حقبة زمنية، ويسلط الضوء على فشل إعلام السلطة في التعبير عن الواقع ومشكلات المواطن.

خلال مشاهدتي الفيلم شعرت بأن هذه الأسرة تشبهنا جميعًا، وتشبه أجدادنا وآباءنا الذين عاشوا سنوات طويلة يحاولون النجاة أكثر من محاولتهم تحقيق أحلامهم، فكانت صورة للمواطن المصري الذي حمل هموم البيت والرزق وتقلبات السياسة والحروب وارتفاع الأسعار على كتفيه. بدت أحلامهم بسيطة، لكنها تصطدم كل مرة بظروف أكبر منهم؛ فيستعيد الفيلم ذاكرة كل بيت مصري؛ حيث تتغير الأنظمة وتتعاقب الأزمات بينما يظل الإنسان العادي هو من يدفع الثمن ويحاول -رغم كل شيء- أن يتمسك بالأمل والحياة.

البداية قصة الحب 

صورة جماعية لأبطال فيلم القصص، من بطولة نيللي كريم وأحمد كمال وأمير المصري، وتأليف وإخراج أبو بكر شوقي، إنتاج 2025

"كله ابتدى بقصة الحب.. كنت عاوز أعمل فيلم عن قصة الحب"، هذا ما ذكره مخرج العمل، حيث لم تكن شرارة الفيلم حدثًا سياسيًا أو تاريخيًا، وإنما قصة حب حقيقية جمعت والده المصري بوالدته النمساوية، وظلت تنمو عبر رسائل تعبر البحار في سبعينيات القرن الماضي. 

تأتي الجوابات بين عازف البيانو المصري الشاب أحمد والفتاة النمساوية إليزابيث، لتصبح جسرًا إنسانيًا يربط عالمين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات. كل رسالة تستغرق أسابيع حتى تصل، ثم تبدأ رحلة انتظار جديدة للرد. كنت سعيدة برؤية تلك التفصيلة بالفيلم، ورأيت في تلك الرسائل كيف يمكن للحب أن يقاوم المسافات والحدود والزمن.

يعيدني هذا الجزء بالذات من الفيلم إلى رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، التي كتبها في الستينيات قبل أن يغتاله الموساد عام 1972. في ذلك الزمن كانت الجوابات تستغرق أيامًا وربما أسابيع حتى تعبر الحدود، ثم يبدأ انتظار جديد لرد قد يتأخر طويلًا؛ لذلك اكتسبت الرسائل قيمة استثنائية، وهو ما جعل مشاهد المراسلات في الفيلم تلامس هذا الإحساس الإنساني العميق الذي افتقدناه لصالح الهواتف الذكية وتطبيقات المراسلة الفورية.

تبدأ حكاية الجوابات في صيف عام 1967 بعد هزيمة يونيو، حين يقرر أحمد عازف البيانو الشاب، الاشتراك في برنامج للمراسلة مع أصدقاء من الخارج هربًا من واقع الحرب والإحباط الذي يعيشه، تصله أول رسالة من الفتاة النمساوية إليزابيث، لتبدأ بينهما مراسلات طويلة يتبادلان فيها تفاصيل الحياة اليومية والأحلام والمخاوف.

ظلت إليزابيث نافذة يطل منها "أحمد" على عالم مختلف يُقدر الفن والحرية، ويحكي لها عن شغفه بالموسيقى، وعن أسرته البسيطة، وما يواجهه من صعوبات في تحقيق حلمه بسبب الظروف السياسية والاجتماعية. ومع مرور السنوات، تتعمق العلاقة، وتتحول المراسلات إلى قصة حب حقيقية، بينما تكشف الرسائل كيف يتغير البلد والمجتمع من حوله، وتصبح الجوابات شاهدًا على نمو شخصيتيهما معًا.

تمنيت صراحةً لو منح الفيلم مساحةً أكبر لقصة الحب، لأنها بدت أكثر خيوطه الدرامية تماسكًا وقدرة على حمل المشاعر والأفكار في آن واحد؛ لفهم وتأمل الحلم والهجرة والبحث عن الذات وسط واقع مضطرب. 

فاليري باشنر في دور إليزابيث، الفتاة النمساوية التي يحبها أحمد/أمير المصري، من فيلم القصص، تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، إنتاج 2025

إسقاطات إنسانية

بتكنيك بالغ الدقة، يدمج الفيلم بين الكوميديا والمأساة؛ فيستخدم الضحك لرؤية قسوة الواقع من زاوية أكثر إنسانية. تنبع الفكاهة من تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة (مثلًا تعشق الأسرة نادي الزمالك بشدة وتؤمن بأن تغيير أماكن جلوس أفرادها أثناء مشاهدة المباريات قد يفك النحس ويمنح الفريق الفوز)، ومن ردود الفعل العفوية للشخصيات، والمفارقات التي يفرضها الزمن على أحلامهم البسيطة، تتحول المواقف العابرة إلى لحظات تجمع بين الابتسام والأسى، ويخفف الحس الكوميدي من ثقل المسار الدرامي ويمنح الشخصيات عمقًا وصدقًا.

وفي الوقت نفسه، يبني الفيلم خطابه عبر الإسقاطات والرمزيات (مثلًا اللب يغدو رمزًا لآليات إهدار الوعي باعتباره وسيلة تشغل الناس بالتفاهات، والصلع الذي يرثه أحمد عن والده، وتحقيق البطل حلمه يوم فوز الزمالك بالبطولة الإفريقية سنة 1984)، أكثر من اعتماده على الشعارات أو الخطاب المباشر، وكذلك المراسلات مع الفتاة النمساوية تتحول إلى رمز للرغبة في تجاوز الحدود الجغرافية والنفسية.

ورغم أهمية الفيلم على المستوى الإنساني وتعطشنا لتلك النوعية من الأعمال، وظهور فنان موهوب كعمرو عابد بعد غياب أيضًا، فإن تعدد الحكايات وتشعب مسارات أفراد الأسرة أضعفا تركيز السرد على صراع رئيسي يقود الأحداث.

في الاستراحة التي تخللت عرض الفيلم في السينما، تحدثت إليَّ سيدة شابة تجلس بالقرب مني "هو الفيلم فيه ملل.. ولا أنا متهيألي؟" وأعلم سبب سؤالها؛ فأسلوبه يمنح مساحة طويلة للتفاصيل اليومية والتأمل، وهو أسلوب قد لا يناسب من يفضل الأحداث السريعة، ولا يعتمد أيضًا على تشويق متصاعد أو مفاجآت كبيرة، بل يبني عالمًا إنسانيًا عبر مواقف صغيرة ومتراكمة، ويهتم بالمشاعر والذاكرة والزمن، أكثر من اهتمامه بالإثارة الدرامية، وكثير من الأفكار تُترك للمشاهد ليستنتجها بنفسه.

لم يعجبني الإهمال في تقصي الدوافع النفسية لبعض الشخصيات، ولم يكن توظيف اللقطات الأرشيفية منسجمًا في أحيانٍ كثيرة مع السياق الدرامي؛ إذ بدت في بعض المواضع أقرب إلى التوثيق منها إلى عنصر يخدم تطور الحكاية، لكنه على أي حال يبقى تجربة فنية جديرة بالمشاهدة والتأمل.