PanAmerican09، فليكر، برخصة المشاع الإبداعي
رجل يمتطي جملًا وسط الطريق، مايو 2015

الموت في الطرقات.. ليس بالفهلوة وحدها يصل الإنسان

منشور الخميس 26 آذار/مارس 2026

قبل أيام، لقيت ميريام، وهي شابة أعرفها في أواخر العشرينيات، مصرعها دهسًا تحت عجلات شاحنة نقل تسير عكس الاتجاه في أحد الطرق الرئيسية بالإسكندرية. ميريام واحدة من آلاف الضحايا الذين يفقدون أراوحهم أو يصابون إصابات بالغة في حوادث الطرق في مصر.

وفق إحصاءات رسمية سجلت مصر أكثر من 76 ألف حادث مروري في 2024، أسفرت عن موت 5 آلاف و260 ضحية.

لا يحتاج المُراقِب إلى إحصاءات رسمية ليدرك حجم الكارثة؛ يكفيه الوقوف عند أي تقاطع رئيسي أو حتى فرعي في القاهرة أو الإسكندرية ليرى: سيارة تنعطف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون إنذار، أو دراجة نارية تشق طريقها عكس السير بجرأة بالغة، أو ميكروباص يقف فجأة في منتصف الطريق السريع، أو سائق يتجاوز إشارة حمراء بينما ينخرط في شجار لفظي مع المارة.

من السهل إلقاء اللوم على الدولة: ضعف الرقابة، وخلل البنية التحتية، أو قصور تطبيق القانون، لكن هذا التفسير رغم صحته الجزئية، يظل قاصرًا عن الإجابة عن السؤال الأهم: لماذا يُقبل السائق نفسه، الذي قد يكون ملتزمًا في عمله أو أسرته، على المخاطرة بحياته وحياة الآخرين وكسر قواعد المرور من أجل توفير دقائق قليلة؟ 

الفهلوة منظومة قيم

ما يَسُود في ثقافة الطريق المصرية هو تجسيد صارخ لـ الفردانية المُطلقة التي تُقدم مصلحة الذات الآنية على حساب المجموع تحت شعار أنا والطوفان من بعدي، وهو ما يتخفى في مصر غالبًا ويحظى بقبول اجتماعي مدهش تحت عباءة "الفهلوة".

هذا النمط الثقافي رصده الأكاديمي الراحل المتخصص في علوم التربية حامد عمار في كتابه "في بناء البشر: دراسات في التغير الحضاري والفكر التربوي" (1964). 

الفهلوة منظومة قيم متجذرة في الوعي الجمعي. ليست فقط التحايل أو خفة الدم، لكنها نمط تفكير كامل يقوم على تحقيق أكبر مكسب ممكن بأقل التكاليف، ولو على حساب القواعد أو الآخرين. 

حين تنجح المخالفة مائة مرة دون عقاب يصبح الخطر في المرة المائة وواحد غير مرئي نفسيًا

تاريخيًا، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها آلية دفاع. في سياقات اتسمت بالبيروقراطية الثقيلة أو السلطة التعسفية، أصبح التحايل وسيلةً للبقاء، وسلاحًا للضعيف. لكن ما بدأ كتكتيك للبقاء، تحوّل تدريجيًا إلى قيمة إيجابية في حد ذاته. لم يعد الالتزام فضيلة، لكن صار يُنظر إليه نوعًا من السذاجة، بينما يُحتفى بمن "يعرف ازاي يخلّص نفسه".

يُمكن الاستعانة بعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم لفهم ثقافة الفهلوة وتبعاتها، بالأخص إشارته لـالأنومي أو اللامعيارية وهي الحالة التي تنهار فيها المعايير الجماعية والقوانين المنظمة، وتفقد قدرتها على توجيه سلوك الأفراد. الفارق الجوهري هنا أن الأنومي المصرية في الشارع ليست وليدة صدمة مفاجئة أو تفكك اجتماعي وليد حدث ما، لكنها نتاج تراكم تاريخي لثقافة تُكافئ التحايل وتُهمش الملتزم وتحتفي بـ"الفهلوي".

لكن مع تغيُّر الزمن تحولت هذه الآلية الدفاعية إلى ممارسة هجومية وإقصائية خطيرة. السائق الذي يخلق حارة مرورية رابعة في طريق لا يتسع إلا لثلاث حارات، أو الذي يلتصق بسيارة إسعاف لشق طريق وسط الزحام، لا يفعل ذلك عن جهل بالقانون، إنما عن قرار واعٍ بأن قاعدة الصح مُكلِّفة، وأن تكلفتها (الانتظار والوقت) يجب أن تقع على كاهل الآخرين السُذج.

بات يُنظر إلى خارق القواعد باعتباره شاطر أو ناصح يمتلك مهارة استثنائية في قهر الزحام. يُفرغ هذا التمجيد الضمني للالتفاف على القانون القواعد من محتواها الأخلاقي، ويجعل الالتزام الصارم بها مرادفًا للسذاجة أو قلة الحيلة. والشاهد السوسيولوجي الأبرز الذي يدحض حجة الجهل بالقانون هو أن السائق المصري ذاته، بمجرد أن تطأ قدماه مطارات أوروبا أو دول الخليج، يتحول إلى نموذج للانضباط والالتزام التام؛ مما يؤكد أن الانفلات ليس ناتجًا عن عجز ذهني عن فهم إشارات المرور ولافتاته.

أزمة ثقة

الثقة هي الرأسمال الاجتماعي لأي نظام ناجح؛ فالسائق يتوقف عند الإشارة الحمراء في منتصف الليل ليس فقط لخوفه من كاميرا المراقبة، لكن لأنه يثق أن السائق في الاتجاه الآخر سيفعل المثل، وأن الدولة تحمي هذه القاعدة لصالح الجميع.

في مصر، تآكلت هذه الثقة على مدار عقود طويلة. حين يرى المواطن أن الواسطة أو الرشوة الصغيرة يمكن أن تُلغي المخالفة، وأن الإشارة تُكسر أمام أعين ممثلي القانون دون تدخل حاسم، وأن الطريق السريع يخضع لتفاهمات عُرفية أكثر من خضوعه للوائح الرسمية، فإنه يبني منطقه التبريري الخاص "إذا كان الآخرون لا يلتزمون، وإذا كان حارس القانون لا يُطبقه بإنصاف، فالتزامي وحدي يجعلني الضحية".

يستفتح السائق يومه بالأدعية الدينية أملًا في استدعاء حماية تمنع عنه العقاب أو الحوادث

لهذا، فبينما يعلم الجميع أن الالتزام الجماعي بالقواعد سيؤدي إلى سيولة مرورية وأمان للكل، لا أحد على استعداد ليكون أول الملتزمين خوفًا من أن يستغله الآخرون أو يتأخر عن وجهته بسبب التزامه الأحادي في بيئة تتسم بـالغدر المروري.

الـتواكل على الله

أحد الجوانب المهمة في ثقافة الفهلوة ما يمكن تسميته بـضعف التفكير التعاقبي، أي العجز عن ربط الفعل الآني بنتائجه المستقبلية أو الكارثية. حين يسير السائق بفهلوة عكس الاتجاه لمسافة كيلومتر، فهو في تلك اللحظة يحسب فقط الربح الآني من خلال توفير 5 دقائق من عمر الرحلة، أو توفير كمية الوقود التي يتطلبها الوصول للدوران القانوني التالي، متجاهلًا ومُستبعدًا تمامًا الخسارة المحتملة المتمثلة في التسبب في إزهاق أرواح أو تدمير ممتلكات.

أحد طرق ميت رهينة في الجيزة، يونيو 2022

هذا السلوك امتداد لثقافة حياتية أوسع تتعامل مع الأزمات والتخطيط بمنطق "المشكلة لو حصلت هنبقى نشوف لها حل"، أو "ربنا هيسترها". يُرجأ التفكير في الصيانة الدورية للسيارة، أو العواقب القانونية، إلى ما بعد وقوع الكارثة.

يتعمِّق هذا النمط بقوة ثقافة الإفلات من العقاب؛ فالسائق يبني توقعاته وتصرفاته على خبرة يومية مستقرة تفيد بأن العقاب هو الاستثناء، وأن المغامرة أجدى من الحذر. حين تنجح المخالفة مائة مرة دون عقاب، يصبح الخطر في المرة المائة وواحد غير مرئي نفسيًا. يدعم الُركاب في كثير من الأحيان هذه الثقافة، فحين يُوقف ضابط المرور سيارة أجرة لتوقيع مُخالفة على سائقها، يتدخل الُركاب لإقناع الضابط بإلغاء المُخالفة لأن السائق غلبان.

تشمل هذه الثقافة الأوسع ما يُمكن تسميته بلاهوت الاستسلام أي تبرير الإهمال الجسيم وتغليف الرعونة بغطاء روحي زائف يخفف من وخز الضمير. 

يخوض الكثير من السائقين، خاصة في قطاع النقل الثقيل والأجرة، غمار الطرق بسرعات جنونية، أو يعتمدون على مركبات متهالكة انعدمت فيها كفاءة المكابح وصلاحية الإطارات، ويستفتحون يومهم بالقرآن الكريم أو القداس المسيحي كل على حسب ديانته، لاستدعاء حماية إلهية تمنع عنهم الأذى/العقاب القانوني.

في هذه البيئة القائمة على الفهلوة، واللامعيارية، ولاهوت الاستسلام، وتطبيع الإنحراف. ينفصل الإنسان عن محيطه، ويتبنى نظرة الزجاج الأمامي التي تُجرّد المشاة والسيارات الأصغر من إنسانيتهم، ليصبحوا مجرد عوائق يجب تجاوزها. ويتصارع على تجاوز هذه العوائق جميع طبقات المجتمع المصري.

الطريق ساحة صراع طبقي

يمكن قراءة الشارع المصري أيضًا بوصفه ساحةً تعكس توترات اجتماعية أوسع. فالسلوك المروري لا ينفصل عن البنية الطبقية. في أسفل السلم، يقف سائقو الميكروباص والتوكتوك، الذين يعملون تحت ضغط اقتصادي يومي شديد. بالنسبة لهم، الوقت يساوي مالًا مباشرًا، وكل دقيقة ضائعة تعني خسارة. في هذا السياق، يصبح تجاوز القواعد ليس خيارًا، لكن ضرورة للبقاء.

في المقابل، نجد نمطًا مختلفًا من خرق القواعد لدى بعض سائقي السيارات الفارهة، حيث يتأسس السلوك المنحرف على شعور بالاستحقاق أو الحصانة. هنا، لا يتعلق الأمر بالحاجة والضغوط الاقتصادية، لكن بالاعتقاد أن القواعد وُضعت لضبط سلوك الآخرين. ورغم اختلاف الدوافع، تلتقي النتيجة: طريق بلا قواعد، أو بقواعد لا تُحترم.

لم تمت ميريام فقط لأن شاحنة سارت عكس الاتجاه. ماتت لأن هذا السلوك ممكن، ومقبول، ومتكرر. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: كم ميريام أخرى يجب أن نفقد، قبل إدراك أن المشكلة ليست في الطريق؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.