لا نواية لتسند الزير.. فقراء مستبعدون عشوائيًّا من "منحة التموين"
"مش على بطاقتك.. مش كل البطايق بتاخد يا حاجة"؛ أنهى أحد عمال منافذ صرف التموين بهذه الكلماتِ أي أملٍ لدى فاطمة سعد، 67 عامًا، في أن تكون ضمن المستفيدين من المنحة الاستثنائية التي أعلن رئيس الوزراء عن منحها في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان؛ لمساندة ملايين الأسر في مواجهة ضغوط المعيشة المتزايدة، ومع ارتفاع أسعار الوقود مطلع مارس جرى مدّها شهرين إضافيين بحيث تنتهي في يونيو/حزيران.
المنحة التي لا تتجاوز قيمتها 400 جنيه، لا يحصل عليها كل حاملي بطاقات التموين، لكنْ شريحةٌ وصفتهم الحكومة بـ"الفئات الأَوْلى بالرعاية"، دون إعلان عن معايير اختيارهم.
المنصة التقت عددًا من الأسر المستبعدة من هذه المنحة، تعكس مستويات دخولها ومظاهر معيشتها ما تعانيه من فقر وضغوط معيشية بالغة، ما يمثل خللًا في معايير استحقاقها.
الحرمان مرتين تحت خط الفقر
ليس لفاطمة، التي تسكن حي العمرانية بالجيزة، مصدر دخل غير معاش زوجها عن العمل ساعيًا في إحدى المصالح الحكومية، وتضطر لإعالة ابنتها البالغة من العمر 34 عامًا، ولا تملك هي الأخرى دخلًا مستقرًا.
تبلغ قيمة المعاش الذي يفترض أن يعول الاثنتين 4800 جنيه شهريًا، يذهب ثلثه تقريبًا لإيجار المنزل (1500 جنيه)، ويتبدد جزء كبير منه في مصاريف علاج ثلاثة أمراض مزمنة تعاني منها؛ الضغط المرتفع والتهاب المريء المزمن وعدم انتظام سيولة الدم.
ورغم أن نصيب فاطمة وابنتها من المعاش يضعهما فوق خط الفقر، المقدر بـ857 جنيهًا للفرد شهريًا، لكن علينا أن نضع في الاعتبار أن تقديرات خط الفقر تلك تعود إلى عام 2020، الذي ارتفعت بعده الأسعار بشكل قياسي زاد عن 100% تحت وطأة موجات تضخمية متتالية.
"أنا مش بعرف أشتري حاجات البيت زي الزيت والمكرونة والرز مرة واحدة، لكن بشتريهم على النوتة للكشك والخُضرية في شارعنا، وكل شهر بسد اللي عليا ولو في شهر اتبقى فلوس بأجله للي بعده"؛ تقول فاطمة التي فوجئت بأنها غير مشمولة في المنحة الحكومية، ولا تدري سببًا لاستبعادها.
محمد بحراوي، عامل النظافة السابق بمدرسة الشرقية، يشعر بالحيرة نفسها تجاه معايير اختيار الأسر الأولى بالرعاية، حيث يجد نفسه مستبعدًا للعام الثاني على التوالي من الحصول على مثل هذه المنحة رغم ما يعانيه من عوز شديد.
وأعلنت الحكومة عن منحة بقيمة 125 جنيهًا على البطاقة التموينية المخصصة للفرد الواحد و250 جنيهًا للبطاقات المخصصة لأكثر من فرد.
"الحمد لله عندنا في البلد محدش بيبات جعان وكلنا مع بعض، الأكل غالي وكان الشهر ده صعب، بس الحمد لله ابني الكبير كان بيعزمني على الفطار عنده كل يوم في رمضان"، يتحدث محمد عن حاله مع الفقر المُدقع الذي يعرفه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بأنه عدم القدرة على الإنفاق للحصول على الغذاء.
مطلقات ومعاقون واستبعاد عشوائي
بعدما لم تجد إجابةً لدى مسؤول منفذ صرف السلع، توجهت ريم محمد، 54 عامًا، إلى مديرية التموين في الزقازيق بمحيطها سكنها لسؤالها عن سبب استبعادها من المنحة، لتفاجأ برد قاطع من موظف الكمبيوتر "الاختيار عشوائي".
تعيش ريم على معاش والدها، 6 آلاف جنيه، كدخل وحيد بعد انفصالها عن زوجها، بل وتضطر لمساعدة ابنها في المعيشة إذ لا يحصّل دخلًا مستقرًا بسبب إعاقته الحركية.
ورغم تمتع ريم بمعاش مرتفع نسبيًا عن الحالات السابقة؛ فقد كان من شأن ال400 جنيه حلّ أزمات كبيرة، لأن معظم دخلها يُستنزف في مصروفات الإعاشة الأساسية. وتستغرب المرأة الخمسينية استبعاد النساء المطلقات والأرامل من المنحة بينما "المفروض تكون الأولوية ليهم".
ارتفعت أسعار الغذاء في مصر بنسبة تفوق معدلات نمو الأجور منذ منتصف 2022
أما محمد ممدوح، 34 عامًا، فينتمي لفئة ذوي الإعاقة الذين يجب إدراجهم في المنحة بدون أي شروط. لكنّه وجدَ نفسه مستبعدًا دون أن يعرف سببًا لذلك.
يعمل ممدوح الذي يقيم بالمنوفية، ويعاني من إعاقة بصرية، في شركة منتجات غذائية براتب 2950 جنيهًا، لا يغطي مصاريف أسرته الصغيرة المكونة من زوجة وطفل في السادسة.
"ابني تعب قبل رمضان وكان عليا فلوس للصيدلية حوالي 124 جنيه وولاد الحلال سدوها"، يسرد ممدوح حالة من حالات العوز التي تتكرر في حياته كثيرًا، ويرى أن المنحة على قدر بساطة كانت ستمثل مساندة لأسرته؛ "مفيش حاجة مش هتفيد وتوفر خاصةً إننا بنحتاج سكر وزيت بشكل دوري بدال ما نشتري من الدكان".
تتكرر الشكوى من سماح مصطفى، من محافظة الشرقية، إذ استبعدت من المنحة، رغم أنها تعاني من الإعاقة البصرية، ولا تحصل من وظيفتها مدرسةً أولى للغة العربية بإحدى مدارس مدينة أبو كبير، سوى على 6000 جنيه.
سماح أم لطفل، وتشارك في مصاريف المنزل مع زوجها الذي لا يعمل، ولا يكفي دخلها لتغطية مصاريفهم الشهرية، لذلك يعتمدون على مساعدات خيرية مثل شنطة رمضان؛ "مافيش لحمة أو فراخ في الشنطة لكني فرحانة وكان نفسي الشنطة دي تكون من التموين".
حسب تقرير لمنظمة الفاو، في يوليو/تموز 2025، ارتفعت أسعار الغذاء في مصر بنسبة تفوق معدلات نمو الأجور منذ منتصف 2022.
ماذا يحدث عند غياب الدعم الإضافي؟
لا يتعجب الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني من استبعاد الحالات السابقة من المنحة، ويراه متسقًا مع اتجاه متنامٍ للحكومة خلال الفترة الأخيرة.
"منذ سنوات وهناك توجه لتقليص أشكال الحماية الاجتماعية المقدمة للمواطنين"، يقول الميرغني لـ المنصة، مدللًا على ذلك بأن الدعم النقدي المخصص للبطاقات التموينية ثابت عند 50 جنيهًا منذ عام 2018 حتى الآن، بما يعكس تقليص المستفيدين وإهمال معدلات التضخم وسعر الصرف، وهو ما يزيد من أهمية الدعم التمويني الإضافي خلال شهر رمضان، بالأخص مع ارتفاع معدلات التضخم بقوة في تلك الفترة.
يشير الميرغني إلى تحايل الفقراء على ارتفاع أسعار الغذاء باللجوء إلى المكونات الغذائية غير الصحية ما يسبب في تفشي ظواهر مثل التقزم لدى الأطفال أو السمنة المفرطة.
وتشير الباحثة بملف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية، مي قابيل، لمشكلة عدم وضوح معايير نظام الدعم فيما يخص الاستهداف والاستبعاد، تؤكد لـ المنصة على ضرورة توفر آليات للشكوى، مشيرة إلى أنه "إذا لم تتوفر لدينا بيانات كافية، فلن تكون هناك فرصة لتطوير النظام بشكل يخدم الناس بصورة أفضل".
حسب ما أعلنته الحكومة، فإن المنحة المصروفة على بطاقات التموين تصل لنحو 25 مليون مواطن، لكن آخر تصريحات عن معدلات الفقر تخبرنا أنها بلغت نحو ثلث السكان، أي حوالي أربعين مليون نسمة.
حاولت المنصة الاتصال هاتفيًا وعبر رسائل واتساب مع المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين أحمد كمال، لاستيضاح موقف الوزارة، لكن لم يصلنا الرد حتى موعد النشر. كما حاولنا التواصل مع مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية، محمد شتا، ولم يصلنا ردٌّ حتى وقت النشر.
لم نسمع سوى صوت الحاجة فاطمة وهي تتساءل في حيرة "فيه ست كبيرة زيي متاخدش.. اشمعنى إحنا دونًا عن الناس؟ لكن بارجع وأقول الرزق بإيد ربنا".
