حساب MizarVision على إكس
حريق في ميناء جبل علي في دبي، 1 مارس 2026

إيران والخليج.. مستقبل مرهون بـ"الرضا الأمريكي"

منشور الاثنين 2 آذار/مارس 2026

يبدو أن دول الخليج ستظل خلال الأيام المقبلة كما هي ساحةً من ساحات الحرب المشتعلة بين أمريكا وإسرائيل في جبهة، وإيران في الجبهة الأخرى، بالأخص مع تصاعد الاستهدفات الإيرانية للمصالح الأمريكية في المنطقة.

يبدو أيضًا أن الاتصالات الجارية لم تتكلل بتهدئة الصراع، أو على الأقل تجنيب الخليج العربي ويلاته، فاليوم الاثنين كان أشد سخونةً على هذه البلاد، وأعلنت وزارة الدفاع الكويتية سقوط عدد من الطائرات الحربية الأمريكية.

ويفتح القصف الإيراني على القواعد الأمريكية داخل دول الخليج باب التكهنات حول مستقبل العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية، في خضم تصعيد عسكري هو الأخطر منذ سنوات.

عن مخاوف اتساع المواجهة إقليميًا، وحسابات المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة، تحدث عدد من الدبلوماسيين والخبراء لـ المنصة لتقديم قراءاتهم وتحليلاتهم للمشهد.

الخليج فوق النار

مع ساعات الصباح الأولى، أصدرت وزارة الدفاع الكويتية بيانًا كشفت فيه ملابسات سقوط المقاتلات الأمريكة، بما أظهر أن معركة ملتهبة دارت في سمائها انتهت بخسارة كبيرة غير معتادة لطائرات أمريكية.

وفسرت القيادة المركزية للولايات المتحدة الحادث بأنه وقع بنيران صديقة "خلال معركة جوية نشطة، تضمنت هجمات من طائرات إيرانية وصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، أسقطت الدفاعات الجوية الكويتية طائرات القوات الجوية الأمريكية عن طريق الخطأ".

بالتزامن، في المملكة العربية المتحدة، أعلن مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية اليوم تعرض مصفاة تكرير البترول في رأس تنورة لأضرار محدودة بسقوط شظايا ناتجة عن اعتراض طائرتين مسيرتين في محيط المصفاة، ما أسفر عن نشوب حريق محدود دون إصابات أو وفيات، وتم إيقاف بعض الوحدات التشغيلية في المصفاة بصورة احترازية، حسب وكالة الأنباء السعودية (واس).

ولا تزال للحرب توابعها التي تضرب الحياة وتشل الاقتصاد وإمدادات الطاقة والاستثمارات وحركة النقل والطيران في الخليج العربي، وعلقت شركة موانئ دبي العالمية عملياتها في ميناء جبل علي، أمس الأحد، فيما أعلنت شركة MSC إيقاف جميع الحجوزات الخاصة بالشحنات العالمية المتجهة إلى منطقة الشرق الأوسط، بعد نشوب حريق في أحد أرصفة الميناء نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن عملية اعتراض جوي، قبل أن تعيد اليوم استئناف العمليات في جميع محطات الميناء.

وأمس، أصدرت السعودية والبحرين والأردن والكويت وقطر والإمارات والولايات المتحدة بيانًا مشتركًا، أدانت فيه هجمات إيران على الخليج ووصفتها بـ"العشوائية والمتهورة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأراضي ذات السيادة في أنحاء المنطقة".

وشدد البيان المشترك على ما "تمثله التصرفات الإيرانية من تصعيد خطير ينتهك سيادة دول عديدة ويهدد الاستقرار الإقليمي"، واعتبر "استهداف المدنيين والدول غير المنخرطة في الأعمال العدائية سلوكًا متهورًا يزعزع الاستقرار".

ضربات موجهة "للوجود الأمريكي"

تصر إيران على استمرارها في استهداف القواعد العسكرية في المنطقة طالما تتعرض للاعتداء، وهو ما سبق لها وأبلغت الأمين العام للأمم المتحدة به.

وأمس أرسل الحرس الثوري الإيراني موجةً من الصواريخ والمسيرات على إسرائيل والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، ردًا على مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي خلال العدوان الإسرائيلي الأمريكي السبت

وتوعد الحرس الثوري بأن القوات المسلحة "ستتخذ خطوة انتقامية مختلفة وقاسية"، وقال في بيان على تليجرام "نفذنا موجة سادسة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة".

وأوضح أنه استهدف 27 قاعدة أمريكية في المنطقة، إلى جانب قاعدة تل نوف، ومقر القيادة العامة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في هكاريا، والمجمع الصناعي الدفاعي الضخم في تل أبيب.

وتابع "لن تسمح القوات المسلحة الإيرانية بإسكات صفارات الإنذارات في الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية، وستتخذ خطوة انتقامية مختلفة وقاسية بضربات متتالية ومؤسفة".

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن لـ المنصة أن الإعلان المسبق لإيران بأنها ستستهدف قواعد أمريكا في المنطقة يفسر طبيعة الرد الإيراني، ويحدّ من احتمالات توجيه رد فعل خليجي مباشر، باعتبار أن الضربات استهدفت "الوجود الأمريكي" بالأساس.

يحذَّر حسن من أن دول الخليج ستكون الأكثر تضررًا حال تحول التصعيد إلى حرب شاملة تؤثر على الملاحة في مضيق هرمز، مرجحًا أن تمثل الضغوط الاقتصادية الدولية عاملًا رئيسياً في دفع الأطراف نحو التهدئة.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني أمس الأحد إغلاق مضيق هرمز، شريان التجارة العالمية في الخليج، وقالت وكالة مهر للأنباء الإيرانية، إن طهران أغلقت مضيق هرمز؛ ما سيؤدي إلى شل حركة الملاحة عبره، لا سيما لناقلات النفط والغاز، حيث يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميًا وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. 

وأمس، حذر الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة تزامنًا مع الاحتفال بذكرى انتصارات العاشر من رمضان من تبعات إغلاق مضيق هرمز متوقعًا تأثيره على واردات المنتجات البترولية وعائدات قناة السويس. 

ما تريده أمريكا

يرى مدير مركز الرؤية للدراسات والخبير بالشأن الإيراني مهدي عزيزي العلاقات المستقبلية بين طهران والعواصم الخليجية من زاوية أنها ستظل رهينة بـ"الرضا الأمريكي" عن النظام الإيراني. 

يوضح لـ المنصة أنه رغم الوساطات الخليجية لعدم مهاجمة إيران، فإن دول الخليج "ليس لديها قرار سياسي مستقل دون إذن واشنطن"، واصفًا إياها بأنها "مطبقة لسياسات أمريكا وليست حليفة لها بالمعنى المتكافئ".

ويضع مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي ثلاثة محددات للمرحلة المقبلة من العلاقات الإيرانية الخليجية، وهي حجم ونطاق الضربة وتأثيرها الفعلي، وطبيعة الرسائل السياسية المصاحبة لها، ومدى قدرة الأطراف الإقليمية على احتواء التصعيد.

ويؤكد حجازي لـ المنصة على أن دول الخليج تدرك جيدًا تكلفة المواجهة المفتوحة على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، ما جعلها تتبنى مقاربة "براجماتية" خلال السنوات الأخيرة تجاه طهران تقوم على خفض التصعيد وإدارة الخلافات عبر قنوات دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة،

تهدئة حذرة

يتوقع مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن تشهد المرحلة المقبلة "تهدئة حذرة" تتخللها رسائل ردع متبادلة، دون الوصول إلى قطيعة شاملة، لا سيما في ظل سعي إيران إلى تجنب الدخول في مواجهة شاملة مع الجوار الخليجي، مع الإبقاء على أدوات الضغط غير المباشر في ساحات أخرى، حفاظًا على أوراقها التفاوضية.

ويميل إلى ذلك الاتجاه أيضًا، المحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري، الذي رجح أن يتجه الوضع نحو خفض التصعيد لضرورات داخلية إيرانية.

"يبدو أن هناك إيران جديدة منشغلة بذاتها، وهناك اتجاه إجباري لمن يحكم إيران أن يسلك مسلك الود مع محيطه"، يقول الشميري لـ المنصة.

يتابع المحلل السياسي المناهض لجماعة الحوثي "لم يعد بوسع إيران إلا اتخاذ هذا النهج؛ الضغط الاقتصادي، والغضب الشعبي، والقطيعة الدولية، وآثار الحرب، كلها مجتمعة ستجعل طهران تسلك مسلك دولة ليس من أولوياتها دعم ميليشيات أو إنشاء أذرع، بل ستهتم بالداخل أكثر".

كانت صحيفة واشنطن بوست أشارت إلى أن ضغوطًا من السعودية وإسرائيل ساهمت في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتخاذ قرار الضربة العسكرية، في إطار إعادة رسم ميزان الردع. 

ويعكس التقرير تداخل العوامل الإقليمية مع القرار الأمريكي، بما يزيد من تعقيد المشهد أمام دول الخليج في إدارة علاقتها مع طهران.

والعدوان الأمريكي الإسرائيلي هو الموجة الثانية من الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران خلال أشهر قليلة، بعدما خاضت إسرائيل وإيران حربًا استمرت 12 يومًا في يونيو الماضي، وشاركت فيها الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، قالت إنها بهدف "ردع طهران عن تطوير برنامجها النووي"، فيما ردت إيران بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، قبل أن يُعلن ترامب اتفاقًا لإنهاء الحرب.