تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
نفسٌ مفعمةٌ بالحياة في جسدٍ كهل

لا يزال داخلي صغيرًا.. تأملات في شيخوخة الجسد

منشور السبت 28 شباط/فبراير 2026

شاهدت فيديو قصيرًا لسيدة أجنبية في الثمانين من عمرها تجيب عن سؤال يوجهه مذيع لا يظهر في الكادر، يسألها عن عمرها، فتخبره عنه بحزن وتسليم، ثم يسألها عن شعورها في هذه السن المتقدمة، فتجيب بأنها تشعر بأن داخلها لا يزال صغيرًا بالمقارنة بالسن التي وصل إليه جسدها، فيسأل عن تفسيرها لهذين الشعورين المتناقضين، فتجيب بألم بأنها تشعر بخيانة الجسد.

هذا الشعور نفسه الذي ألحظه منذ سنوات في العديد من المواقف اليومية التي أمر بها، وتعيد صياغة هذه الواقعة بصور عدة، عندما ينظر لي أحدهم، أصغر سنًا، وأرى على مرآة وجهه ملامح سني المتقدمة، يناديني في المواصلات العامة بلقب "يا حاج" المجاني، وآخر يقدم فروض احترام روتيني، به بعض التملق للسن الكبيرة، لو كنا نقف في طابور ما، فيخلي لي الطريق، بحركة مسرحية، لأتقدم وأحتل مكانه، أو ثالث ينفض عن نفسه القدسية الروتينية لهذه السن، ويكشف عن وجه آخر خشن، به قدر من التعالي، والتمييز العمري، كأنه يعامل طفلًا.

أمامهم جميعًا أود أن أصرح بصوتٍ عالٍ، كهذه السيدة، بأن داخلي لا يزال صغيرًا.

الجسد يخون

الجسد يخون الروح/العقل. هذا الشعور نفسه الذي ظل يرافقني سنواتي الأخيرة بعد أن وصلت إلى الخامسة والستين. أنظر لداخلي، في تلك المواقف العارضة والمتكررة، أقول بصوت سري ساخر، بأن هؤلاء جميعًا لا يرون هذا الشاب المختبئ تحت قناع العمر، الشاب الخالد الذي لا يشيب، الذي نحمله جمعيًا داخلنا، مهما تقدم بنا العمر.

يكفيني في سِني المتقدمة هذه الإحساس بجنة العقل وسحقًا لجحيم عيون الآخرين

تظل هذه المفارقة قائمة بين الداخل الخالد، والخارج الفاني، حيث يكمن أحد أسرار الحياة، لهذا المخلوق الاستثنائي الذي نمثله جميعًا، هذا التفاوت الذي يسبب المرارة ويُسمى خيانة الجسد كما عند سيدة الثمانين، وفي الوقت نفسه يمنح الأمل بأن هناك روحًا/عقلًا لا يشيخ، ويعد بسنوات صافية بدون استعارات من مراحل عمرية أخرى.

في بداية ملاحظتي لهذه الظاهرة بين الداخل الخالد والخارج الفاني، كنت أعتقد بأنها امتياز يخصني وحدي، أو يخص كل من حاول أن يبني حياته بشكل مختلف، بلمسة من الجنوح، والخروج عن الأنظمة الحياتية المعتادة، كما بنيت حياتي، مما حفظ عقلي وروحي من روتين العَجَز! فيكفيني في سِني المتقدمة هذه الإحساس بجنة العقل، وسحقًا لجحيم عيون الآخرين التي لا تري سوى قناعي الأشيب.

قناع العمر

في كتابها الشيخوخة/The Coming of Age الذي كتبته عام 1970، تتحدث الفيلسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار عن مشاعر المُسن، الذي يعبر بهذه التجربة الوجودية المؤلمة برأيها، عندما يشعر بأنه شاب في داخله، ولكن الآخرين يرونه من خلال قناع العمر. تسبب هذه التجربة ما تسميه دي بوفوار بصدمة الإدراك، عندما يعمل الزمن ضد الإحساس بالذات، عندها يحدث الشرخ بين الذات الداخلية الشابة في عيون صاحبها، والجسد الشائخ في عيون الآخرين، وهو ما لخصته سيدة الفيديو بخيانة الجسد.

الشيخوخة بالنسبة لسيمون دي بوفوار ليست تراجعًا في الجسد فقط، ولكن في نظرة الآخرين، فهي، بجانب أنها مرحلة عمرية، بناء اجتماعي يخضع لمتطلبات المجتمع الرأسمالي الحديث، الذي يرى في قوة الشباب غايته، فيقوم بعزل وإعادة تصنيف المسنين سياسيًا واقتصاديًا، كونهم عبئًا على هذا النظام، فيتحول المسن من ذات فاعلة إلى شيء مهمش.

يشعر الكثيرون بأن أرواحهم توقفت عند عمر ما بينما أجسادهم تواصل سيرها في الزمن

ولكن الكاتبة تعود وتمنح هذه القوة الداخلية الشابة الزمام، فيمكن أن تكون هذه المرحلة بمثابة إعادة مراجعة لحياة صاحبها، وتتحول حياته كلها إلى موضوع للتأمل، لإعادة تعريف ذاته، والتصالح معها بكل تعثراتها وهفواتها، بواسطة هذه الروح الشابة التي تكتنز خبرة السنين، ولا تسير مع اتجاه سير الزمن كالجسد. 

يدور فيلم Youth، إخراج المخرج الإيطالي باولو سورينتينو (2015)، حول ثنائيات الشباب/الشيخوخة، الحياة/الموت، من خلال صديقين حميمين تجاوزا السبعين، أحدهما مؤلف موسيقي، وهذا الدور جسده الممثل الإنجليزي مايكل كين،  الذي حصد جائزة "أفضل ممثل" عنه في حفل جوائز أكاديمية الفيلم الأوروبي الـ28 في برلين عام 2015، والآخر مخرج، وجسده الممثل الأمريكي هارفي كيتل، حيث يقضيان إجازة في منتجع صحي في جبال الألب بسويسرا.

الصديقان يمران بمرحلة عمرية فقدا فيها الشغف بالحياة، يعانيان من تلاشي ذكرياتهما وانسداد أفق المستقبل. يتحولان إلى ماكينات لتذكر ماضي تجاربهما، حيث يسيطر الماضي على الذاكرة بحثًا عن معنى لهذه الحياة، ولا يتبقى أمامهما سوى محاولة التصالح وتقبل تجارب الماضي.

اغتراب الجسد

يتوقف الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي في كتابه فينومونولوجيا الإدراك عند لحظة الانفصال هذه بين الداخل والخارج. يشعر الكثيرون بأن أرواحهم توقفت عند عمر ما، بينما أجسادهم تواصل سيرها في الزمن. لا يصفها بالشرخ، كما تصفها دي بوفوار، إنما يعتبرها فجوة زمنية، وليست أخلاقية، عندها يشعر الجسد باغترابه عن العالم. فالجسد عند ميرلو بونتي هو طريقتنا للوجود في العالم، فإذا تعثر هذا الجسد، شعر الإنسان أنه لم يعد يسكن ذاته كما كان، ومن هنا يأتي الاغتراب.

عندما بدأت الابنة تمارس استقلالها عن أمها بدأت الأخيرة تشعر بالتهديد

الجسد وسيط الوجود في العالم، ليس شيئًا ماديًا بل ذاتية متجسدة غير منقسمة تدرك العالم عبر الحواس. لذا يرفض ميرلو بونتي ثنائية ديكارت التي تميز بين العقل والجسد، واستقلال كل منهما عن الآخر، فهناك في فلسفته تداخل بين السلوك الجسدي والعقلي.

شيخوخة لطيفة الزيات المبكرة

في مجموعتها القصصية الشيخوخة، 1986، تبدأ الكاتبة المصرية لطيفة الزيات في التأريخ لشيخوخة بطلة مجموعتها القصصية مبكرًا، في بداية عقدها السادس، ليس كبطليّ فيلم سارنتينو اللذين تجاوزا السبعين. ربما التبكير له ارتباط بكونها امرأة، لها تقويم جسدي يرتبط فيه العمر بالخصوبة.

 إحدى تعريفاتها للشيخوخة، بجانب الخوف من الموت، والاكتئاب، الذي تعتبره عرضًا فيزيائيًا بحتًا لا يلبث أن ينقضي مع الأيام؛ عندما يدرك الفرد أنه بلا نفع بالنسبة للآخرين، وزائد عن حاجتهم، لذا كانت علاقتها بابنتها الوحيدة مركبة للغاية، كما تحكي البطلة، كانت تستمد من علاقتها بابنتها أهميتها ودورها في الحياة، بجانب شعورها الداخلي بأنها تمارس سلطة امتلاك على هذه الابنة. وعندما بدأت الابنة تمارس استقلالها عن أمها، بدأت الأخيرة تشعر بالتهديد. كأن الشيخوخة تعيد تشريح تلك العاطفة الأمومية، وتعرضها لضوء مختلف يكشف عن مكوناتها.

الشيخوخة بالنسبة لهيدجر لحظة صفاء حيث ينفصل الإنسان عن الضجيج

في الشيخوخة، كما ترى المؤلفة، يفتقر الفرد لمعنى وجوده، الذي يحاول استعادته، واصفة إياها بأنها حالة نفسية ليس لها بالضرورة عرض فيزيقي. وتشير في النهاية إلى أن الشيخوخة مرض لا يصيب إلا الإنسان المريض، فلا يشيخ الإنسان إلا إذا فقد جانبًا من قدرته العقلية، هذا الجزء الشاب الخالد في كل منا، مهما تدهورت حالة الجسد، يظل عقله متقدًا لا يشيخ، طالما ظل يضفي على حياته المعنى، ويتحول هذا الجزء إلى قشة النجاة لاستمرار الحياة.

في المجموعة القصصية الماضي له ثقل وحجم كبير، كما في فيلم "الشباب". دائمًا الماضي له الشطر الأكبر من زمن الشيخوخة، سواء بتحليل ومراجعة علاقتها بابنتها، أو بتحليل علاقتها بطيف رجل أحبته في بداية حياتها الجامعية، ثم اختفى ثم ظهر بعد وفاة زوجها. ظل طيفه يشغل مكانًا ثابتًا لا يتغير، ولم تضعف في شيخوختها المبكرة أمام كلمات الحب والإعجاب الذي يوجهها لها.

لحظة انكشاف

أتوقف عند أحد أوجه الشيخوخة التي تتحدث عنها لطيفة الزيات، كونها الطريق المعبد إلى الموت ومن هذا يتولد إحساس الخوف الذي يحتل مكانًا رئيسيًّا في مجموعتها القصصية. أتذكر  الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر صاحب الوجود والزمان، ورؤيته للشيخوخة، فهي بالنسبة إليه ليست مجرد تدهور جسدي، بل لحظة ينكشف فيها الإنسان أكثر على حقيقته الوجودية، التي لا يدركها في شبابه،  عندها يقف على عتبة ما، تقربه من حدود الزمن الشخصي، بينما  وجوده ينحو ناحية الموت. والإنسان الحقيقي، هو الذي يعترف ويعيش في ضوء هذا الإدراك، بأن موته قائم في أي وقت.

هذا الموت القريب، يكشف حقيقة الوجود، يجعل الوعي أكثر حضورًا، فالموت ليس حدثًا بل أفق يمنح الحياة معناها، ويجعل الوجود أكثر كثافة، لا أكثر خواء.

فالشيخوخة بالنسبة لهيدجر لحظة صفاء حيث ينفصل الإنسان عن الضجيج، وتتكثف علاقته بالماضي الذي يحتل مساحة أكبر في حياته، قياسًا بالمستقبل، بينما الحاضر هش.

ربما مقولة سيدة الثمانين تحتاج لإعادة تأمل، فالجسد لا يخون، لكن الشيخوخة تكشف حدود الزمن الشخصي، كما يرى هيدجر، والروح الشابة ليست وهمًا بل تعبير عن أن الكينونة لا تُختزل في العمر البيولوجي.

لطشة هيبيّة

لم أحسب حسابًا للشيخوخة في أي مرحلة من مراحل عمري السابقة، ولكنها وبدون تعمد، وبوصفها إحدى حواف الحياة، كانت جزءًا من تجربة حياتي التي كانت تسير أيضًا على الحافة. زينتها بتلك اللطشة الهيبيَّة hippie. كنت كالنمل في الشتاء أدخر لهذه السنوات القادمة، بهذا الجنوح عن أنظمة الحياة التقليدية. جعلتني هذه الممارسة أنظر دومًا للحياة من على الحافة، ساحبًا المستقبل بآماله، ومخاوفه إلى عقر دار حاضري.

لم يكن لحياتي حلم مرسوم بدقة، ولكنه بورتريه حلم سريع، كما كان بيكاسو يرسم بخيوط الضوء في الظلام، يظل الرسم منحوتًا داخل ذاكرة هذا الظلام، داخل ذاكرتي، حيث يعيش هذا الشاب الخالد الذي لا يشيخ. ومع تقدم العمر بدأت تنكشف أسئلة جديدة تمنح معنى لهذه الحياة، بدلًا من أن تكون الشيخوخة نهاية صامتة للحياة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.