تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
نجا مبارك من الجرائم التي حوكم عليها بعد الثورة

عدالة يناير| وقائع فشل سياسي جنائي مزدوج

كيف أثر الارتباك بين الشرعيتين الثورية والدستورية على محاكمات مبارك ورموز نظامه؟

منشور الاثنين 16 شباط/فبراير 2026

عقب نشر المقال السابق عن "عدالة يناير" الذي تطرّقت فيه إلى المحاكمات السياسية، كمسار ضروري لم تنتهجه الثورة ضد حسني مبارك ورموز نظامه، لاحظت في ردود الفعل خلطًا واسعًا بين المُساءلة والمحاسبة على الجرائم السياسية وعلى رأسها انتهاك أحكام الدستور؛ والمحاكمات المتسرعة أو الانتقامية للإجهاز على نظام سابق وتدشين نظام جديد بقوة الأمر الواقع.

ربما يعود الخلط إلى ارتباط المحاكمات السياسية في الذاكرة المصرية بنظام استثنائي يتدثر باسم "الثورة" كما حدث في محاكمة رموز "العهد الملكي البائد" عقب ثورة يوليو 1952 باستخدام قانون الغدر، ثم بتشريع يُعبِّر عن نظرة أحادية لرأس "دولة العلم والإيمان" هو قانون حماية القيم من العيب، المعيب منذ صدوره بتشوهات دستورية جسيمة حتى أُلغي نهائيًا عام 2008.

وبعد اكتفاء الدولة عقب ثورة يناير بمسار المحاكمات الجنائية العادية، ظل المعنى الحقيقي للمحاكمات السياسية غائبًا، حتى أن كثيرين لا يدرون بتنظيمها في المادة 159 من الدستور الحالي عند اتهام رئيس الجمهورية بانتهاك أحكام الدستور أو الخيانة العظمى أو أي جناية أخرى. بينما كان الأمر ممكنًا عام 2011 من خلال تفعيل قانون محاكمة رئيس الجمهورية رقم 247 لسنة 1956 وقانون مباشرة الحقوق السياسية القديم رقم 73 لسنة 1956.

شرعية المحاكمات: ثورية أم دستورية؟

أدى الارتباك الجماعي المشوب بسوء النوايا من أطراف عدة، إلى اعتناق نظرة قاصرة تكتفي بمحاكمة جنائية طبيعية لمبارك ورموز نظامه، حتى اكتشفنا بعد انتخاب البرلمان بغرفتيه ومحمد مرسي رئيسًا للجمهورية وتشكيل جمعية تأسيسية لدستور جديد، أن الشرعية الثورية قد انقضى وقتها، ولم تفلح المحاولات المتأخرة لاستعادتها، فدخلت البلاد في حالة تقلّب بائسة بين الشرعيتين الدستورية والثورية والمغامرات السياسية وهي تتخّذ شكل "إعلانات دستورية"، انتهت بصدام الرئاسة والحكومة والبرلمان و"تأسيسية الدستور" مع السلطة القضائية والأزهر والكنيسة والقوى السياسية المعارضة.

كان إيداع حيثيات الحكم بالسجن المؤبد على مبارك وحبيب العادلي بتهمة الاشتراك في قتل المتظاهرين لحظة استفاقة

لا يمكن فصل فشل "عدالة يناير" عن ذلك المناخ الذي ساد المشهد السياسي في النصف الثاني من عام 2012. فقد كان نتيجةً حتميةً للتقلّب العنيف بين الشرعيتين بحثًا عن استرضاء الشارع والثوار، وتعويض آثار التباطؤ والتراخي في أحضان الروتين والمواءمات لأكثر من عام ونصف، غُرست خلالها كل بذور تخريب عملية المساءلة المنشودة، لتقتصر النتائج في أفضل الأحوال على إنزال عقاب مادي أو أدبي لا يتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة، ولا يسهم أبدًا في تفكيك شبكات الفساد، أو تحقيق الردع الذي يضمن عدم تكرار انتهاك الدستور ومحاولات التوريث والعصف بالحقوق والحريات.

وكان إيداع حيثيات الحكم بالسجن المؤبد على مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي لإدانتهما بالاشتراك في قتل المتظاهرين في "قضية القرن" لحظة استفاقة.

فبالاطلاع على حيثيات الحكم شعر كثيرون أن إلغاءَه في النقض أرجح، وهو ما حدث لاحقًا، لأسباب عدة أهمها عدم إجراء تحقيق في الدعوى لاستجلاء ما غمض عليها من عناصر المسؤولية الجنائية وعدم التدليل على توافر نية القتل العمد، خاصة وأنه تضمن براءة مساعدي العادلي وانقضاء الدعوى الجنائية ضد مبارك ونجليه ورجل الأعمال حسين سالم في تهمة الرشوة واستغلال النفوذ.

محاولات الوقت الضائع

عدد جريدة الشروق الصادر في 5 أكتوبر 2012

صبيحة الخميس 4 أكتوبر/تشرين أول 2012 تلقّيتُ اتصالًا من مسؤول رفيع يدعوني للحضور بسرعة إلى مقر وزارة العدل "لأمر هام". فذهبت وشاركت في لقاءات قصيرة مفعمة بالتفاؤل والحيوية مع الوزير آنذاك المستشار أحمد مكي، ومساعديه، وبعض أعضاء لجنة تقصي الحقائق الثانية التي شكَّلها مرسي برئاسة المستشار محمد عزت شرباش.

وبينما كنت بصحبتهم بلغنا خبر الحكم على أحمد عز، أمين التنظيم بالحزب الوطني المنحل، بالسجن 7 سنوات مع غرامة قياسية قدرها 19 مليار جنيه لإدانته بغسل الأموال.

حصلتُ يومها من مسؤولي اللجنة على نسخةٍ من مذكرة من 10 صفحات سلَّمتها اللجنة إلى النيابة العامة، فنشرتَها جريدة الشروق في اليوم التالي؛ أكدت أن محاكمة مبارك في أول درجة "شابها خطأ قانوني فادح، بإغفال طلبات النيابة العامة الأساسية بمحاكمة المتهمين على جرائم القتل والشروع في قتل المتظاهرين السلميين في 12 محافظة، واكتفائها بتأسيس الحكم على الوقائع المنسوبة لهم بدائرة قسم شرطة قصر النيل فقط".

وقالت المذكرة إن المحكمة لم تتطرق إلى عدد كبير من الوقائع المقدمة إليها بالمخالفة للمادة 311 من قانون الإجراءات الجنائية، ولم تبين أسباب ذلك، وأنه يجب إحالة القضية من جديد إلى دائرة أخرى بمحكمة جنايات القاهرة لاستكمال (وليس إعادة) محاكمة المتهمين في وقائع القتل والشروع في القتل، وبغضِّ النظر عن الموعد الذي حددته محكمة النقض لنظر الطعون.

بدا لي آنذاك أننا أمام مساعٍ جادة لتقويم المسار الجنائي على الأقل، لكن غنيٌّ عن البيان أن هذه الخطوة لم تنجح، ولم تغير شيئًا من محاكمة مبارك، فقد نجا ووزير داخليته من مساءلة كاملة على تلك الجرائم، في ظل فصلتهما بالكامل عن الفاعلين الأصليين في وقائع قتل المتظاهرين.

طلقات في الهواء

بلغت التقلبات بين الشرعيتين الدستورية والثورية مدىً بعيدًا عندما أصدر مرسي إعلانه الدستوري الشهير في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 مصحوبًا بقانون حماية الثورة الذي نص على إعادة التحقيقات في جرائم القتل والشروع في قتل وإصابة المتظاهرين، وإعادة المحاكمات حال ظهور أدلة جديدة متصلة بوقائع سبق إحالتها إلى القضاء، مع إنشاء نيابة متخصصة بهذا الشأن لأعضائها سلطات قاضي التحقيق وغرفة المشورة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية.

لكن القانون ظل حبرًا على ورق، حيث تسلم مرسي من لجنة تقصي الحقائق الثانية تقريرًا كاملًا يتضمن أطنانًا من المعلومات الحساسة يمكن تصنيفها كأدلة جديدة تقتضي إعادة التحقيق أو المحاكمة، وفقًا لقانون حماية الثورة، والرؤية القانونية للجنة عندما حاولت فتح محاكمة جديدة لمبارك والعادلي، ثم لم يحدث شيء إلّا فتح ساحات جديدة للصراع السياسي، ولم يظهر التقرير كاملًا للرأي العام على الإطلاق.

إنه نموذج مثالي لكل عيوب "عدالة يناير" وفي القلب منها العجز الكامل عن المحاسبة

في مايو/أيار 2013 وثّقت مبادرة "وراكم بالتقرير" التي أطلقها عضو اللجنة الثانية المحامي أحمد راغب، ما وصفته بـ"إفساد العدالة" بإرسال أجزاء من تقرير اللجنة الثانية إلى المحاكم دون إجراء تحقيقات تكميلية، والتراخي في تحقيق الوقائع والأدلة الجديدة رغم تسليمه كاملًا للنائب العام آنذاك طلعت عبد الله، والتأخر في تشكيل نيابة حماية الثورة بهيكلها المحدد قانونًا.

وعكست التفاصيل التي نشرها الزميل أحمد حسني في جريدة الشروق منتصف مارس/آذار 2013 أن اللجنة الثانية توصلت إلى معلومات دقيقة عن الفاعلين الأصليين في جرائم القتل والشروع في القتل، وتهرّب بعض المسؤولين من تقديم شهاداتهم.

وفي الشهور التالية بلغتني معلومات أخرى من أعضاء قضائيين باللجنة بشأن استخدام الأبنية الحكومية والسيارات الدبلوماسية لأغراض مختلفة خلال الأيام الأولى للثورة منها استهداف المتظاهرين، وعن وقائع بعينها في محيط التحرير لم تُعرض أبدًا على القضاء.

قضية القرن ونموذج الفشل

إنه نموذج مثالي لكل عيوب "عدالة يناير" وفي القلب منها العجز الكامل عن المحاسبة. ولم تفلح القوانين والقرارات وعشرات الآلاف من الصفحات في التقارير الرسمية وآلاف ساعات المسجلة من مقاطع الفيديو والشهادات مع مختلف الأطراف. فلا قصاص ولا توثيق ولا سردية متكاملة تروي للأجيال القادمة حقيقة ما حدث!

ومنطلق الفشل كان التعامل مع اللحظة الثورية بآليات الحالة الاعتيادية، ثم تفويت فترة الشرعية الثورية (وهي أعلى درجات الاستثناء) دون وضع الإطار المناسب لتحقيق العدالة سياسيًا وجنائيًا، ومن ثم محاولة "الارتداد" من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية، بتعبير الفقيه الدكتور فتحي فكري، في دراسته المنشورة في في مجلة "الدستورية" الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا، العدد 22، أو "انقلاب على السلطة من داخلها" كما وصف الفقيه الراحل المستشار طارق البشري إعلانات مرسي الدستورية. وبالتأكيد لم تكن المحاكمات الضحية الوحيدة لهذا التردد والاضطراب، في ظل صراع سياسي مستعر بين الإخوان وقيادة المؤسسة العسكرية.

وحتى لا تخونك الذاكرة أو الظنون في قضية غسل الأموال لأحمد عز، التي أشرت لها قبل سطور قليلة. ففي أغسطس/آب 2018 قضت دائرة أخرى بانقضاء الدعوى الجنائية ضده، وقررت إلغاء أمر منعه من السفر والتصرف في أمواله، بعد استفادته من أحكام القانون رقم 28 لسنة 2015 الذي أجاز التصالح مع المتهمين في أية مرحلة من الدعوى الجنائية. كما قررت اللجنة المشكلة وفق هذا القانون التصالح معه في قضية تراخيص الحديد مقابل مليار و700 مليون جنيه، فانقضت التهمة أيضًا في مارس/آذار 2018.

خلال جلسة الإدانة بأول درجة، بحسب جريدة الشروق بتاريخ 5 أكتوبر 2012، وجّه رئيس المحكمة المستشار مكرم عواد حديثه إلى عز قائلًا "إشباع رغبات نفسك الدنيئة قادتك إلى نفق مظلم مشحون بالخزي والعار، تعيش فيه الذل وتلقى جزاءك".

لكنه بُعث كالعنقاء من رماد ثورة ساهم في تفجيرها!

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.